سامان كريم

خطاب نتنياهو في الكونغرس الأمريكي محاولة لدغدغة المشاعر القومية اليهودية حول الخطر الأيراني

الى الأمام: يبدو في هذه الأيام بأن هناك توتر أو برود في العلاقات الأسرائيلية الأمريكية، الرئيس الأسرائيلي نتنياهو وصل الى واشنطن ولم يستقبله الرئيس الأمريكي أوباما، كما وأن نتنياهو قد شكك في أداء الحكومة الأمريكية بشأن الملف النووي الأيراني الذي يعتبره نتنياهو تهديد مباشر لوجود أسرائيل في كلمته أمام الكونغرس الأمريكي. كما وأن جون كيري وزير الخارجية الأمريكي كان قد حذر نتنياهو من كشف بعض جوانب مفاوضات الملف النووي الأيراني. لكن من جانب أخر أكدت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سامنثا باور في خطابها أمام المؤتمر السنوي للجنة العلاقات الخارجية الأمريكية-الإسرائيلية (إيباك). وقالت "إن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تسمو فوق السياسة، وستبقى كذلك على الدوام". ونددت بما أسمته بالهجمات البشعة والمنحازة على شرعية إسرائيل عبر تحركات في الأمم المتحدة. كما وأن جون كيري وزير الخارجية الأمريكي وصف مجلس حقوق الأنسان في الأمم المتحدة بالمهووس تجاه ما اسماه مزاعم أنتهاك حقوق الأنسان من قبل حكومة أسرائيل، في كلمته في جنيف. برايك هل هناك أزمة ما ام أن في الأمر خلاف في الخطط السياسية والأداء في منطقة الشرق الأوسط.

سامان كريم: خطاب نتنياهو خطاب مألوف في اطار خطابات رؤساء الوزراء الاسرائيليين في الكونغرس بمجلسيه. خطابه مكرر وجعجعة بدون طحين من ناحية المحتوى على الصعيد المألوف. اهمية خطاب نتيناهو هو توقيت الخطاب والمرحلة التى تمر بها العلاقات الدولية بصورة عامة والأمريكية والاسرائيلية بصورة خاصة. توقيته ومرحلته هو الذي يعطي للخطاب اهميته وحتى محتواه. الخطاب كانت بدون اي بديل, نتنياهو لا يطرح بديلا بل يطرح الامر في دوامة مستمرة, يطرحه عالقا في الزمان دون ان ينتهي زمانه.... هذا هو طرحه, ويدغدغ مشاعر اعضاء الكونغرس بالهالة اليهودية والموسوية "النبي موسى" وبالخطر الايراني, وحتى ايران فوبيا "الخوف من الايران".

خطابه خطاب التحدي لكن التحدي ليس ضد ايران ونظامها بل ضد امريكا ورئيسها. هذا هو محتوى الخطاب براي. خطاب في عقر الدار الامريكي وفي صالة القوانين "الكونغرس" ضد سياسات امريكا ورئيسها, بل الانكى من ذلك ينصح الرئيس وصناعي القرار الامريكي بعدم توقيع اي اتفاق مع ايران. من هنا تنعكس المعادلة , اسرائيل تصبح قوة عظمي وامريكا تصبح ادنى منها, وهذا ما يفسره رئيس الديمقراطيين في الكونغرس حيث قال "نتناهو يشك بذكائنا". وكان جليا مدى انزعاج الادارة الامريكية من خطابه, حيث بايدن نائب الرئيس ووزير الخارجية لم يحضرا الاجتماع, وحضورهما هي عادة، وتقليد في هذه الاجتماعات، ناهيك عن مقاطعة 60 عضو من الديمقراطيين لخطاب نتنياهو.

إذن الازمة السياسية موجودة بين البلدين في اطار المرحلة الانتقالية... في المرحلة التي فيها أمريكا رويدا رويدا تفقد بريقها, وبالتالي نفوذها لصالح اقطاب عالمية اخرى كالصين وروسيا والبرازيل والهند والمانيا... اسرائيل او صناع القرار في اسرائيل يعرفون هذه المرحلة جيداً. يدركون إن "كل ما نقوله يمشي" لم يبقى له وجود وهذا تصريح مهم لجورج بوش الاب في بداية تسعينيات القرن المنصرم.... يدركون ان امريكا تواجهها قوى كبرى اقتصاديا وعسكريا وجغرافيا.... يعلمون ان امريكا ليس بامكانها ان تفعل وتحقق سياساتها لوحدها بل عليها ان تشارك الاخرين الظاهرة والحالة التي لا تعترف بها امريكا لحد الان, لكن عمليا وعلى ارض الواقع تتبع هذه السياسة, في سوريا واوكرانيا والعراق وليبيا وإيران... امريكا ليس لوحدها بل يشاركها الاخرين لحلحلة الازمات. صحيح انها اقوى من كل واحد منهم ولكن ليس اقوى منهم كلهم... وكلهم لم ولن يقبلوا بها كقائد عالمي اوحد... إسرائيل تدرك ذلك, هذا جانب. اما الجانب الاخر هو موقع ومكانة اسرائيل في الاستراتيجية الامريكية, حيث لم تبقى كما هي. خصوصا اذا ننظر الى اقصى شرق اسيا والتوجه الامريكي لاحتواء الغول الصيني.

الازمة السياسية موجودة ولكن في هذه المرحلة هي موجودة في عمق الاستراتيجية الامريكية من جانب ومن جانب اخر في المستجدات والتغيرات التي طرأت على موقع ومكانة امريكا واسرائيل على الصعيد العالمي. بمعنى ان الازمة هي ازمة بنيوية وتترك اثرها على العلاقات بين البلدين امريكا واسرائيل بالطبع. بطبيعة الحال اذا كان الازمة عميقة الى هذه الدرجة, ستنتج عنها اختلافات في الخطط والتكتيكات السياسية في مسائل عدة ومنها القضية النووية في إيران.
اعلاه تحدثنا عن مسائل اكثر عمقا وتاثيرا على مسار السياسات بين البلدين. علاوة على ذلك ان الموقف الاسرائيلي هذا لا يتقاطع مع الموقف التركي والسعودي والخليجية بصورة عامة, تضاف اليها قضية الانتخابات القادمة بعد ايام في إسرائيل, وهو اي نتنياهو يريد ان يستفيد من خطابه لصالح حملته الانتخابية, حيث تقوية القومية اليهودية وتـاجيج المشاعر القومية والدينية وفق قوله "إيران تريد تدمير دولة يهودية وحيدة في العالم". هذا الخطاب والسياسية هي متوافقة مع النهج السعودي كما قلنا, واسرائيل تريد تقوية مسعاها لجذب اكثر ما يمكن جذبه من البلدان العربية وخصوصا الخليج وبصورة رسمية وتدشين علاقات رسمية وعلنية. لان هناك علاقات ولقاءات سرية كثيرة بين حكومة اسرائيل والمملكة العربية السعودية وبلدان الخليج الاخرى... من هذه الزاوية ان خطاب نتنياهو يمثل سياسة السعودية وكافة بلدان الخليج تقريبا. وهي تسعى اي اسرائيل للاعتراف بدولتها كدولة دينية يهودية, في اطار الاستراتيجية الامريكية في المنطقة التي فشلت فشلا ذريعا برأي. وهي اي إستراتيجيتها إعادة بناء الدول القومية وفق الاصول الدينية والطائفية... وكان مشروعها مبني على الاخوان المسلمين في مصر الذي فشل ولكن تحاول امريكا عبر داعش وعبر الاخوان في ليبيا تحقيق هذا الامر...
اخيرا ان القضية اصبحت واضحة. ازمة حقيقة ناتجة عن موقع البلدين في الساحة السياسية العالمية، ومن جانب اخر ووفق الازمة العميقة هناك ازمة في الخطط والسياسات والتكتيكات على الصعيد الاقليمي في الشرق الاوسط.

مقالات