عادل احمد

في ذكرى الحركة المجالسية في كردستان

اثناء حرب الخليج الثانية او ما سميت بحرب تحرير الكويت، اندلعت الانتفاضة الجماهيرية المسلحة ضد حزب البعث الحاكم في اذار من عام 1991 في اغلبية المدن والمحافظات العراقية، وتم التخلص من سلطة البعث الحاكم بقوة السلاح الجماهيري في محافظات ومدن الشمال في كردستان العراق تم التخلص من السلطة البعثية بسرعة وبشكل منظم مقارنة ببقية مناطق في وسط وجنوب العراق، والسبب كان يرجع الى وجود حركة يسارية وشيوعية العمالية قوية وتم التهيؤ لها اثناء احتلال العراق للكويت، وكذلك الى تهيئة الاحزاب القومية الكردية وتنسيقها مع امريكا والغرب والعمل ضمن مخططاتهم. اثناء الانتفاضة الجماهيرية في كردستان العراق قام الشيوعيين العماليين وفعالي الحركة العمالية بتأسيس المجالس في المعامل والمصانع ومحلات سكن الجماهير العمالية والكادحة. واصبحت الحركة المجالسية تكتسب قوة جماهيرية واسعة وانتشرت في اغلبية المدن والمحافظات في كردستان العراق. وعلى اثر جماهيريتها وخطورة هذه التجربة الجديدة لممارسة الارادة الثورية المباشرة للجماهير العمالية والكادحة بنفسها. قامت الاحزاب البرجوازية القومية الكردية مجتمعة تحت مظلة "الجبهة القومية الكردستانية" بالوقوف ضد هذه التجربة الوليدة والثورية الاولى في تأريخ العراق وخاصة كردستان.
هناك كتابات ومقالات عديدة حول التجربة المجالسية في كردستان وتوجد ملفات ومستندات هذه التجربة في العديد من الكتب كتبتها فعالي المجالس ورووا فيها تجاربهم ومشاكلهم وبطولاتهم، بأمكان اي شخص قراءتها واستخلاص الدروس والتجارب منها. ولكني سأتطرق الى هذه التجربة ليس في زاوية مشاركتي في هذه التجربة الثورية لا لكوني احد فعالي هذه الحركة بل في الزاوية التي ارى فيها الوضع الحالي المأساوي الذي يمر به كردستان والعراق. اي على ضوء هذه التجربة نلقي الضوء على حاضرنا ومستقبلنا. ان الحركة المجالسية في كردستان العراق على الرغم من قصر مدتها والتي لم تتجاوز شهرا كاملا من الفعالية السياسية والجماهيرية، ولكن تأثيرها السياسي والثوري بقى لسنوات عديدة واحدى مكتسباتها السياسية كان تشكيل الحزب الشيوعي العمالي العراقي ونضاله في خضم الاوضاع السياسية واللاانسانية التي خلقتها امريكا والغرب والاحزاب البرجوازية المحلية.
والان وبعد مرور اربعة وعشرين سنة على هذه التجربة الثورية، وعلى ضوء هذه التجربة اذا نظرنا الى الاوضاع السياسية والاجتماعية الحالية، لرأينا مدى مقدار الاخفاقات والانحدار السياسي والاجتماعي في مجتمع كردستان. ورأينا مدى امكانية الاحزاب القومية الكردية في التلاعب بمصير الجماهير العمالية والكادحة لخدمة مصالحها. ورأينا مزيدا من المأسي والويلات والحروب والتشرد من نصيب الجماهير في كردستان. واكثر من ذلك سارو بالشعب الكردي الى افاق مظلمة ومجهولة بتحالفاتهم مرة مع امريكا والغرب ومرة مع ايران وتركيا ومرة مع الاحزاب القومية العروبية ومرة مع الاحزاب الشيعية... كل هذا يتم بسبب عدم وجود افاق واضحة للبرجوازية الكردية واكل خبزهم بسعر اليوم فقط. ولا توجد خبر على انهاء وحل المشكلة القومية الكردية.. كل البرجوازية الكردية مشغولة بكيفية نهب الثروة الاجتماعية والتوافق مع المركز الشيعي لتوزيع وسرقة الحصص المخصصة لهم... واحتكار الاسواق والمعاملات التجارية والاقتصادية لصالحهم فقط... الخ.
ان كل هذه الاخفاقات في الاوضاع السياسية الحالية حدثت عن طريق اسكات واخماد الحركة الثورية في كردستان واخماد المد الثوري بوجود الحركة المجالسية والتحزب الشيوعي. وعلى نقيض هذه الاوضاع المأساوية وانعدام الافاق لدى الجماهير في تقرير مصيرها في الوقت الحالي، اثبتت التجربة بأمكان الحركة الثورية دائما ان تفتح طرقا مختلفة لتوجه الجماهير نحو حياة افضل. ان شهرا واحدا فقط من وجود المجالس، فتحت افاق ورؤية واضحة لاستعمال الارادة الانسانية من اجل التغلب على المشاكل والمتاعب الاجتماعية والسياسية، كما رأينا بعد سنة من تجربة المجالس محاولة القيام بتظاهرة مليونية ضد الاحزاب القومية الكردية، والانتفاضة على سلطتهم القمعية والتعسفية والصوصية في اربيل والسليمانية في صيف عام 1992 التي زرعت الخوف في قلب الاحزاب الكردية. لولا وجود تأثيرالحركة المجالسية وطيف واسع من فعالي الحركة الشيوعية العمالية لما وجدت وضعية ثورية كهذه. واستمرت هذه الوضعية لسنوات فقط بسبب تجربة الجماهير في ممارسة سلتطهم بنفسهم عن طريق الحركة المجالسية.
والان وبعد مرور اكثر من عقدين من الزمن على هذه التجربة، لا يوجد خيار امام جماهير العمالية والكادحة في كردستان، الا الرجوع الى هذه التجارب الثورية في استعمال ارادتهم بنفسهم عن طريق حكومة مجالسية من الاسفل الى الاعلى وفي جميع نواحي الحياة. اثبتت هذه التجربة عدم قدرة قبل الاحزاب القومية الكردية في التلاعب بمصير الجماهير في كردستان اذا نظموا صفوفهم في منظماتهم المجالسية واستخدموا ارادتها. عن طريق التنظيم في المجالس بأمكان تنظيم الاقتصاد وتشغيل المصانع والقيام بعملية الانتاج والتوزيع وتوزيع الاجور. وعن طريق المجالس والمقاومة الشعبية بالامكان الوقوف امام الوحش الداعشي وزحفه. بأمكان السلطة المجالسية العمل من اجل تهيئة الوضعية المناسبة لحل المشكلة القومية الكردية واحتمال انفصالها. عن طريق المجالس بأمكان توزيع الثروة الاجتماعية بالتساوي. وعن طريق المجالس، بالامكان قطع يد الدول الاقليمية ومنعها من التطاول والتدخل في شؤون كردستان. وعن طريق المجالس بأمكان الغاء القوانين الرجعية واصدار قوانين عصرية ومدنية في جميع مجالات الحياة وخاصة مساواة المرأة. عن طريق المجالس بالأمكان حماية الجماهير من اي عمل ارهابي والقيام بحماية المواطنين عن طريق مراقبة وعيون جماهيرية يومية. اي بكلمة واحدة بامكان الجماهير في كردستان القيام بحكم انفسهم بنفسهم عن طريق حكومة مجالسية. امكانية واقعية ويوجد لدينا تجربة ونواة هذه الحركة.

مقالات