فارس محمود

احذر: أوهام ومخاطر!

"شباب نادتهم حرائر الموصل وتكريت"، "مالذي لنا في الموصل وتكريت، لا ارض ولا زرع ولا بيت، ولكن هبينا دفاعا عن اخوتنا"، "نريد تحرير العراق"، "نريد تحرير أهلنا في الموصل وتكريت"، "نحن نشترك في العراق"، "انها، ولأول مرة، اختلط فيها الدم الشيعي والسني" والخ... ولكن هل القضية هي فعلا هكذا؟! وهل هذا هو واقع الحال وحقيقة الأمور؟! الامر كلا مطلقا.
انا لا اتحدث عن من يردد مثل هذه العبارات بوهم، ولا عن من ذهب لهناك واهماً بالحشد الشعبي وبنداء المرجعية، بل انا اتحدث عن العبارات نفسها، وعن القوى والاهداف الحقيقية والواقعية (المتستر عنها، والتي لايبوحون بها) التي تقف وراء مثل هذه العبارات. انهم يكذبون! انهم لايقولون الحقيقة! واقع الحال هو بعيد كل البعد عن عبارات مثل هذه. انهم يموهون غاياتهم ويتسترون عليها.
لم يكن الحشد الشعبي حشدا شعبياً على العموم. انه حشد طائفي بالأساس. فما ان يفتح مقاتل "الحشد الشعبي فمه، وما ان يتحدث مسؤوليه فان اول كلمة يقولها، وبصورة عفوية، هو " اننا اتينا دفاعا عن المذهب" وهو الاسم الرمزي للدفاع عن مصالح المليشيات والتيارات السياسية الشيعية، وتفضحه شعاراته وبيارقه وراياته حول "زينب" و"الحسين" وخامنئي و....
انها مليشيات الجمهورية الإسلامية، بوصفها العقل المدبر للتيارات المليشياتية "الشيعية" الحاكمة، انه في عراق اليوم، عراق الصراعات والنزاعات السياسية الصعبة والشديدة، لايمكن بناء جيش يخدم مصالحهم المباشرة والوحيدة، تبين لهم ان المالكي لم يستطيع، رغم كل جهودهم ومساعيهم المبذولة ان يؤمن مصالح تيارات الإسلام السياسي "الشيعي" وايران. لقد راوا كيف تبخرت سلطة الدولة والجيش بدقائق بدخول داعش ومن ورائها تركيا التي تريد ان تقلب الطاولة على غريمها الإقليمي، ايران. ان الجيش ليس جيشهم وقوات الداخلية وسوات واجهزتهم الأمنية رغم كل عملهم المضني، ليست بقوات يستطيعون الركون لها لارساء وتامين سلطتهم وحكمهم.
ان الحشد الشعبي هي حركة إيرانية صريحة لتشكيل مليشيا مهيمنة، مدعومة من قبل السلطة نفسها، مستغلة اجتياح داعش لاكثر من ثلث العراق، انه تشكيل كيان له سلطة موازية لسلطة الدولة تنهل منها، بشكل قانوني وبشكل رسمي، ولاترضخ لها، بل على العكس تقف الدول ومؤسساتها عديمة الحيلة وصاغرة امامها. انها تشكيل حزب اللـه اخر طليق الايدي في العراق ممول وتدعمه الحكومة نفسها وتجعل نفسها مطية للدفع بمشاريع مليشيا الحشد واهدافه.
ليست أساس القضية هي الدفاع عن "حرائر الموصل وتكريت"، بل تشكيل مليشيا تزيح داعش من العراق، واستنادا الى هذه الازاحة، يسنده وفي سياق توهم ووهم جماهيري واسع، لتطلب حصتها من السلطة والحكم بالقريب العاجل. ولهذا فانه ليس بامر ات من فراغ ان يقول قيس الخزعلي "الحشد الشعبي قوة لايمكن حذفها بعد". وهذا هو الهدف وبيت القصيد. المسالة الأساسية انها قوة، داهنت المشاعر الشعبية بـ"التحرير من داعش" وتعكزت عليه، واطار مليشياتي "رسمي" مقبل في العراق. وها هي صرخات في البرلمان تتعالى بوجوب "تجريم كل من يشكك بالدور البطولي للحشد الشعبي"!!. انه ليس إضفاء الهالة القدوسية على هذا التنظيم فحسب، بل كذلك تثبيت مصادرة الحريات السياسية وحريات الراي والتعبير بصورة صريحة وسافرة.
وترى اليوم، واكثر من أي وقت مضى، هيمنة ايران على القرار في العراق. فها هي مليشيات عصائب اهل الحق، ومايسمى بالحشد الشعبي، تضع مداليات بصور خامنئي على قبعاتها، وترى الرايات الطائفية وعليها صور الخميني وخامنئي ورايات زينب الملونة غيرهم، وها هو "الحاج" هادي العامري يطالب العراقيين بنصب تمثال لقاسم سليماني في بغداد!!! ويقول بصريح العبارة: "خامنئي ليس قائداً لإيران فقط، بل هو قائد الامة الإسلامية"! و"لولا سليماني وايران لاجتاحت داعش العراق كله"! انها لكذبة، لقد رد أهالي كوباني ونساء كوباني بمقاومتهم البطولية والباسلة داعش مئة مرة ودحروهم شر اندحار، علما انهم لايملكون من السلاح والعتاد والذخيرة جزء من الف مما هو موجود في العراق! انه كلام مضلل ومخادع. ان بوسع جماهير العراق ان ترد الف داعش. ان لم يستطع أمثال الحاج المذكور هذا ذلك، فانه دليل عجزه وعجز سلطته وحكمه المتهرئين والفاسدين الى ابعد الحدود، فارجوه ان لايعمم عجزه هذا على جماهير العراق التي غيب أمثال العامري ارادتها باوهام تحرير العراق وظلم الشيعة والبرلمان والمرجعية والطائفية وشيوخ العشائر الجشعين والساعين للسلطة والثروة باي ثمن!
انهم يتحدثون عن (اختلاط الدم "السني" و"الشيعي")، ولكنهم فاتهم ان يذكروا العبارة والاهداف كاملة وهي ان يكون الدم "السني" ملحقا لـ"الشيعي"، ملحقا لسلطة وحكم "الشيعة"، وحكم "الشيعة" لاتعني حكم أهالي البصرة والناصرية والعمارة، بل تعني حكم مليشيات ترفع راية "الشيعة" والطائفية لاهداف ومصالح تتعلق بها هي نفسها وليس لها أي صلة بمصالح الاهالي والجموع القاطنة في تلك المناطق التي تعاني ايما معاناة من سلطة وحكم هذه التيارات "الشيعية"، من نهبهم وفسادهم ومليشياتهم واجرامهم المنظم.
على جماهير العراق ان تكون واعية لحقيقة مهمة وان لاتبلع الطعم الذي ابتلعته اكثر من مرة، حقيقة ان قيام الحشد الشعبي، وبتحرير تكريت او الموصل وحتى الانبار من داعش، لايعطيها ادنى حقانية ومشروعية وتعاطف لحكمهم. ان حرب الحشد مع داعش، الذي لايمكن فصله عن الصراع الإقليمي الإيراني-التركي من اجل بسط النفوذ على المنطقة، هو حرب مع قوى أخرى غريمة يستهدف حذفها من الساحة كي يحتكر الميدان هو نفسه، حذفها من طريقها للسلطة والهيمنة والحكم، لا اكثر. انها تحارب داعش لانها تقف عائقاً امام تحقيق أهدافها. وان سلطة قوى من أمثال الحشد وعصائب اهل الحق وبدر لايتعدى حكم نموذجها الذي تفتخر به، نموذج ولاية الفقيه، ولاية الاعدامات والقتل الجماعي والبطالة والجوع والفقر والحجاب الاجباري واكثر من 3 ملايين متعاطي مخدرات (حسب الاحصائيات الرسمية، وفي واقع الحال يتعدى هذا الرقم كثيرا)، بغاء-زواج المتعة وهيمنة شقاوات حزب اللـه والباسدران على الشارع وغيره. انها تاتي للسلطة عبر التعاطف الجماهيري مع طرد داعش، وستنقلب عليهم فورا لتذيقهم امر العذابات، ان هذا الامر راته كثيرا جماهير العراق اكثر من مرة، وعليها ان لا تبلع الطعم مرة اخرى.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015