نادية محمود

لحماية حياة النساء وحقوق المرأة يجب فصل الدين عن الدولة

كلمة نادية محمود بمناسبة 8 اذار في لندن ان العالم لن يجري تدميره بسبب اولئك الذين يقومون باعمال شيطانية، بل بسبب اولئك الذين ينظرون اليهم دون ان يقوموا بفعل شيء. "اينشتاين"
الحضور الاعزاء. اشكركم لدعوتي الى هذا التجمع واهنئكم بمناسبة الثامن من اذار يوم المرأة العالمي. لقد جئت الى هنا لاؤكد على مطلب مهم واساسي بالنسبة لنا في هذه المرحلة وهو من اجل حماية حياة النساء وحماية حقوق المرأة في منطقة الشرق الاوسط، في افريقيا وفي اسيا يجب فصل الدين عن الدولة، يجب فصله عن الحياة السياسية بشكل نهائي وللابد. يجب ان نناضل لاخراج الدين من الحيز العام الى الحيز الخاص بالافراد.
وساوضح اسبابي لهذا المطلب المهم الاساسي والحاسم.
منذ ظهرت الجمهورية الاسلامية في ايران عام 1977، ثم اعقبتها طالبان في افغانستان، وثم السودان، وتنظيم الاخوان المسلمين في مصر، وظهور الحركات الوهابية والسلفية، والاحزاب والميشليات الشيعية في 2003 وحركة بوكو حرام واخيرا داعش في العراق. كانت المرأة بشكل خاص ولازالت هي الضحية الاولى لظهور وتسلط الاسلام السياسي.
نسمع من بعض المدافعين عن الاسلام يقولون مرارا وتكرارا بان تلك الحركات الاسلامية لا تعبر عن الاسلام، وانها اساءت تفسيره، وهي خاطئة ومشوهة للاسلام. الا ان المسالة لا تكمن هنا، لا تدور حول ايهما يعبر عن الاسلام، او فيما اذا كانت كل تلك الجماعات تعبر عن الاسلام بشكل صحيح وحقيقي، او انها لا تعبر عنه على الاطلاق. ان تلك الجماعات اسلامية، تعلن عن نفسها اسلامية، وتحكم البلدان بقوانين الشريعة، وان لم تكن حاكمة وتسيطر على الناس من فوق، فتلك التي تعمل في المعارضة، او تعمل من الاسفل، لديها ذات الاجندة. انها تعمل على اسلمة الحياة الاجتماعية بشكل يومي، عاصف ومتواصل ومواظب، ان رسالتها ومنهجها تجاه النساء، يتغذى من التعاليم الاسلامية، وان نصيب النساء فيه هو القتل والاغتصاب وامتهان حقوقهن ومعاملتهن كمواطنات ناقصات ومن الدرجة الثانية. لذلك يجب ان يفصل الدين عن الدولة.
لأركز حديثي عن العراق، ولاسرد لكم ثلاثة حوادث لا غير. بعد حرب 2003، دشنت الميشليات الشيعية ظهورها لاول مرة واعلنت عن وجودها، مفتتحة عهدا جديدا، عهدا ما بعد دكتاتورية صدام حسين بقتل طلبة احد الجامعات في مدينة البصرة بسبب خروجهم في سفرة جامعية. تلك كانت صفارة انذار لاعلان ظهورهم. للتعبير عن ماهيتهم، عن رسالتهم، لتلي تلك الجريمة الاولى جرائم لا تعد ولا تحصى بعدها، وفي كل تلك الجرائم لم يعرف القتلة ولا المجرمون وفي بلد لا يحكمه الا القانون الاسلامي والاعراف الرجعية المعادية للمرأة، المجرمون لا زالوا احرارا بدون عقاب. القتل الذي شهدته نساء البصرة وصل ارقام لم تشهدها المدينة باي شكل من الاشكال حتى تحت حكم دكتاتور غاشم. الحادثة الثانية، وهي في السنة الماضية، وبينما كانت عصابات داعش الارهابية تقتل النساء وتعاملهن معاملة العبيد، قامت الميلشيات الشيعية في قلب العاصمة بغداد وفي غضون ثواني وفي بيت واحد بابادة ما يقارب عشرين امرأة بحجة امتهانهن لمهنة بيع الجسد. ولازال المجرمون احرارا بدون عقاب. انهم ارتكبوا جريمتهم لانهم ينفذون القوانين الاسلامية. لذلك يجب فصل الدين عن الدولة.
والحادثة الثالثة، قد تبدو غير دموية عما ذكرت في الحادثين السابقين، الا انها تعلن عن نية الحكومة العراقية، ذات النهج الاسلامي بدفع اعمالها لاسلمة المجتمع الى مستوى اخر، مستوى اعلى، وذلك بالشروع وبشكل رسمي باسلمة الفضاء، بجعل المجال مفتوحا فقط للقنوات الفضائية والاذاعية الاسلامية، الشيعية منها والسنية. حيث قامت هيئة الاتصالات باصدار منع هذه الايام لاذاعة منظمة حرية المرأة في العراق. ان هذا العمل العدواني بالقدر الذي يستهدف اسكات صوت المرأة المرأة التحرري ونضالها في العراق، انه في ذات الوقت اعلان هجوم رسمي على حرية التعبير عن الرأي تلك التي خطوها كذبا وتزويرا في دستورهم. انه هجمة معادية ضد القوى العلمانية، على حقوق استخدام قنوات التواصل الاجتماعي. ان هذا يدق جرس انذار لعمل المنظمات النسوية وللمجتمع بشكل عام. انه اعلان عن برنامج واضح لاسلمة المجتمع وبشكل قسري. في بلد يكتظ فضائه بالقنوات الطائفية الباعثة على الكراهية، يمنع فيه الصوت التحرري والمساواتي والعلماني في المجتمع. ان المجال لا يسعني هنا للحديث عن البرامج الرسمية وغير الرسمية والدائبة والتي تمارس من قبل قوى الاسلام السياسي لاعادة النساء الى زمن الحريم. لذلك سانتقل بحديثي الى داعش. لقد شهدنا ما لم نشهده من قبل. سمعنا وقرأنا ما يصعب علينا تخيله. ان القاعدة تعتبر منظمة معتدلة قياسا بما تقوم به داعش. انها تعامل النساء مرة كمكافاة لمقاتليها الارهابيين ومرة كهدف.
انها تعامل النساء كمكافاة لمقاتليها حيث تقوم بتوزيع النساء عليهم، بجعل النساء نهبا لعصاباتهم، لاعمالهم الاجرامية. انها تقوم باختطاف و اغتصاب النساء و توزيعهن على الارهابيين. اختطفت و اغتصبت النساء الايزيديات و المسيحيات و الشيعيات من العرب و الاكراد و التركمان. استخدمت اساليب الترعيب للحد الذي جعل الرجال في بعض الاسر يقومون بتزويج بناتهم و اخواتهم لارهابيي داعش اما حماية لانفسهم و اتقاءا لشرورهم او من اجل يحوزوا على مواقع قيادية في هذا التنظيم.
داعش قامت ببيع النساء في اسواق الموصل. ورأينا على شاشات التلفزيون او شبكات التواصل الأجتماعي كيف يتبارى الارهابيون بزيادة اسعار سباياهم من النساء. في اوضاع الاختطاف والاغتصاب تناولت وسائل الاعلام قصصا عن فتيات ونساء جرى تجويعهن ومنع الطعام عنهن لانهن رفضن الرضوخ لمحاولات اغتصاب الارهابيين. في الشهور الاخيرة جرت عمليات اعادة شراء النساء عبر ضخ اموال الى تلك العصابات والتوسط عبر رؤساء العشائر لاعادة النساء السبايا الى اسرهن.
جاءت داعش بظواهر جديدة وبتسميات جديدة: جهاد النكاح. هذا يعني ان يجري زج النساء في عمليات اغتصاب منظم مع ارهابييهم خدمة لدولة الخلافة الاسلامية. لقد قام هذا التنظيم بجلب النساء ليس من المنطقة العربية بل ومن دول اوربا وحتى الصين. لقد تم خداع فتيات اطفال في سن المراهقة لترك بلدانهن في اوربا والالتحاق بداعش. يتم استغلال النساء وجلبهن الى "دولة الخلافة الاسلامية"، مستغلين اوضاع تلك النساء الاقتصادية او احيانا نزوعهن الديني. ان سفالة وبربرية الحركات الاسلامية واجرامها لا حدود لها. لذلك يجب فصل الدين عن الدولة.
الان ساوضح كيف يستخدم داعش النساء كهدف. في يوم 23 من شهر كانون الثاني الماضي اصدر داعش بيانه بخصوص النساء، مانفسيتو النساء في دولة الخلافة الاسلامية. هنا يتناول داعش المرأة كهدف. عبر صياغته لموقع ومكانة المرأة في المجتمع في بيانه ، يضع اسس ويبني دعائم مجتمع الخلافة الاسلامية. انه يصنف دور المرأة على اساس جندري. على المرأة مسؤولية الامومة والعناية بامور البيت، وعلى الرجل القيام بمهام العمل وتدبير المعيشة، يقر بحق الفتاة بالتعليم بين سن السابعة الى ما قبل سن الخامسة عشر، ويؤكد التنظيم ان ما تحتاج المرأة لتعلمه لا يتعلق بالرياضيات او العلوم بل يتعلق بتعليمها عبادة الله والدين لا غير. برنامج داعش ينص على شرعية وامكانية تزويج الاطفال الاناث في سن التاسعة من العمر. هذه الفقرة تشبه ما جاء في القانون الجعفري الذي صدرت مسودته في العام الماضي من قبل احد الناطقين باسم الاحزاب الشيعية في العراق. وهنا يلتقي الجانبان الشيعي والسني في امر تزويج الاطفال او بالاحرى تشريع اغتصاب الاطفال. لذلك يتوجب فصل الدين عن الدولة والغاء القوانين والتشريعات الدينية.
لقد انخرطت النساء في كوباني، كتفا الى كتف مع الرجال، يحملن السلاح ويقاومن للخلاص من داعش. لقد كان الارهابيون يخيفهم ان يقتلوا على ايدي النساء لان هذا سيحرمهم من فرصة الوصول الى الجنة. لقد تحررت كوباني بفعل المقاومة المسلحة لداعش التي تضافرت فيها جهود النساء مع الرجال.
ولكن مالذي يمكن للجمهور الموجود هنا فعله للمساعدة للتحرر من داعش. ارى ان هنالك طريق واحد لا غير. هو مساندة الحركات التحررية والمساواتية والعلمانية في داخل العراق وفي خارجه بمختلف الاشكال. ان النزعة الداعشية والتحرك الداعشي والسياسة الداعشية لارهاب النساء والمجتمع يتم الدعوى اليها في الجوامع، السنية منها والشيعية. يجب فضح تلك المساعي، وكشف النزعة المعادية للمرأة. ان هذا الامر لا يتم في الشرق الاوسط او العراق، انه يتم في دول اوربا وامريكا وفي كل مكان. يجب فضح هذه المساعي، التنبيه لمخاطرها، والعمل مع البلدان المضيفة لكشف والتصدي لهذه البرامج التي تشكل الخلفية التي يتغذى منها داعش ويديم وجوده.
يجب تنظيم الاحتجاجات للضغط على الدول المساندة لداعش، مثل تركيا. يجب وضع الضغط عليها لترفع يدها عن دعم داعش. يجب كشف تواطؤ الحكومات البريطانية والاميركية بادامة عمر داعش. يجب تقوية ودعم المنظمات في داخل العراق التي تقف ضد داعش، وتلك التي تقدم المساعدات للضحايا.
سانهي كلامي بالقول لو اردنا ان نقوم حفلا مثل هذا، حيث يجري فيه الحديث بحرية، وحيث تسمع فيه الموسيقى، وحيث يجلس النساء مع الرجال، وحيث بامكان المرء ان يعبر عن فرحه. ومن اجل ان يكون بوسعنا ان نقيم حفلا كهذا في الخرطوم ودافور والرقة والموصل وكابول، يجب فصل الدين عن الدولة.
شكرا لاصغائكم.
*****
-
الكلمة ألقيت في ندوة بمناسبة يوم المرأة العالمي لبحث اثار الحروب على اوضاع النساء، بالتركيز على نموذج السودان، دولة الخلافة الاسلامية في العراق، اريتريا، جرائم بوكو حرام في افريقيا، نايجيريا. أقامتها منظمة تبليدا للمساعدة والتنمية في مركز ايثلبورغ للمصالحة والسلام في العاصمة البريطانية لندن بعد ظهر يوم الاحد الموافق 8 / 3 / 2015.

مقالات