شاكر الناصري

حركة الخلاص الثوري: حكاية تنظيم سري!

هذه محاولة لإستذكار تلك السنوات المشحونة بالنشاط والتحدي وبالتوتر والقلق والإنتظار والسعي للمواجهة من 1984 وحتى1993. سأتحدث عن واحدة من تجارب الحركات الماركسية التي تأسست وعملت في مدينة الناصرية. سيكون الحديث محاولة إستذكار حكاية تلك الحركة وناسها، لذلك سيغيب الرأي النقدي، سياسياً وفكرياً، حيث سنؤجل هذا الأمر إلى وقت لاحق. والحديث هنا سيكون أول حديث عن "حركة الخلاص الثوري" والتحولات التي طرأت عليها، فلم يتم التطرق إلى هذا الموضوع سابقاً إلا في مناسبات قليلة جداً وتحول مع مرور الوقت إلى مجال للتكهنات وإطلاق الأحكام!


"
حركة الخلاص الثوري" تنظيم شيوعي سري تأسس في 1984، يعمل في الناصرية، البصرة، النجف، بغداد ". كان يعمل بإمكانات محدودة ولكن بأفق ماركسي ثوري ناقد للوضع في العراق وبروحية شباب يعارضون السلطة رغم كل جبروتها، حيث أجواء الحرب والقبضة الاستبدادية الرهيبة التي تطحن المجتمع العراقي وتحيل شبابه إلى وقود في محرقة الحرب الكارثية.
كان هذا التنظيم، في برنامجه ونظامه الداخلي، يطرح تصوراته عن العراق وطبيعة النظام الفاشي الذي يمارس حكمه بقسوة وجبروت يصعب وصفهما والمحدوديات التي فرضها على الحركة الإحتجاجية التي تحدث في المجتمع ويتم قمعها بالتخويف والإستبداد وحملات الاعدام المتواصلة آنذاك، وعن الحرب والمخاطر التي تفرضها على المجتمع والحركة الاجتماعية للعمال وللطيف الثوري من النساء والطلاب والشباب، وعن القضية الكردية في العراق.


لم نكن نعرف أو نلمس وجود حركات وتنظيمات سياسية معارضة تعمل داخل المدن، باستثناء تحركات محدودة لتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي التي لم تشملها حملة التصفيات التي طالت الحزب وكوادره وتنظيماته، منشورات وتحركات محدودة وكانت آخر حلقات وأوكار هذا الحزب تواجه ضربات قاسية من لدن أجهزة القمع البعثي. وكان من الصعب جداً أن نعلم بوجود تنظيمات آخرى، ولكننا كنا على يقين تام بأن حركتنا ليست الوحيدة التي تعمل في العراق وأن هناك تنظيمات آخرى ولكن يصعب الوصول اليها بحكم المخاوف من الإنكشاف أمام اجهزة الأمن البعثية. وهذا ما عرفناه لاحقاً فثمة مجموعة كبيرة من التنظيمات السياسية المختلفة التي تعمل ضد سلطة البعث ولكل منها اسلوبه النضالي وطريقة ادامة وجوده. الحركات الإسلامية غادرت العراق باتجاه إيران. الحزب الشيوعي العراقي لجأ إلى الجبال ومن هناك يخوض تجربة الكفاح المسلح الذي يهدف لاسقاط الدكتاتورية! لاحقا، سنعلم ومن خلال جريدة الجزيرة * ما حصل للحزب الشيوعي العراقي وللجبهات التي شارك فيها آنذاك!


"
حاكم محمد عدايّ" هو أول من أطلعني على مشروع هذا التنظيم وأمكانية أن أنظم اليه، كنت في الصف السادس الأدبي حينها. كنا نقرأ الكتب والكراسات الماركسية المتوفرة فنقوم بتلخيصها ونتناقش حولها وحول وضع العراق وأمكانيات التحركات الثورية فيه رغم القبضة الدكتاتورية والخسائر البشرية والمادية التي تذهب ادراج الرياح في الحرب القائمة بين العراق وإيران. لم يكن لهذا التنظيم أي صلة بالحزب الشيوعي العراقي، بل كان منتقداً لممارساته ومشاركته في الجبهة مع حزب البعث والآثار المدمرة لهذه الجبهة على الحركة الشيوعية والثورية في العراق. عدد من كوادر التنظيم كانت لهم سابقة نضالية مع الحزب الشيوعي أو من الأجواء الإجتماعية المحيطة به.
كنا نلتقي بين فترة وأخرى" عماد عبد الرزاق، حاكم محمد عدايّ، صلاح حسن، أحمد عبد الستار وأنا*" لم أحضر هذه اللقاءات الا بعد مرور عدة أشهر على دخولي التنظيم بصفة رسمية. كان هناك عدد من كوادر التنظيم لانعرفهم وكانت لقاءاتهم تتم حسب ضوابط التنظيم الخيطي الذي يتم إعتماده عادة في التنظيمات السرية." هشام خزعل من الناصرية، وعقيل ...من النجف. إختيار الأشخاص ومفاتحتهم بالإنتماء لتنظيم شيوعي سري، مهمة صعبة ومحفوفة بالمخاطر. البعض كان يستجيب للتصورات والافكار التي نطرحها ولكنه يعبر عن خوفه وخشيته من السلطة وقبضتها القمعية. والبعض الآخر قاطعنا تماماً!. نصار هاشم ومحمد عبد الرضا من الكوادر التي انظمت للتنظيم في مراحله الأولى.


هذا التنظيم مر بعدة مراحل وأسماء وهيكليات تنظيمة تستجيب لطبيعة الوضع العراقي والضرورات التي يرتئيها التنظيم لحماية نفسه أولاً. " حزب الشعب الثوري العراقي" كان هو الأسم الأول للتنظيم وقد تم إعتماد هذا الاسم لفترة من عمر التنظيم ولكن بعد مناقشات حول قدراته ومساحات عمله وقوته التنظيمة تم الإقرار بأن يكون التنظيم حركة ثورية يمكن أن تتطور لاحقاً إلى حزب سياسي وكل ذلك مرهون بتوسع ميادين عملها وإمكاناتها وجاهزيتها للتحول السياسي. تم اعتماد أسم" حركة الخلاص الثوري".


ولأننا لم نمتلك خبرة تنظيمة كافية آنذاك فقد كان من الصعب تحديد آليات العمل التنظيمية التي يسير وفقها التنظيم أو يتبعها للوصول إلى أهدافه. اعتماد الماركسية كراية سياسية وفكرية كان أساسياً ولكننا وقفنا امام طبيعة وحركة هذا التنظيم، أي أسلوب تنظيمي سنتبع ووفق أي نموذج يجب أن نسير؟؟ هل نتبع نمط الأحزاب الشيوعية في العالم العربي ونحن نتلمس إنهيار أقرب تجربة الينا وهي تجربة الحزب الشيوعي العراقي؟ هل نعمل وفق تجربة المنظمات الفلسطينية وخصوصا التي عرفت نفسها كتنظيمات ماركسية، جبهة تحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين...الخ؟، أم محاكاة الحركات الثورية في أمريكا اللاتينية والعديد من المنظمات الثورية الاخرى في العالم وكان لها حضوراً لافتاً بحكم العمليات المسلحة التي تقوم بها، ولكننا وصلنا إلى قناعة بأن مجمل هذه التنظيمات كانت تفتقد للأفق الإجتماعي الذي يجب أن تمتلكه التنظيمات الشيوعية والماركسية، لأنها وبكل بساطة بعيدة تماماً عن الطبقة الإجتماعية التي يفترض انها تقود حركة النضال الاجتماعي، الطبقة العاملة، وتقود كذلك مجمل الحركات الاجتماعية التي تشعر بالإستغلال والظلم الطبقي الذي تفرضه الطبقة البرجوازية الحاكمة والمتسلطة ومالكة القوة والعنف!


اسئلة الحرية والإستبداد والدكتاتورية المرعبة جعلتنا أمام تحديات كبيرة نستشعر من خلالها وجودنا وكرامتنا وشعورنا بما يعانيه الإنسان في العراق من ظلم وإذلال قل نظيره، ولعلنا نتشارك مع الكثير من العراقيين الذين إنشغلوا بالأسئلة التي كانت تدفعنا للتحرك والبحث عن طريق خلاص. مجموعة من الشباب تريد أن تُحدث تحولاً في حياة المجتمع العراقي وتجعل العراقيين في مواجهة أعتى سلطة أستبدادية عرفها التاريخ، فاستبداد السلطة وبطشها كان في أوجه و الخشية من ردود أفعال هذه السلطة التي تسوق الجميع إلى ساحات الحرب، واضحة جداً. الحديث عن الحرية والحقوق والكرامة الإنسانية كانت محظورات شديدة الخطورة ولن يتم الحديث عنها إلا من منظور السلطة وفكر ومنهج حزب البعث. الفاشية البعثية كانت في اقوى مراحل تسلطها.


اعتمدت "حركة الخلاص الثوري" مبدأ الكفاح المسلح كأحد مجالات عملها وتوجهها السياسيّ والإجتماعي. فالدكتاتورية التي تحكم بالحديد والنار و ترتكب المجازر بحق العراقيين لابد وأن تقابل برد حازم، هكذا كنا نفكر ولم يكن أمامنا من خيارات سوى المواجهة!!!. وضع الداخل العراقي والقبضة الإجرامية لسلطة البعث وأجهزة الأمن كانت كفيلة بأن تكون توجهاتنا بطيئة جداً جداً وكل حركة لابد وأن نحسب لها ألف حساب. لم تكن لدينا أموال وخبرة كافية للتحرك وتوسيع التنظيم حينما يتعلق الأمر بالكفاح المسلح وحيازة الأسلحة واختيار أماكن للتدريب، كنا نمتلك عزيمة شباب يتطلعون لحياة خالية من الاستبداد والقمع، ولكن هذا وحده لايكفي في مجتمع محكوم بقضة قاتلة تجعل الإنسان يتخوف ويشكك بأقرب الناس اليه، وفي هذا الصدد أتذكر حادثة حصلت معي، بعد أن تعرض التنظيم إلى ضربة أمنية كان أخي الأكبر طالباً في جامعة البصرة، وكنت أنا جندياً وقد عدت من جبهة الحرب بإجازة سبعة أيام، حين دخل البيت وكان يعلم بما تعرض له التنظيم وحملة الإعتقالات، جاء وحضنني بقوة، محاولا كتم صرخته: أنت وياهم؟ فقلت له بهدوء مخيف: لا، مو وياهم!


لم نتخذ أي قرار بالقيام بعمل عسكري أوإغتيال احد رموز السلطة أو قيادات حزب البعث. فاعمال كهذه كانت بحاجة لإمكانات بشرية ولوجستية، لم تكن في متناولنا حينها.


ما الذي حدث في تشرين الثاني 1985، حتى يتعرض التنظيم إلى ضربة أمنية موجعة؟ فحتى تلك اللحظة لم يصدر منا ما يمكن السلطة من إكتشافنا، كنا نعمل بهدوء وحذر شديدين، فنحن نعلم أن العمل السياسي المعارض، هو لعب بالنار وإحتمالات الموت والإعدام والملاحقة من قبل السلطة الفاشية واردة تماماً ومن الغباء تجاهلها تحت أي مبرر. لكن يحدث أحيانا أنّ يتصرف بعض الأعضاء وفق اهوائهم ودون الرجوع إلى قيادة التنظيم وخصوصاً فيما يتعلق بمفاتحة الأشخاص للإنتماء أو انطلاقاً من ثقتهم الزائدة بالأشخاص الذين سيتسببون في إحداث كارثة في التنظيم وهذه المشكلة واجهتها تنظيمات وأحزاب أخرى مما عرضها لمشاكل خطيرة وملاحقات وإعدامات. وإن هؤلاء سيعملون من دوافع مختلفة كشرطة أمن أو كوادر بعثية مخلصة تماماً. يتحولون إلى وشاة وقتلة في نفس الوقت لعلهم يتمكنون من الحصول على فتات ما تقدمه السلطة لعملائها ومرتزقتها.
بعد إعتقال " عماد عبد الرزاق وحاكم محمد"، مات "حاكم" أثناء التعذيب وسيتم إعدام "عماد" بعد ذلك، سيتم تجميد التنظيم وستنقطع الإتصالات بين اعضائه وكوادره. بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية وبعد مداولات لعدة ايام أتخذ القرار بإعادة التنظيم مرة أخرى تحت أسم" حركة الخلاص الشيوعي" وكنا آنذاك" صلاح حسن، أحمد عبد الستار وأنا". كانت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي ولدتها الحرب قاسية جداً وفيالق الجيش التي يتم تسريحها، تعيش مرارة البطالة وبؤس الحياة والعمال يساقون إلى العمل في مصانع التصنيع العسكري ويتعرضون لضروف عمل قاسية. خلال تلك الفترة عملنا على توسيع نشاطاتنا التنظيمية والتحرك على أشخاص جدد ومنهم " ستار كاظم، رياض سبتي ومحمد مرد".


في صبف عام 1990 تمكنا من الاتصال بعدد من التنظيمات الماركسية والشيوعية في كردستان" التيار الشيوعي، اتحاد نضال الشيوعية العمالية، عصبة تحرير الطبقة العاملة" كانت كل هذه التنظيمات تعمل بأفق الشيوعية العمالية وتسعى لتأسيس حزب شيوعي عمالي في العراق. كانت منشوراتهم تصل إلى الناصرية. وقد احدثت هذه المنشورات التي تحمل تصورات رؤى نقدية حول العمل الشيوعي في العراق وسيطرة الأفق القومي والوطني عليه وامتلاكها رؤية جديدة عن الماركسية التي تم تشويهها من قبل القوى والاحزاب التي عملت تحت ستارها، تحولات واسعة على مسار عمل الحركة وتوجهاتها السياسية والفكرية والتنظيمية وفي الحراك السياسي والنقاشات الفكرية في الناصرية والمدن الأخرى التي وصل اليها التنظيم، مجموعة كبيرة من شباب الناصرية ومدن آخرى، طلاب وعمال ومعلمين ومدرسين وموظفين أنتموا للتنظيم." سعيد كاظم، فالح مكطوف، جبار وناس، أحمد ثامر، حازم ريسان، علي عدنان، جمال كامل من الذين انتموا للتنظيم في الناصرية، أزهر عدنان، حيدر وعادل حميد، حسين من سوق الشيوخ. حازم منعم وباسم منعم في النجف، علي طالب في بغداد...".


زيارات متكررة لكوادر التنظيمات المذكورة ولقاءات عديدة في الناصرية وبغداد والنجف. تم تبني الشيوعية العمالية كراية سياسية وفكرية للتنظيم الذي سيتم تغيير أسمه مرة أخرى إلى "حركة النضال الشيوعي" وتكون احدى المنظمات التي أسست الحزب الشيوعي العمالي العراقي في تموز 1993.


*
هامش: لم تكن جريدة "الجزيرة" معروفة في العراق. وحسب ما مثبت على صفحتها الأولى انها تصدر في قبرص. في عام 1983 وصلت إلى الناصرية وتحديداً في مكتبة الدار الوطنية الموجودة في كراج بغداد، أعداد من هذه الجريدة المجهولة. أحد هذه الاعداد يتحدث عن مجرزة بشت آشان التي نفذتها قوات الإتحاد الوطني الكردستاني ضد أحد مواقع الحزب الشيوعي العراقي في منطقة بشت آشان وراح ضحيتها العشرات من كوادر واعضاء الحزب وكذلك تتحدث عن ما حصل للحزب الشيوعي وقياداته ودخوله في مفاوضات مع الإتحاد الوطني الكردستاني . والعدد الآخر يتحدث عن صراعات القوى المؤتلفة في "جوقد" أي الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية بعد قرارها بإخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من هذه الجبهة وتشكيل جبهة آخرى هي "جود" أي الجبهة الوطنية الديمقراطية وحالة الحرب التي حدثت بين الاحزاب والقوى التي تتشكل منها هاتين الجبهتين. لماذا وصلت هذه الأعداد من جريدة الجزيرة هذه إلى الناصرية، وما الرسالة التي أراد من سمح بدخول هذه الجريدة أن يوصلها لأهل هذه المدينة؟ كان من المعروف أن عدد كبير من كوادر وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي هم من ابناء مدينة الناصرية وأن عدد كبير منهم كان من ضمن ضحايا مجزرة بشت آشان.

مقالات