سامان كريم

حول عدم صرف الرواتب وحركة عمال وزارة الصناعة والمعادن

سياسة تأخير الرواتب يجب أن تقرأ ضمن إطار الأزمة الاقتصادية وسياسة التقشف للحكومة العراقية تأخير دفع الرواتب لشهور عديدة هذا القضية ليس في العراق فقط فالعمال في مصر ايضا يعانون من تأخير دفع رواتبهم وكذلك العمال في فلسطين.. عمال وموظفي وزارة الصناعة والمعادن في العراق كانوا هم الضحية الأولى لهذه السياسة، وقد خرجوا بتظاهرات عمت مدن بغداد والكوت والديوانية وبابل وذي قار والبصرة وغيرها، لكنهم لم يحصدوا غير الوعود والقرارات الأفيونية الترقيعية بصرف راتب عن شهر او شهرين لكن مشكلتهم الأساسية لازالت عالقة وبدون حلول. هل أن هذه الأقوال صحيح أنها غير قادرة على توفير رواتب واجور العمال أم أن تلك السياسة مقصودة.. المسألة الثانية في العراق بدأت الاحتجاجات منذ اشهر وهناك اجتماعات لقيادات العمالية وبالتحديد مؤتمرات عدة عقدت برعاية اتحاد المجالس. ماهي السياسة الناجعة ازاء الاحتجاجات العمالية هذه؟ وما هي مهمة الشيوعيين والقادة العماليين ازاء هذه السياسية اي سياسة الافقار العمال وعدم صرف رواتبهم من جانب والتحركات العمالية الجارية؟!
نحن بمعنى ما امام وضع جديد لحالة الطبقة العاملة في العراق. بالتحديد وضع الطبقة العاملة في القطاع التابع لوزارة الصناعة. الطبقة العاملة في هذا القطاع كانت رائدة للنضال الطبقي بوجه الراسمال واليوم تمسك زمام المبادرة للدفاع عن الذات, عن النفس الطبقة العاملة ووجودها ومعيشتها ومعيشة عائلاتها واطفالها, عبر الاحتجاجات الواسعة الى حد ما اذا نعترف بصعوبة النصال والاتحاد الطبقي في هذا الظرف التاريخي الصعب الذي تمر به الطبقة العاملة ومجمل القوى الساعية الى التغير التقدمي والايجابي لصالح المجتمع وابعاده عن السيناريوهات الرجعية. نحن امام وضع جديد لان الحكومة تهدف الى تنفيذ برنامجها او سياستها القديمة, التمويل الذاتي في هذه المرحلة وفي ظل الازمة الاقتصادية الخانقة وسياسة التقشف التي اعلنتها جكومة العبادي. هي تحاول ان تستغل فرصة الازمة الاقتصادية من جراء الهبوط الكبير لأسعار النفط من جانب والحرب مع داعش وبواسطة داعش من جانب اخر... في ظل ظروف صعبة كهذه الناس والعمال منشغولون ويتصارعون في سبيل البقاء أحياء, ويركزون على الحالة الامنية والعسكرية وخطورة الوضع... هناك مقولة شهيرة لاحد المستثمرين البولنديين في بداية احتلال العراق وفي شهر أيار سنة 2003 يقول "أحسن فرصة للإستثمار, حين نزيف الدم يجري"... وهذه هي اطروحة النيولليبرالية والتي تسمى "بعقيدة الصدمة". العبادي وحكومته يهدفان الى تطبيق هذه السياسية في هذه المرحلة اي التطبيق الفعلي لقرار التمويل الذاتي... ان تاخير الرواتب سياسة مدروسة في ظل التقشف الحالي, على الاقل تؤدي الى هبوط توقعات الطبقة العاملة برمتها وليس فقط القطاع الصناعي... هبوط توقعات لراتب متكامل ومعيشة مناسبة, ناهيك بفرض النسيان على مطلب "ضمان البطالة" للطبقة العاملة.... والحال كهذا يتطلب من هذه الحركة جهدا اوسع ونضالا موحدا على صعيد كافة قطاعات الطبقة العاملة. لان المواجهة الحالية ليست مواجه بين عمال الصناعة وحكومة الراسمال بل هي مواجهة طبقية شاملة اقدمت عليها البرجوازية كطبقة بالتالي نحن امام سؤال مهم. وهو هل الطبقة العاملة كطبقة تواجه هذه الهجمة الكبيرة ام لا... عليه ان القضية هي من يكسر شوكمنْ؟!
تاخير الرواتب في العراق وكردستان وهي متربطة مع تأخير الرواتب في مصر وفلسطين وايران وغيرها من البلدان... كلها جاءت نتيجة سياسة التقشف للطبقة البرجوازية عبر ممثلها اي الحكومة وذلك لكسر ازمتها الاقتصادية الخانقة على رؤس العمال وقوتهم ومعيشتهم وحياتيهم العائلية. هذه السياسية تجري على قدم وساق في كافة بلدان العالم من امريكا مرورا بأوروبا الى روسيا والهند والصين....ومن خلال وسائل اقتصادية عديدة منها رفع اسعار المواد الرئيسية, تقليص النفقات وهذا يعني التقنين في الخدمات الاجتماعية كافة وطرد الموظفين, ودمج الوزارات... الخ.. وفي الجانب الأخر نرى وجبات الانقاذ المليارية الى البنوك والشركات الكبرى من خزينة الدولة من الضريبة على الطبقة العاملة... اما في العراق علاوة على كل ذلك سياسة التقشف تعني سياسة أعادة الهيكلة الأقتصادية. وإعادة الهيكلية تعني ما تعنيه الخصخصة. الخصخصة تعني الدولة في العراق تترك الميدان الاقتصادي في هذا القطاع او ذاك وفق البرنامج المتفق عليه مع الاطراف الأخرى كالدائنين او الاطراف المؤثرة دوليا، ومنها البنك وصندوق النقد الدوليين ونادي باريس, حيث ولحد الان يطالب البنك الدولي وبإلحاح الحكومة العراقية لرفع دعمها عن اسعار النفط والبنزين ومشتقاته.... في العراق بدات هذه السياسية اي ترك الدولة لمجال الاقتصاد منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي على يد "قائد العروبة صدام حسين", وبعد ذلك منذ مجي الاحتلال اصبحت سياسة الدولة بشكل كامل وليس جزئيا. ان احتلال العراق جزء منه مرتبط بهذه القضية اي ضرب تلك الدول التي لا تميل بسرعة الى اعادة هيكلة اقتصادياتها, وكان العراق وسورية ومصر من تلك النماذج التي فيها الدولة صاحبة لجزء كبير من الانتاج الاجتماعي ومنها قطاع النفط والطاقة ولحد الان....
الحكومة العراقية المؤتلفة من البرجوازيات الطائفية والقومية المختلفة والتي جاءت عبر منافذ الاحتلال الامريكي، كلها متفقة على خصخصة قطاع الانتاح العراقي بل كل القطاعات وحتى الخدمية والتعليم والصحة والماء والصرف الصحي، حيث بدأت منذ مجئ الاحتلال بفتح المدارس والجامعات الاهلية والمستفشيات والعيادات الخاصة بصورة اوسع.... وبهذا الخصوص تم اصدار الأمر الخاص من قبل بريمر الحاكم الفعلي في العراق المحتل وهو الامر او القرار المرقم 39 الذي شرّع لخصخصة شركات القطاع العام أو مايسمي بعد ذلك بشركات التمويل الذاتي والاستثمارات الاجنبية وتعديل القرارات السابقة ذات الصلة.... اليوم وبعد 12 سنة من اصدار هذا القرار تهدف الحكومة الحالية الى دمج سياساتها التقشفية مع سياسة التمويل الذاتي وبالتالي خصخصة هذا الميدان المهم... في التحليل الاخير هذه السياسية تعني تجويع وافقار الطبقة العاملة عبر سد منافذ معيشتها عبر غلق القطاعات الأنتاجية او تعطيلها عن العمل او حتى دمج بعضهما مع البعض او بيعها للقطاع الخاص, اذا كان هناك مشتري, اي المستثمر الراسمالي سواء كان اجنبيا او عراقيا والامر سيان.
وفق رؤية الرأسمال هذه القطاعات هي قطاعات متهالكة بالتالي ليس بالامكان الأبقاء عليها لانها غير قادرة على المنافسة كشركات الالبان او شركات الجلود او النسيج او الزيوت.... ليس بامكانها ان تنافس المواد الرخيصة التي تستورد من البلدان المختلفة كتركيا وايران والصين وبلدان اخرى في شمال افريقيا وشرق اسيا... وفق رؤية الرأسمال وربحه ان هذه الشركات... واكثريتها يجب ان تباع او تدمج او تعطل بصورة نهائية.... والانكى من ذلك ليس هناك وجود لمستثمر راسمالي يشترى تلك القطاعات التي ليست بامكانها المنافسة او أن ربحها غير مضمون. "وهنا ايضا تظهر وهمية الراسمال الوطني أيضا".. بالتالي من ناحية موضوعية وقانون حركة الراسمال اي حصول الربح,... تلك القطاعات غير مربحة. هذا جانب من القضية, الجانب الاخر هو ان هذا الميدان ليس ميداناً مهما للرأسمال والراسمال يدار عالميا وليس محليا.... ان اعادة إنتاج وترميم تلك المصانع والمعامل ليس مهما وفق تقسيم العمل العالمي. العراق يقع في خانة انتاج النفط ومشتقاته المختلفة او التي يستخدم فيها النفط ومشتقاته والغاز كمادة اولية أو كعوامل انتاجية ثانوية او وسيطة او مساعدة لصناعة البتروكيمياويات المختلفة.... اذن الرأسمال سواء كان عبر الحكومة اي ممثله السياسي عبر الاحزاب البرجوازية الحاكمة او الرأسمال الخاص عبر المستثمر سواء كان اجنبيا او عراقيا "وطنيا كما يقولون" ينظر الى المجتمع والانسان عبر منفذ الربح وبقدر مستوى وعرض وطول هذا الربح يرى الانسان.. الانسان بصورة عامة والانسان العامل بصورة خاصة ليس له مكان وموقع في أطار التصور الراسمالي إلا وفق ضرورة هذا الانسان "العامل" لانتاج الربح وادامة الانتاج الراسمالي. هذه النظرة البرجوازية للانسان هي عملية موضوعية ولصالح منهج وتصور الشيوعية. حيث الانسان طموحاته وتطلعاته واهدافه الحياتية في مركز قرار المجتمع الشيوعي بعكس الانسان في المجتمع الراسمالي الذي ينظر اليه فقط كسلعة ينتج الربح, كسلعة مربحة.
يجب ان نقرا سياسة تاخير الرواتب ضمن هذا الاطار اي اطار الازمة الاقتصادية وسياسة التقشف للحكومة العراقية. بطبيعة الحال هذه السياسة تمس هذا القطاع قبل غيره، لانه اصلا مرشح للأغلاق او للبيع ان وجد هناك مشتري "اين الراسماليون الوطنيون"!! عبر سياسة او قرار التمويل الذاتي.... اما فيما يتعلق بحجج الحكومة او عدم تمكنها من دفع الرواتب فهذا كذب ونفاق كاملين كعادة طبيعية سلطة الرأسمال اينما كان ومهما كان شكل ممثلها السياسي سواء كان ديني أو طائفي او قومي، ليبرالي او اصلاحي, يساري او يميني... "بغض النظر عن الاختلافات الشكلية". من الصحيح القول هناك هبوط في اسعار النفط, وهناك الحرب على داعش اي الزيادة في النفقات العسكرية وهناك النازحين داخل العراق من المناطق المختلفة سواء العراقيين أو السوريين... كل هذا يشكل عبئا اضافيا على الحكومة. كل هذه المستجدات تتطلب اموالا اضافيا تشكل عائقا ولكن لا تعطي مبررا ولا حجة للحكومة العراقية وحكومة الاقليم ان تقطع قوت الطبقة العاملة والمتقاعدين والموظفين الصغار من المعلمين والدرجات الدنيا من القطاع الحكومي.... السيولة النقدية ليست غير موجودة فقط بل هناك وفرة عبر تخزينها وتكنيزها هذا جانب, وعبر صرف ميزانية الدولة على النفقات الزائدة لاعضاء البرلمان وميزانية الرئاسات الثلاث, والوظائف الوهمية التي تعد بعشرات الالاف ان لم تكن بمئات الالاف, والفساد المباشر المالي والاداري من جانب اخر. يضاف اليها وهي اهم هناك مليارديرات ومليونيرات كثيرين لا تعدون ولاتحصون في العراق واكثريتهم ان لم نقل جميعهم من مليارديرات الحواسم... هذه الاموال ملك للمجتمع من الناحية الموضوعية، ولكن اذا لم يتمكن المجتمع من مصادرة هذه الاموال, عليه يجب فرض ضرائب وبنسبة كبيرة على هولاء الرأسماليين الكبار ومن خلالها اي خلال جباية الضرائب بامكان دفع الرواتب بصورة سلسلة... وهذه كاحد الطرق العاجلة. لكن القضية الاصلية للحكومة الحالية هي بامكانها ان تدفع بدون تأخير, ومن خزينة الدولة حيث قرر مجلس الوزراء بجلسته المنعقد في 17 من شباط الماضي ماياتي (1/ اطلاق رواتب شركات التمويل الذاتي والتوصية الى وزارة المالية بتنفيذ ذلك. 2/ تشكيل لجنة مختصة لحل مشاكل شركات التمويل الذاتي بشكل جدي وبما يضمن حقوق منتسبي هذه الشركات.). بغض النظر عن عدم تطبيقه لحد الان.... اقصد هناك اليات ووسائل عديدة لدفع رواتب العاملين, حتى اذا كانت خزانة الدولة مفلسة ولكن هي ليست كذالك طبعاً, الحكومة تكذب بصراحة, نفاقها واضح في قرارها اعلاه.
اما بخصوص الخصخصة, كتبت مقالا قبل ستة سنوات حول" كيف نواجه الشركات الاجنبية" في شهر أب 2009 ومقالا اخر تحت عنوان"كيف نواجه الخصخصة" في حزيران 2008 ونشر في العدد 79 في جريدة الى الامام... أوضحت فيه السياسة الشيوعية ازاء الخصخصة وهنا اقتبس مقطعا ملخصا حيث كتبت في المقال كيف نواجه الخصخصة: "من المهم ان الطبقة العاملة وحركتها الدائمة والمتواصلة ان تنظم وتوحد نفسها وتقود نضالاتها الجارية والمستقبلية في مواجهة الراسمال كطبقة بغض النظر عن اسمائه. عليه على الطبقة العاملة ان تتحرك لمواجهة سياسة الخصخصة ليس من زاوية إعادة الوضع السابق. اي العودة الى "راسمالية الدولة" بل من زاوية تحسين ظروفها المعيشية وتحسين ظروف نضالاتها من الناحية السياسية. أن سبيلنا لمواجهة هذه السياسة هو رفع هيبة ومكانة الطبقة العاملة ورفع شان العامل وأعادة الاعتبار اليه كأنسان والنظر اليه بوصفه قائد المجتمع. إذن جوابنا على هذه السياسة لا ينطلق من نعم او لا لسياسة الخصخصة بل من سلوك سبيل مختلف تماما، وهو النضال المستمر والمنظم والموحد بوجه الراسمالية بغض النظر عن مسمياتها. ان السياسة الوحيدة التي من وراءها نجني الثمار السياسية والاقتصادية كطبقة لمواجهة طبقة البرجوازية والراسماليين وسلطاتهم، هي نضال مستمر ومتواصل ومنظم وموحد لكسر شوكة الحكومة الميليشياتية الطائفية والاحتلال والراسماليين الكبار والصغار". قضيتنا وسياستنا حول الخصخصة واضحة برأي. القضية والنضال ضد الخصخصة هو نضال طبقي عمالي وبراي سياسي الى درجة كبيرة "لانه موجه ضد السياسية الرسمية للدولة", بوجه الراسمال كنظام وليس بوجه احدى تجلياته او قطاعاته. من الناحية الموضوعية حين يقف العامل بوجه الخصخصة, يشير الى نضاله بوجه مظالم النظام الرأسمالي ككل. لان من وراء الخصخصة افقاره وتجويعه وطرده من العمل وتحوله الى جيش العاطلين عن العمل... هذه هي الماساة. النضال العمالي بوجه الخصخصة هو نضال مقاوم من الناحية الواقعية نضال من اجل فرض "ضمان العمل" من أجل فرض معيشة مناسبة على النظام. بمعنى اخر ونفترض افتراضا خياليا, ونقول اذا تتم الخصخصة حتى بصورة كاملة ولكن بدون قطع الرواتب, اي تبقى رواتب العمال مستمرة وهم عاطلون. براي لا ضير في ذلك في اطار هذا الافتراض.. اذن القضية ليست إعادة شكل الادارة السابقة اي النضال في سبيل اعادة الراسمال الى الحكومة . بل هي اساسا هي قضية معيشة العمال, ولان وفق التصور السائد راتب العمال ومعيشتهم مرتبطة بالقطاع العام اي قطاع الدولة "وهذا وهم طبعا". تطرح القضية كان العمال يناضلون في سبيل اعادة الوضع السابق, هذا الجانب النظري من القضية اما الجانب السياسي فهي قضية سياسية نابعة من تصورات البرجوازية من خلال تقديس الوطنية وفصل الرأسمال على اساس الوطني والاجنبي وتفضيل الوطني "وهي غير موجودة مطلقا في اي مكان في العالم" على الاجنبي. كانت هذه التصورات الوطنية تشكل جوهر الحركات والاحزاب القومية العربية بصورة عامة والاحزاب الشيوعية العربية كلها, ولحد الان يدافع الحزب الشيوعي العراقي ولكن بصورة خجولة عن هذه الاطروحات. هذه الاطروحة اي الدفاع عن القطاع العام بوجه الخصخصة هي اطروحة تراجعية او ماضوية بمعنى هي اعادة انتاج القديم والدفاع عن الحالة السابقة, والاستغلال والاضطهاد السابق وقلة الاجور السابقة وانعدام الحريات السياسية في السابق.... والحال كهذا إن قيادة الحركات العمالية عموما الشيوعيون او الاصلاحيون او حتى ما يمسون انفسهم بالوطنيون... يجب ان يدركوا ادراكا كاملا ان قضية العمال ونضالهم بوجه الخصخصة هو اساسا قضية معيشتهم، وليس اسلوب ادارة الرأسمال باقتصاد السوق او براسمالية الدولة والامر سيان. القضية ليس مسالة هل نناضل او نحتج تحت هذا الشعار او ذاك, بل القضية هي استراتيجية عمالية بوجه هذه الاعتداءات بوجه افقار وتجويع الطبقة العاملة. الشعار الذي رفع في الاحتجاجات الحالية وفي مؤتمر العاملين في وزارة الصناعة "راتبنا خط احمر" براي شعار ذو محتوى مناسب جدا.. ويغطي كافة جوانب النضال الجاري.... بعد هذه المقدمات النظرية وهي مقدمات ضرورية جدا خصوصا لقادة الحركة العمالية وناشطي الاحتحاجات العمالية.... نصل الى السياسة ازاء هذه الحركة بصورة عامة وبعد ذلك نصل الى المبادرات الحالية من قبيل المؤتمرات والندوات العمالية....
الحركة الاحتجاجية هذه, حركة مهمة بغض النظر عن مكانة وموقع هذا القطاع "القطاع الصناعي التابع لوزارة الصناعة" في مجمل العملية الانتاجية والاقتصاد العراقي. حيث ان موقعه ضعيف جدا لان اكثر من نصفه عاطل عن الانتاج اي يعتبر خارج العملية الانتاجية. مع هذا ان هذه الحركة لها اهميتها في هذه المرحلة.. اهمية سياسية وكتبنا حولها في مقالات وحوارات سابقة ومنها توحيد الصف العمالي وتجاوز الحالة الطائفية الموجودة, هذه قضية اجتماعية مهمة. ولها اهمية لابراز دور الطبقة العاملة على الصعيد الاجتماعي وشعور العاملين وخصوصا الجيل الجديد بالوحدة الطبقية ومكانة طبقتهم الاجتماعية... وفق هذا التصورات السياسية الفعالة تجاه هذه الحركة وهي إدراك بأن القضية هي قضية الطبقة العاملة كلها وليس فقط قطاع منها، ومن جانب الاخر اي الجانب العملي هو توسيع وتفعيل وتقوية اواصر الروابط والتضامن الطبقي بين مختلف القطاعات العمالية عبر قادتها وممثليها الواقعيين. المحاولة والنضال في سبيل تحشيد كافة القوى العمالية والشيوعية لنصرة هذه الحركة وتحقيق مطلبها.
ليس بامكان هذا القطاع ان يحقق مطالبه بدون توحيد وتفعيل التضامن الطبقي وتوحيد صفه مع قطاعات عمالية اخرى وخصوصا القطاع النفطي... اهم وظيفة شيوعية هو ايجاد قنوات واليات فعالة لدمج وتوحيد صف النضال الطبقي وتوسيع رقعة الأحتجاجات ... هذه هي مهمة الشيوعيين بالدرجة الاولى.. يتم ذلك عبر القادة العماليين في مختلف القطاعات... براي بعد ذلك بالامكان توسيع هذه الحركة الى فئات اجتماعية اخرى الفئات التي لديها المطالب نفسها، الموظفين الصغار والمعلمين والمتقاعديين وبقيادة العمال انفسهم.. ولكن اولا يجب توحيد الصف العمالي على الصعيد الاجتماعي... لانه من الناحية الموضوعية هذا القطاع هو قطاع عاطل. بمعنى انه لا يؤثر كثيرا على الاقتصاد العراقي وعلى العملية الانتاجية, حيث كافة السلع موجودة في السوق وبوفرة وباسعار بسيطة... تبقى الحركة الطبقية والاجابة على هذه القضية كطبقة متراصة موحدة, وهذا لا يمكن انجازه بدون الوعي الطبقي.... من هنا ان برنامج القادة العماليين مهم جدا ويشكل محور هذه الحركة... ان القضية الاساس من هنا هي توحيد الصف الطليعي والقيادي لهذه الحركة في حلقات وشبكات عمالية مختلفة ولكن وفق استراتيجية واحدة لتحقيق مطلبهم... هذه الاستراتيجية تشمل كيف نتحرك على القطاعات الاخرى؟ كيف بامكاننا التنسيق مع قطاعات اخرى؟ ماهي شعاراتنا وماهي مطالبنا؟! كيف نهاجم وكيف نتحرك ونناور؟ وكيف ندافع وكيف نفاوض ايضا؟ القضية هنا في التحليل الاخير هي هل الطبقة العاملة بصورة عامة وليس احد قطاعاتها... تقدمت خطوة الى الامام نحو توحيد صفوفها ولو خطوة بسيطة وبدائية... بغض النظر عن تحقيق مطالب العمال. من الطبيعي ان هذا المطلب يتطلب من جملة ما يتطلبه توحيد الصف الطبقي بين مختلف القطاعات.... يعني اخراج هذه الحركة من صنفيتها "لا اقصد الصنفية النقابوية كتيار سياسي" بل اخراجها من صنف القطاع الصناعي بحيث يتعدى هذا القطاع ليلم قطاعات اخرى وحتى فئات اجتماعية اخرى بقيادتهم.... جعل الحركة حركة طبقية شاملة او تتضمن قطاعات اخرى على الاقل.... من اتحادهم تخلق القوة ومن القوة تفرض المطالب, وستحقق عبر تغير التوازن القوى لصالح العمال.
الوحدة العمالية هذه او المحاولة والنضال في سبيل توحيد الصف النضالي للقطاعات المختلفة وخصوصا قطاع النفط... هي عملية ليست حكرا على القادة العماليين في الصناعة... ولو ان في مصلحتهم ان يكونوا في الطليعة لبناء صف عمالي موحد. على رغم ذلك ان هذا العمل الطبقي براي هو للقادة العماليين الطليعين الذين لديهم رؤية طبقية واضحة لمجمل تطورات الحركة ...
ان اشكال واليات مختلفة تطرح هنا وهناك وباستمرار ماهي الاليات او الاشكال المختلفة لتوحيد القادة العماليين في هذا القطاع؟ اتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق اقدم على عقد المؤتمرات. ربما هذا اسلوب او الية مناسبة لجمع اكبر ما يمكن من العمال عبر قادتهم.... لكن طبعا هو ليس الاسلوب والشكل الوحيد. براي ان اشكال واليات مختلفة لجمع العمال وخصوصا القادة تعتبر ثانوية في هذه المرحلة مقارنة باسلوب العمل والرؤية الطبقية....ان اسلوب العمل والرؤية الطبقية وجهان لعملة واحدة....بمعنى وفق هذه الرؤية التي يمتلكها هذا الجمع من القادة او هذا الاتحاد او هذه المنظمة العمالية وفق هذه الرؤية السياسية والطبقية تتخذ اشكالا معينا من اسلوب عمل. ان اسلوب العمل تابع او نابع من الرؤية.... الاليات شئ مختلف تماما. هذا مبحث مهم يتعدى هذا المقال.
معيار القادة الشيوعيين في مرحلة الاحتجاجات ومابعدها هو هل تمكنوا من جذب اكثرية العمال الى ميدان النضال؟ هنا الشعارات والمطالب لها دور كبير, وايضا قادة الاحتجاجات هل هم قادة لهم نفوذ داخل مصانعهم ومعاملهم او على الصعيد المدينة او الشركة المعنية.... وهل تمكنوا من جمع اكثر ما يمكن من القادة العماليين وبغض النظر عن توجهاتهم السياسية لبناء نوع من تنظيمات قيادية جماهيرية علنية او سرية. وهل تمكنوا من جذب عدد لا باس به من القادة والعمال الى الشيوعية او الى حزبها.. او الى الحلقات الثقافية الماركسية. وهل تحقق اي مطلب من مطالبهم؟!...وهل تمكنوا من تحويل قضيتهم الى قضية اجتماعية؟...

وفق ما تابعته من هذه المؤتمرات العمالية أرى ان التصور السائد او المسيطر الذي يحرك قادة هذه الاحتجاجات هو تصور "الوطنية" بالمعنى الواسع للوطنية كمفهوم سياسي - اجتماعي, ومن ناحية التحزب هذه الرؤية السائدة هي رؤية الحزب الشيوعي العراقي حيث نقرا في المؤتمر الاخير للعاملين في الصناعة وفي تاريخ 20 من مارس الجاري. الفقرة الخامسة والسادسة تقول لنا كالتالي "5- ان المسؤولية الاجتماعية للدولة تتعارض مع كونها تتصرف مثل تاجر يفكر بالربح السريع والعائد, اننا نلاحظ ان معيار تقييم الدولة هو الربح المباشر على مستوى المنشأة وليس التفكير والتخطيط الستراتيجي للاجابة على معضلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية. في الوقت الذي دلت التجارب ان المسؤولية الاجتماعية للدولة تتوسع مع الازمات الاجتماعية والاقتصادية، وتسعى الى دعم القطاع الحكومي. 6- ان التوجه الاقتصادي الجديد لا ينبع من اي حاجة أو ضرورة اجتماعية لتوسيع وتطوير البنى الانتاحية ومن تطوير وترفيه حياة العمال والمجتمع, بل انه نابع اساسا من ميل لتحقيق تراكم راسمالي لطبقات وفئات تتطلع للثراء من خلال الاستخواذ على الممتلكات العامة". -مؤتمر العاملين في الصناعة /20مارس 2015-موقع فيس بوك" اتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق-.
يقترب هذا التصوير وهذه الرؤية من تعريف الدولة كمؤسسة فوق الطبقات, بالتالي هذا التقرير او هذا البلاغ عن مؤتمر العاملين يرى في الدولة الراهنة اي دولة الرأسمال التي تديرها طبقة البرجوازية عبر تياراتها المختلفة اي ممثليها المختلفين, الرؤية هذه ترى بان الدولة هي فوق الطبقية, دولة بامكان العمال ان يعتمدوا عليها, وهذا خطر سياسي كبير يصدع جوهر النضال الطبقي للحركة العمالية, حتى اذا فرضنا انها ستنتصر وفق التصور اعلاه... حين يقول لنا "إن المسؤولية الاجتماعية للدولة تتعارض مع كونها تتصرف مثل التاجر.." الدولة الطبقية الراهنة في العراق وكافة البلدان في عصرنا الحالي هي دولة شكلت لحماية مصالح الطبقة البرجوازية وليس لأي شيء اخر سواء كان في امريكا او المانيا او في العراق.. هذا المحتوى هو محتوى لكافة البلدان الموجودة.. هذا التصور من الناحية السياسية ينشر الوهم بين افراد الطبقة العاملة وقادتهم وبالتالي ينشر الدعاية لصالح الدولة البرجوازية.. هذا التصور ليس بامكانه ان يتمدد الى قطاعات اخرى وان يجذب التضامن الاجتماعي.. وخصوصا حين نصل الى الفقرة السادسة نرى بصورة ساطعة الوطنية الخالصة, التي اوصلت الى المحلية الساطعة. بمعنى ينشر الوهم في الفقرة الخامسة وفي السادسة يحقق الوهم في الواقع اي تحويل وهم الوطنية الى شيء ملموس بالوعي وليس بصورة موضوعية.. وهو اي التصور في هذه الفقرة هو "لاينبع من تطوير وترفيه حياة العمال" يعني ان المؤتمر, متوهم بالدولة الى حد كبير ويروج للفكرة التي تقول لنا ربما الدولة او يجب على الدولة الراهنة ان تنبع خطواتها لخير العمال والمجتمع!! هذا تصور خاطئ نظريا وسياسيا يؤدي الى نشر الوهم والابتعاد عن الاتحاد الطبقي بالمعنى الواسع السياسي وليس المهني..
القضية هي "راتبنا خط أحمر" ولكن حين وصل الامر الى الخط الاحمر, ماهي خطواتنا البديلة؟! هل لدينا قوة كافية لتغير توازن القوى مثلا؟ اهم قضية في هذه المرحلة هي تحشيد كل قوانا لتقوية هذه الحركة, وتوسيعها وتوحيد صفوفها حول المطلب المحوري وهو "راتبنا بدون تاخير" وعبر قيادتهم الميدانية.. وتوحيد صف القادة حول استراتيجية عملية واضحة.. شرحت جزءا كبيرا منه اعلاه. براي للقادة العماليين والطليعيين دور مهم في اتحاد الطبقة العاملة، اليوم وفي هذه المرحلة هذه اهم خطوة للتحقيق المطلب الرئيسي للحركة العمالية. عمال الصناعة يجب ان يشعورا ويحسوا بشوق وتضامن طبقي بصورة عملية وليس عبر الهتافات والشعارات.. لنجمع كل قوانا ولنخطو نحو نجاح هذه الحركة...

مقالات