فارس محمود

كلمة بصدد أحداث اليمن

مع شن النظام السعودي ومعه دول الخليج، قبل أيام قلال، لحملته الجوية على جماهير اليمن ردا على سيطرة الحوثيين على السلطة وتدخل ايران بهذا الصدد، يدخل الصراع في اليمن والمنطقة مديات خطيرة جدا، وتدفع المنطقة اكثر من أي وقت مضى في اتون سيناريوهات دموية ومرعبة الى ابعد الحدود. منطقة مبتلاة اساساً بحمامات الدم اليومية التي حصدت أرواح مئات الالاف من الأبرياء والعزل لحد الان، ناهيك عن التهجير والتشرد وانعدام الأمان بكل اشكاله. والادهى من هذا وذاك، يحيل هذا الصراع المنطقة الى مرتع خصب لصراع احط التقاليد والأفكار والتعصبات الطائفية والقومية وغيرها.
لم تقف النزعة القومية العربية مكتوفة الايدي وهي ترى هذا "التمادي الإيراني" على حديقتها الخلفية، ليتعالى صياحها بان "امن الخليج من امن اليمن"!. فلملمت قواها المدعومة بالاموال الطائلة لمشيخات النفط بسرعة هائلة، جلبت رئيس اليمن، عقدت مؤتمر شرم الشيخ، حشدت الدول من الخليج الى بلدان المغرب العربي، ومن باكستان الى تركيا وإسرائيل، ومن اوربا الى أمريكا، سواء عبر المشاركة العسكرية، اللوجستية او السياسية خلف ظهر هذا التحرك السعودي-الخليجي و"العروبي".
لقد شهدنا كيف التفت النزعة القومية العربية وسعت لتوحيد صفها بوجه تنامي حضور ودور الجمهورية الإسلامية في ايران في المنطقة. الجمهورية الاسلامية التي تحدث مسؤوليها بالأمس القريب عن "الإمبراطورية الفارسية" ان "بغداد عاصمة للامبراطورية الإيرانية"، وها هي تمد اليد مرة أخرى على اليمن عبر قناة الحوثيين وسيطرتهم على السلطة في اليمن. نزعة قومية عربية لاتقبل بان تلغم المنطقة بالنفوذ الإيراني، فمن هناك حزب الله وحضورها الكبير في ايران، ووجودها في سوريا، وهيمنتها على العراق، وياتي بعد هذا "اليمن!!! انه امر لاتستطيع تحمله، وبالأخص ترى نفسها قوى اقتصادية وسياسية مهمة من جهة، ومن الناحية العسكرية اشترت دول الخليج سلاح يصل الى 270 مليار دولار خلال سنوات!!
وكالعادة، ان ادعائات طرفي الصراع هي كاذبة بالقدر ذاته، فلا "مجابهة الإرهاب" (ادعائات المعسكر المناهض لإيران) ولا "حق شعب اليمن في تقرير مصيره" (ادعائات ايران)، ولا "إرساء شرق أوسط امن" لها أساس في الموضوع. ان دور من يتحدث عن مجابهة الإرهاب معروف في خلق الإرهاب وتقويته ودعمه، من أيام أفغانستان وطالبان لحد يومنا هذا في العراق وسوريا وليبيا وغيرها، ومن يتحدث عن "تقرير المصير" هي اكثر الأطراف سلبا لحق الجماهير في تقرير مصيرها السياسي والاجتماعي وابلت جماهيرها بالاعدام والقتل والسجون ومصادرة الحريات. ان "شرق أوسط امن" هو امن لمصالحي الاقتصادية والسياسية، امن للدفع باجندتي بان تكون الكلمة الطولى لي حول المنطقة وادارتها واقتصادها ومصيرها. ولن يكون "امنا" بخلاف ذلك. لقد راينا هذا لعقود بام اعيننا، ولايحتاج الى بحث ودليل.
مثلما ذكرت في اكثر من مناسبة انه صراع ضار يجري لعقود من اجل إعادة تقسيم العالم، وكل يبحث عن حصته من السلطة والثروة والهيمنة والتسلط سواء على الصعيد العالمي، او المنطقة في حالتنا هذه. انه صراع كواسر على استعداد لاحالة المنطقة الى بحار دم من اجل مصالحها الوضيعة، وحولته كذلك. فرضت ايران ومن خلفها روسيا والصين على الخليج وتركيا وامريكا التراجع في سوريا، والت، ولومؤقتا، الأوضاع لصالح ايران والأسد، فتحت تركيا والخليج جبهة أخرى، جبهة داعش في العراق، ردت ايران بالإضافة الى صعيد العراق، بفتح جبهة الحوثيين في اليمن وهكذا دواليك، وكل طرف يستخدم اقصى ما عنده من أوراق وعتلات تدخل، لكي يرسم ملامح المنطقة السياسية والاقتصادية لصالحه، وتشترك في هذا قوى محلية وإقليمية وعالمية كل حسب خندقها وتقارباتها وتباعداتها، وتوافق او اختلاف مصالحها في كل منطقة وبلد. فليس بالضرورة التحالفات والاستقطابات الموجودة تجاه سوريا او ليبيا او مصر او العراق هي ذاتها، قد تتبادل المواقع والادوار والخ. تحول الشرق الأوسط اليوم الى بؤرة لحسم مصير المنافسة بين القوى البرجوازية العالمية، من اوربا وامريكا واسيا.
ان لهذا الصراع الرجعي الذي حملت فيه ايران راية "الشيعة" والسعودية راية "السنة" مخاطر جسيمة على المجتمع. انهما يوفرا الأرضية، عبر هذه الترهات الى قولبة المنطقة بالتراجع الفكري والسياسي، الى خلق وإشاعة وتابيد اشد النزعات المعادية لجماهير المنطقة، ويوفران زادا لاينضب لخلق وتنامي التعصبات والاحقاد والعداوات الطائفية والقومية، وبالتالي قولبة المجتمع بهذه الرايات البالية والقرووسطية. انه ذر الرماد في العيون وتحميق واضح للجماهير وذلك للدفع باجنداتهم التي لاصلة لها بافكار علاها غبار التاريخ.
ان مجمل اشكال العدوان والتدخل العسكري والنظامي المباشر وغير المباشر من قبل دول المنطقة او غيرها في اليمن مدان جملة وتفصيلا.
ينبغي ان لاتتحول جماهير المنطقة، جماهيرها المتعطشة للحرية والرفاه ولعالم اكثر إنسانية، الى وقود هذه الحرب القومية والطائفية، حرب هؤلاء اللصوص وقطاع الطرق، وان لايتحول مصير هذه المنطقة الى ملحق لهذه السياسات والاهداف المعادية لهم.
ان مجابهة هذه الأوضاع والتصدي لها ودحر معسكري الرجعية هذه مرهون فقط بحضور الجماهير الميدان بصفها المناهض لكل هذه الاصطفافات المعادية له، حضور قوة تصفي الحساب مع كل الرجعية في المنطقة، بقومييها وسنييها وشيعييها وتؤكد على الصف النضالي والمصير المشترك لجماهير المنطقة.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015