عادل احمد

احداث اليمن وصراع الاقطاب!

ان ما وصلت اليه الأحداث في اليمن من الاقتتال الداخلي بين الحوثيين وقوات الرئيس عبد ربه منصور، وما تلاه من تدخل السعودية ودول الخليج بالقصف الجوي للمناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وبمساندة امريكا، يعتبر تصعيدا شديدا بين الاقطاب العالمية المتصارعة. ان هذه الحرب مع بقية الحروب في منطقة من الشرق الاوسط بدا من العراق وسورية وليبيا وليس أنتهاء باليمن هي بمثابة حرب عالمية بالوكالة بين الاقطاب العالمية المتصارعة. الصين وروسيا من جهة والغرب وامريكا من جهة اخرى.
ان اعتماد القطب الروسي - الصيني على حليف قوي مثل ايران في منطقة الشرق الاوسط، هي إستراتيجية سياسية لتعقب مصلحة هذا القطب امام القطب الامريكي. ان النظرة البسيطة على تكوين محتوى الصراع تبين بشكل واضح من هي القوى والاقطاب وراء هذه الإستراتيجية. عندما تعلن السعودية الوقوف مع القطب الغربي والامريكي، فأن استخدام سلاح تيار الاسلام السني في المواجهة يكون من افضل الاسلحة التي بالأمكان استخدامها ضد خصومه السياسيين الاسلام الشيعي. ان جميع التيارات الاسلامية السنية من القاعدة وداعش ومثالهما يتلقون الاوامر والايعاز من السعودية وقطر في تحركاتهم السياسية والعسكرية. وان هاتين الدولتين حليفين قويين في منطقة الشرق الاوسط بالنسبة لامريكا في صراعات المنطقة ويحميان مصلحة القطب الغربي والامريكي تماما. واعتمد هذا الحليف للقطب الامريكي على تحريك جميع الإحساسات الدينية والقومية العروبية في المنطقة من اجل موطئ قدم سياسي في لعبته. هذا بالاضافة الى المصلحة الاقتصادية من تزويد العالم الغربي وامريكا بالنفط والغاز والتبادل التجاري بينهما. اما بالنسبة لتحالف القطب الصيني الروسي مع ايران الاسلام الشيعي في مواجهة حلفاء القطب الغربي، هي ايضا إستراتيجية سياسية لهذا القطب في فتح باب النفوذ والصراع على السلطة في منطقة الشرق الاوسط. ان اعتماد القطب الصيني الروسي على ايران كحليف قوي نابع من مكانة هذا التيار في تحريك الإحساسات الدينية الشيعية لبعض المناطق واقتصادها القوي المعتمدة على تصدير النفط. هذا بالاضافة الى كون الجمهورية الاسلامية منذ تكوينها مختلفة سياسيا مع امريكا والغرب وتحديدا بعد استلام السلطة في عام 1979.
ان اقتتال الشيعة مع السنة في كل المناطق من الشرق الاوسط ما هي الا هذه اللعبة القذرة لا غير. ان الصراع السني والشيعي في زمننا هذا لا ربط له بالدين والصراعات التاريخية بين اقطاب الاسلام، بل أطل برأسه في هذا الصراع بين الاقطاب العالمية الحالية. ان كل اشتداد في توسيع القتال والحروب هي دليل على اشتداد الصراع بين هذه الاقطاب نفسها. انفجر الصراع بقوة عندما حاول الغرب اسقاط اهم حليف لروسيا في العالم العربي وهو نظام بشار الاسد والبعث الحاكم. وذلك من خلال تقديم المساعدة العسكرية الغربية لما اسمتهم بالمعارضة، واعطاء الضوء الاخضر للسعودية وقطر وتركيا بالتدخل من اجل اسقاط حليف روسيا. واشتدت هذا الصراع بقوة عندما حاول الغرب الاوروبي وامريكا ازاحة الحكومة الموالية لروسيا في اوكرانيا من السلطة، عن طريق دعم المعارضة والتي انتصرت فيها روسيا وضمت شبه جزيرة القرم، واشتعلت الحروب والاقتتال في جميع مناطق المتحدثين باللغة الروسية واصبحت اوكرانيا منقسمة بين روسيا والغرب، وحتى هذه اللحظة تشتعل نيران الاقتتال من اجل فرض استراتيجيات وسيناريوهات مختلفة على القارة الاوروبية نفسها. وايضا احداث اليمن يجب بحثها ضمن نفس استراتيجيات صراع هذه الاقطاب ولنفس الغرض.
في الاونة الاخيرة كانت هناك تغيرات في سياسة الغرب تجاه ايران قليلا. سواء في حل الازمة النووية بين ايران والغرب او بالعمل المشترك في العراق بالضد من داعش، وبدرجة اقل في وضع سورية. في الحقيقة ان هذه التغيرات حصلت عندما رأت امريكا بأن الصراع مع القطب الصيني الروسي بالاعتماد على حلفائها التقليدين فقط مثل السعودية وقطر لا يدل على النجاح وخاصة بعد فشل امريكا في العراق وسورية وفي حل قضية فلسطين ايضا. ولذلك تغير اسلوب امريكا والغرب قليلا بالاعتماد على العمل من اجل اخراج ايران في فلك سياسات القطب الصيني الروسي، عن طريق تخفيف القيود السياسية والاقتصادية والتوافق في بعض انشطة الجمهورية الايرانية في العالم والمنطقة. بالرغم من الحذر الشديد من قبل الغرب لهذا الانفتاح القليل والذي غايته الاصلية هي ابعاد ايران ومصلحها السياسية والاقتصادية عن روسيا والصين ببعض الامتيازات وانتظار رد فعل ايران لهذه الامتيازات. ولكن هذا التغير في سياسة امريكا والغرب تجاه ايران ادى الى عدم الارتياح لكل من السعودية وقطر واسرائيل بهذا الاقتراب وهذا التغيير في سلوك الغرب وامريكا. لان اخراج ايران من فلك السياسة الروسية والصينية والاعتماد عليها في الصراع يكون ترجمته العملية التخلي عن دور السعودية واسرائيل في الصراع في منطقة الشرق الاوسط. وهذا ما لا ترضي به كل من اسرائيل والسعودية.
خلاصة التحليل هي ان كل هذه الصراعات والاقتتال بين الكتل والاحزاب الشيعية والسنية والتيارات السياسية المختلفة القومية في جميع ارجاء المنطقة لا ربط لها بمصالح الجماهير العمالية والفقيرة. لا ربط لها بالصراع من اجل الحياة والعيش بسلام ورفاه. لا ربط لها بالدفاع عن حرية العقيدة ولا ربط لها بالحرية والمساواة بين الانسان. ولا ربط لها بأنقاذ المرأة من الظروف الغير الانسانية والعنف والقتل تحت حجة الشرف وغيره.. ولا ربط لها بمصير ملايين الاطفال المشردين.. ولا ربط لها بأزاحة الحكومات الديكتاتورية والمستبدة واقامة الديمقراطية.. ولا ربط لها بالسلام وحل القضية الفلسطينية.. ولا ربط لها بحل القضايا وحقوق الاقليات وحمايتهم.. وبكلمة كل هذه الصراعات لا ربط لها بقضية العيش الكريم والانساني للجماهير المحرومة بل العكس صحيح تماما. ولهذا يجب علينا ان نكون يقضين ونرفض أن نكون وقودا لنار صراعات واقتتال الحلفاء والاقطاب وندفع الثمن بدلا عنهم. واذا نقوم بشيء يجب ان يكون بأرادتنا ومقاومتنا من اجل بناء عالم افضل.

مقالات