فارس محمود

منجز جديد.. أهل الأنبار بحاجة الى كفيل

مساء امس، حل أصدقاء لي قديمين علي بيتي ضيوف، اتى معهم احد أقاربهم، وذهب الحديث واتى اخيراً على مدينة حلبجة، فصديقي من اهل حلبجة، وتحدثنا عن ذكريات كل منا في هذه المدينة الجميلة، ذكر هذا القريب لاصدقائي لي موقف علق في ذهني كثيرا نوعاً ما. "كثيرا" لاني أراه في عيون اليوم وما آلت اليه الأوضاع اليوم للأسف. اذ قال: "في بداية الثمانينات، كنت في السابع عشر من العمر، ولا اعرف سوى كلمات قليلة بالعربي، وحين كنت ماراً بسوق المدينة، وهو شارعها الرئيسي، قدمت نحوي عائلة عربية من رجل ونساء وأطفال، وهو امر نادر وبالأخص ابان الحرب العراقية الإيرانية، سالتني احد النساء: اين نحد فندقاً في المدينة؟! وقفت لبرهة ورددت عليهم، نعم هناك فندقاً في المدينة، تعالوا معي لاوصلكم اليه، وذهبنا، واثناء السير، استوقفوني، وسالوني باستغراب: "الى اين تمضي بنا؟!"، قلت الى الفندق، فردوا ولكن تسير في احياء وازقة صغيرة، فاي فندق هنا؟ فرددت بعربية "مكسرة" : "انتظروا قليلا! ها نحن وصلنا، وفتحت الباب وسالت ابي: اتانا ضيوف!" فرد مرحباً: "اهلا وسهلاً بهم! تفضلوا!"، ولكن هذا بيتكم، وليس فندقاً، رد ابي لان الفندق ووضعيته لن يناسبكم هنا، صغير ويفتقد الى خدمات مناسبة لكم"! وبقوا يومان ورحلوا بعدها.

لقد تزامنت هذه "الحدوتة" على قول المصريين، مع ما يجري اليوم في العراق. أناس، الاف العوائل تركت ديارها في الانبار، عوائل لا ذنب لها بكل ما يجري، لا يد لها في كل ما يحصل باسمهم، وبالضد منهم. أطفال وكبار في السن، حوامل ونساء رضع، مرضى و.... في هروب جماعي من الانبار، عوائل عرضة للموت والقصف وتدمير البيوت على رؤوسهم، الجوع يعصرهم، والخوف والرعب يكويهم، وحكومة "المنطقة الخضراء"، حكومة المليشياتيين والطائفيين عديمي القيمة والضمير تقرر ان "لايسمح لاحد من أهالي الانبار دخول بغداد الان الا بكفيل من اهل بغداد"! فاي انعدام ضمير وإنسانية هذا.  

ان من تُضرم النار في داره، هناك شارع يهرع له ، بيد ان سلطة النهب والجريمة المنظمة والفساد، لاتترك لهم شارع يهرعون لهم من نار هي طرف أساسي في خلقه، هي احد اطرافه، وقصدي الصراع الطائفي البغيض على السلطة والحكم والثروة. انهم يقولون لهم ابقوا في العراء طالما ان ليس هناك كفيل يتكفلكم من بغداد (!!) اثمة استهتار اكثر من هذا بحياة الانسان! 

على الانسان ان يكف عن أي شعور واحساس انساني كي يستطيع ان يتحمل ما يراه امام عينه يومياً وباشكال مختلفة لم تخطر على بالك يوماً ما. لم يكن احد يتصور ما يراه لانه يخرج عن أي اطار منطق وعقل وإنسانية. أرى نفسي في وضعية تتخطى كل الكلمات وكل الاوصاف. لا يكفي قاموس الشتم والالفاظ النابية لنعت أناس كفوا عن البقاء في عالم الإنسانية.

لقد بينت هذه السلطة عن نفسها وعن باجلى الاشكال على امتداد عمرها المشؤوم. لا ينفع بها السخط و"الشتم"! لا فائدة منه. ان ما له فائدة هو فقط كنسها من حياة المجتمع الى الجحر الطائفي والشوفيني المقيت الذي أتت منه. بينت للجميع انها ليست اهل للحكم، لادارة المجتمع. 

ينبغي ان توقف هذه السلطة قرارها فورا وبدون قيد او شرط. ليس من حق احد ان يحرم احد من ابسط حقوقه في التخلص من خطر داهم. اذ تقوم أي دولة تتمتع بادنى درجات الاحترام لحقوق الانسان بفتح أبوابها لسكان دولة أخرى في أوضاع مثل هذه. فيما يقوم السادة في المنطقة الخضراء بغلق أبواب المدن امام سكان البلد في أوضاع مثل هذه!!! أ بقيتم شيء لاحد كي يقوله او يصف هذا القرار!

يقولون لدواع امنية. ان هذا كذبة صرف. انه، وبغض النظر عن نيات أصحابه، فهو معاقبة أناس بجريرة لم يرتكبوها. معاقبتهم لـ"جرمـ"هم بوصفهم من أهالي الانبار، بوصفهم "حضنة الإرهاب" و"حضنة داعش" وغيرها، بل جريرة خلقها الاخرون من اجل مصالحهم واهدافهم ويدفع اهل الانبار ثمنها. ولاشد ما يؤلمك هو رؤية تشفي واضح حاقد للوضع الذي يمر به أهالي الانبار! تشفي مليء بالحقد والانتقام وغيرها من مشاعر منحطة ووضيعة، تعكس الوضاعة والانحطاط الذي سعت التيارات المليشياتية الطائفية والعشائرية والقومية المتعطشة للثروة المخضبة بدماء الأبرياء.   

على كل انسان ذا ذرة من احترام لانسانيته ان يقف بوجه هذه الممارسات البغيضة للسلطة الدموية، ان يفضح هذه الممارسات بشتى الاشكال الممكنة، ويفرض عليها التراجع الفوري وبدون قيد او شرط. انه جرم ما بعده جرم ان يتخذ احد ما موقف اللامبالاة من أناس أبرياء وعزل يبعدون امتار عنه! لامبالاة الخواء الإنساني الذي تزرعه التيارات الدينية والطائفية والعشائرية والقومية وتغذيه بالف شكل وشكل كي تديم صراعاتها وسلطتها وتعبئة الجماهير كوقود لاغنى عنه وضروري لصراعاتها وأهدافها هذه.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015