نادية محمود

حجاب الاطفال الاجباري و"الخطاب الالهي" للمجاميع الشيعية

نشرت صور على صفحات التواصل الاجتماعي مؤخرا جمعا لـ900 طفلة في محافظة النجف من البنات الاطفال اللواتي بلغن سن التاسعة واللواتي حسب ما نشر الخبر قد دخلن سن التكليف الشرعي. وفق هذا الخطاب ان البنات الاطفال اصبحن مؤهلات لـ "تلقي الخطاب الالهي". هنا يخالجني شك عظيم ان هؤلاء البنات سيتلقين من الان فصاعدا "الخطاب الالهي" لكن ما انا متيقنة منه تمام اليقين انه من الان فصاعدا، ان تلك الفتيات بدأن فعلا بتلقي خطاب الجماعات الاسلامية الشيعية.

ظاهرة حشد البنات الاطفال في تجمعات "التكليف الشرعي" ظاهرة جديدة، قد بدأت مع وصول الاحزاب الشيعية الى الحكم بعد 2003. نظمت هذه التجمعات مؤسسات الدولة، مثل مجلس محافظة البصرة في نيسان 2013،  ومؤسسات غير حكومية بما فيها منظمات المجتمع المدني الشيعية، وبشكل متواصل والان العتبات الحسينية[1]

الا ان ظاهرة تسييس وبرمجة والسيطرة على اذهان الاطفال، ظاهرة ليست جديدة في العراق. لقد نحى نظام صدام حسين نفس المنحى، بتسيس وعسكرة الاطفال في منظمات ما يسمى بـ"الطلائع" و"الفتوة". والتي كان يزج فيها الاطفال لنيل تدريبات فكرية وعقائدية تصب لخدمة حزب البعث ونظامه. 

الجماعات السياسية الشيعية، تسير  بالضبط بذات الاتجاه. تقوم ببرمجة وتوجية عقول الاطفال كاستراتيجية تربوية-سياسية لتضمين جيل شباب يؤيدهم ويناصرهم. هنا يقتفون تماما وبالحرف الواحد اثار صدام حسين ومقولته "اكسب الشباب تضمن المستقبل". هنا الاطفال يحولون الى جنود في مشروع سياسي اكبر، لا يملك الاطفال القدرة على فهمه ولا وضعه في اطار وسياق معين. الا ان ما هو مطلوب من البالغين، اولئك الذين لا يشاركون الحركات السياسية الشيعية اهدافهم ان يقولوا كلمتهم لحماية الاطفال من هذه البرمجة السياسية الفكرية التي تهدف في المطاف الاول والاخير تحقيق اهداف تلك الحركات على حساب صحة وسلامة اذهان الاطفال.

ان ما يريده هذا "الخطاب الالهي" هو "تسليح" البنات الاطفال عقائديا، وتحويل تلك العقيدة الى ممارسة يومية تخص كل صغيرة وكبيرة في حياة الطفلة الان وفي المستقبل على الصعيد الشخصي والعام.  ان الحجاب الاجباري هو خطوة اولى على طريق ملغوم بالتعاليم السياسية الشيعية والمليء بالمحاذير: على البنات ان لا يختلطن بالاولاد، لان هؤلاء اشرار يريدون الايقاع بهن، وان المحارم فقط هم من تختلط معهم، البنت يجب ان تعالج من قبل طبيب انثى وليس ذكر. وانها اذا ذهبت للتعليم فانها سترفض التعليم المختلط, وستدافع مثل عميدة كلية البنات في بغداد على نقل الاساتذة لانهم ذكور. هنا يتحول الفصل بين الجنسين الى قرارا "الهيا".ثم يسري ذلك لحياتها الشخصية وستخضع لقانون زواج الاطفال في التاسعة باعتبار  ذلك امر "الهي". كما رأينا في نصوص القانون الجعفري سيء الصيت. وحين تتزوج عليها ان تراعي في كل صغيرة وكبيرة "الخطاب الالهي"، من حيث طاعة الزوج، عدم الخروج من المنزل والائتمار بامر زوجها.

اما في شؤونها العامة مؤكد انها دينيا ستعلم كيف تتبع و"تقلد" المرجعيات الشيعية. فقرارها السياسي، حين تكبر لن يكون بيدها، ووفقا لعقلها، بل وفقا لما ما تمليه عليه المرجعية. ثم يجري تعليمها على انها يجب ان تدفع الخمس. فـ"الخطاب الالهي" لا يخلو من تبعات مالية عليها ان تدفعها لتكون  فتاة صاغية "للخطاب الالهي". ثم يجري تصويب انظار الطفلة، على انها حين يكون لديها حاجة لتنفيذها، تعرف السبيل الى ذلك، عليها  ان تطلب شفاعة الائمة وتنذر النذور المالية وان تضع اموال تلك النذور في الاضرحة التي هم يقوموا "بحراستها". وحين يحل وقت الانتخابات، من المؤكد انها لن تصوت الا الى نائب شيعي، حتى وان كان غير نزيها. "انه افضل من غيره، لان شيعي وسيتيح لها  زيارة العتبات". ستدافع ايضا عن تشكيل ميلشيات شيعية، ولا تخاف ان تجاهر بطائفيتها كما تفعل حنان فتلاوي. 

وباختصار تدخل مسالة الخيار الشخصي والارادة الشخصي ووعي الانسان في طي النسيان. تصبح كل هذه امورا مرفوضة. فكل شيء يجب ان يوجه و يقولب وفق الارادة" الالهية"، حسبما تنص عليه الجماعات الشيعية.

ان "الخطاب الالهي" لـ"سن التكليف الشرعي" الذي تتحدث عنه الجماعات الشيعية ليس موجها للاطفال فقط بل للاسرة وألمجتمع بشكل اعم، لذا ينشروا اخبار حشر البنات في تجمعات سن التكليف الشرعي على صفحات التواصل الاجتماعي. 

هذه الحركات تبني وتخطط لمجتمع اسلامي شيعي ودولة اسلامية شيعية ليس اليوم بل لسنوات قادمة، في وسط اجواء احتقان طائفي وحرب طائفية حصدت حياة الالاف من الناس ولازالت تحصد كل يوم  وكل ساعة، كانوا هم شركاء رئيسيين في تكريسه. ان هذه الجماعات تعيش وتغتني وتبني القصور والفنادق ولديها ارصدة في الحسابات البنكية بما لا يعلم به احد. فالسرية في الامور المالية هو امر في غاية "الالهية". هذه الجماعات ماكان لها ان تنعم بهذه الحرية لولا وجود حكومة طائفية شيعية لا تحترم حقوق الاطفال بل وليس لديها ادنى برنامج لحماية الاطفال، لذا فهي في شريك في فرض الحجاب على الاطفال، او بالاحرى ان تلك الجماعات تقوم بهذا العمل نيابة عن الدولة.

الطفل مهم لهذه الجماعات كما هو مهم لداعش ولحزب البعث. ليست قليلة تلك الصور التي رايناها لداعش وهي تسلح الاطفال في حربهم في سوريا والعراق. هذه الاهداف لا يمكن لها ان تحقق من تلقاء ذاتها، او الاستناد الى مقولة ان اغلبية المجتمع العراقي هو "شيعية". ان هذه الجماعات تشن حربا على جبهات عديدة من اجل  احد هذه الجبهات هي الجبهة "التربوية"، جبهة الحرب على اذهان الاطفال  وتطويقها من الصغر بتعاليم "الخطاب الالهي".  ان هذا امر خطير وعلى كل البالغين، ممن لا يشاطرون تلك الجماعات الشيعية "خطابها الالهي" ان تنبري لتدافع عن الاطفال. 

1)    [1] العتبات الحسينية هي المؤسسة التي تدير اضرحة الائمة الشيعة في مدينتي النجف و كربلاء.

مقالات