سمير عادل

العبادي ووهم القضاء على الفساد

من الوهم اعتبار ما يحدثه حيدر العبادي رئيس الوزراء من تغييرات في اقالة عدد كبير من القادة العسكريين في وزارة الدفاع والمسؤولين الامنيين في وزارة الداخلية، بأنه جزء من عملية كبيرة للقضاء على سرطان الفساد المستشري في المؤسسة السياسية والامنية في العراق. فالتغييرات الانفة الذكر بما فيها الغاء مكتب القائد العام للقوات المسلحة الذي أنشأه سلفه المالكي وتحول الى غول امني مرعب منفصل عن المؤسسات الامنية والعسكرية الاخرى، ليس هو اكثر من تصفية لنفوذ نوري المالكي وملاحقه واذرعه الأخطبوطية، التي ادت الى الهزيمة العسكرية المشينة التي منيت بها سلطة الاسلام السياسي الشيعي الحاكم في العراق على يد دولة الخلافة الاسلامية. 
عملية الإقالات وتحويل القادة العسكريين الى المحاكم هو مسالة طبيعية لاية حكومة مهزومة عسكريا وخاصة اذا كانت تلك الإقالات هي عملية من اجل انقاذ هيبة واعتبار حزب الدعوة والائتلاف الشيعي الحاكم، الذي وصل الى اكثر من الحضيض بعد سقوط مدينة الموصل في 10 حزيران. ودون الخطوة المذكورة التي اتخذها العبادي وبضغوط امريكية واضحة لن يتمكن العبادي لا من تحقيق انجازات عسكرية ولا الحصول على دعم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، ولا يمكن له ولحزبه الاستمرار في العملية السياسية بدعم ومساندة الاطراف السياسية الاخرى. 
ان عملية القضاء على الفساد التي تحاول اطراف العملية السياسية الترويج والتطبيل له، هي اكبر من اقالة عدد من الضباط واكبر من تبرئة مسئولي البنك المركزي او اعادة محاكمة مسئولين لفقت لهم تهم كيدية من قبل المالكي وجماعته. فالجميع من الذين ساهموا في اطلاق وحش الفساد وتسَيّده على المشهد السياسي والامني في العراق بدء من بول بريمر الحاكم المدني للاحتلال، الذي قال بدم بارد ولامبالاة كبيرة في رده على سؤال لمذيع في قناة امريكية عن اختفاء 12 مليار دولار بأنه لا يعرف بالانكليزيةI don’t Know” " ومرورا بنفوذ الجمهورية الاسلامية التي لا يتزعزع في العراق، والتي بسببها اقيل مدير البنك المركزي ولفقت له تهم شتى هو ومساعديه، لان المالكي اراد تحويل اموال الى دعم نظام بشار الاسد دون اية مسائلة، وانتهاءا بالعبادي المنقذ لماء وجه حزب الدعوة والاسلام السياسي الشيعي، نقول الجميع يحاول القاء مسؤولية تحويل العراق الى دولة فاشلة وبلد فاشل على كاهل العاثر الحظ نوري المالكي. وكان اخر تلك المحاولات هي تصريحات مستشار وزارة الخارجية الايرانية، بأن سياسات المالكي الطائفية وراء تأسيس دولة الخلافة الاسلامية، والتقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز حول اسباب هزيمة الجيش العراقي الذي يتزامن على قدم وساق مع عملية اقالات المسؤولين والقادة العسكريين والامنيين.
ان الفساد هو ظاهرة ملازمة للنظام الراسمالي، ولطالما هناك سلطة رأس المال، هناك الجشع الذي يقود الى توسيع ربحية الراسمال، و"الفساد" وسيلة لتحقيق تلك الربحية. الا ان في العراق توسع حجم الفساد ليتحول الى جزء من المؤسسة السياسية المعروفة بالعملية السياسية. اي بعبارة اخرى ان الفساد تحول الى جهاز مرتبط بتلك المؤسسة التي بنيت على اسس المحاصصة الطائفية والقومية. فعلى سبيل المثال لا الحصر استحداث مناصب نواب رئاسة الجمهورية التي لا يقرها الدستور المتفق عليه واستحداث مناصب وزراء الدولة ومناصب لنواب رئيس الوزراء لشؤون المختلفة والفائضة عن الحاجة والذاكرة.. كلها رشاوى تمنح للكتل السياسية ارضاء لمشاركتها في ادارة العملية السياسية. 
ان التغييرات التي يحدثها العبادي لا بد منها كما تحدثنا ولكن ليس الغاية منها القضاء على الفساد لان وصوله الى سدة السلطة تم عبر عملية فساد كبيرة، وهي التغاضي عن جرائم المالكي وخروقاته لحقوق الانسان وسرقته الكبيرة لأموال وثروات المجتمع مقابل تركة لمنصب رئيس الوزراء، عبر منحه منصب يمكنه من الحصانة الدبلوماسية وتبرئة جميع المقربين منه من قادة حزب الدعوة الذين شاركوا خلال 8 سنوات من حكم المالكي وحزبه المصون في نشر الكراهية الطائفية، ودعمه للمليشيات والاستحواذ على ما يمكن من الثروات دون اي وجه حق. ان القضاء على الفساد في خطوته الاولى هو القضاء على المحاصصة الطائفية والقومية وبغير ذلك هو ضربا من الحماقة اكثر مما هو ضربا من الاوهام.

مقالات