سمير عادل

لماذا يتحمل المواطن السياسة التقشفية ايها اللصوص!

منذ اقصاء المالكي وتشكيل حكومة جديدة، ونحن نسمع ان الخزينة خالية من الاموال، والعراق في حالة افلاس، او في احسن الاحوال هناك ازمة نقدية عندما نفى العبادي رئيس الوزراء الجديد أفلاس العراق في البرلمان مؤخرا وقال هناك ازمة نقدية. وهنا لا نفهم ما معنى ازمة نقدية وما معنى ازمة اقتصادية وما معنى ازمة مالية؟
الكثير من النخب التي تعرف نفسها بالمثقفة تعول على العبادي بأنه سيكون سوبرمان عصره وسينقذ العراق من دوامة العنف والارهاب والفساد والفقر، كما عولت على المالكي في ولايته الاولى وتحديدا بعد صولة الفرسان وهي الحملة العسكرية التي قادها ضد عصابات جيش المهدي. ودقت الطبول حينها وهللت الشفاه واطلقت الزغاريد بأن المالكي سيكون فاتح العصر والزمان كما تحاط اليوم الهالة حول العبادي.
بيد ان الوقائع بالنسبة للاغلبية المسحوقة من العمال ومحرومي المجتمع تبشر بنذير شؤوم وخاصة ان العبادي افتتح دورته الحكومية وباول تصريح رسمي له في البرلمان، بأن العراق يعاني من ازمة نقدية الى جانب التلميح من قبل اعضاء حكومته بأعلان سياسة التقشف.
الحقيقة التي يحاول العبادي اكثر من غيره تغليفها بالسفسطة والغموض والتلاعب بالمقولات حول تسمية الازمة الحقيقية التي يعيشها العراق، وهي ازمة اقتصادية خانقة بسبب انهيار اسعار النفط في الاسواق العالمية من جهة، والانفاق والتبذير المهول على حماية سلطة الاسلام السياسي والعملية السياسية الفاشلة في العراق من جهة أخرى. وكل ما يقال بأن الاموال تنفق على محاربة الارهاب فأنها كذبة كبيرة الغاية من ورائها ادامة السرقة والفساد الذي ينخر جميع مفاصل المؤسسات الحكومية.
الازمات (الاقتصادية، النقدية، الافلاس، المالية..) التي كل واحد منها تصف الوضع الاقتصادي للعراق بها بسفسطة وغموض لا يفهمها لا الانسان البسيط ولا الذي له دراية في الاقتصاد، المراد منها التلاعب بالحقيقة، وهي حقيقة وجود ازمة اقتصادية تعصف بالعراق. ونود ان نطرح سؤال كي نريح العبادي ونريح القارئ، لماذا تحصل ازمة نقدية؟ وهي اما ان الاقتصاد العراقي لا تستطيع عجلته التي تدور على انتاج النفط فقط، يمر بأزمة وبالتالي لا تدر بسببها العملة النقدية، او ان المسؤولين في احزاب الاسلام السياسي التي كانت تمسك بعصب الاقتصاد خلال فترة المالكي سرقوا ما في المصارف والبنوك واصبحت خاوية مما جعل العراق يمر بأزمة نقدية. وبخصوص هذه النقطة فقد اقر احمد الجلبي الذي يترأس اللجنة المالية في البرلمان ان عوائد الخزينة العراقية منذ 2004 بلغت 700 مليار دولار بينما انفقت 500 مليار دولار منها، وعندما ترك المالكي الحكومة او بالاحرى اقصي عنها، اصبحت الخزينة لا تحوي على دولار واحدا، وهذا يعني ان 200 مليار دولار قد اختفت بشكل طوعي او قسري من الميزانية! وبموازاة ذلك استغلت الحكومات المتعاقبة منذ الاحتلال في 2003 صعود اسعار النفط والاسئتثار بها بينما كانت تلقي بالفتات للعمال والجموع المحرومة في المجتمع. واليوم اختفت الاموال وانهارت اسعار النفط وهناك انفاق مهول لحماية سلطة اللصوص والفاسدين الذي جلبوا داعش ونصبو دولته الاجرامية على رقاب جماهير العراق.
تقول نعومي كلاين في كتابها "عقيدة الصدمة" بأن المؤسسات المالية التي تدير الحكومات الغربية تعرض المجتمع الى صدمة اقتصادية او عسكرية او امنية لتمرير سياستها الجهنمية من اجل جني ارباح طائلة. وتكون فرض سياسة التقشف والتمهيد لخصخصة القطاع العام اسهل عليها، لان المجتمع يكون مصدوما وليس له القدرة على مقاومة سياسة تلك المؤسسات المالية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق التنمية الامريكي. وهذا ما حدث بالضبط بعد الانقلابات العسكرية في دول مثل الارجنتين وشيلي والبرزايل واندونيسيا وعشرات الدول الاخرى.
واليوم يعيش المجتمع العراقي في حالة صدمة كبيرة بسبب تأسيس دولة الخلافة الاسلامية وتمدد جرائمها الى مدن كثيرة واستفحال امر المليشيات الشيعية التي تصول وتجول تحت عنوان الحشد الشعبي. فهذه فرصة كبيرة لحكومة العبادي لتمرير سياسة التقشف والخصخصة وتحمليلها على كاهل العامل والكادح والمحروم الذين يشكلون الاغلبية المطلقة للمواطنيين في العراق.
ان التخلص من الازمة المالية في خطوته الاولى مصادرة اموال المسؤولين في حزب الدعوة والمجلس الاسلامي الاعلي واتحاد القوى والتيار الصدري وجماعة النجيفي والقائمة لا تعد ولا تحصى الذين ملئوا جيوبهم بأموال وثروات المجتمع، وايضا الغاء المناصب التي منحت رشاوى للكتل السياسية والتي تهدر اموال كثيرة مثل مناصب نواب رؤوساء الجمهورية ونواب رؤوساء الوزارء ومناصب وزارء الدولة، ومحاكمة المالكي وجماعته زعيم الفساد والفاسدين ومصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة. ان المواطن الذي تحدثنا عنه ليس لديه اي شيء كي يفرض عليه التقشف، فلقد صودر كل شيء منه خلال سنوات حكم صدام حسين وسنوات الاحتلال وسلطة احزاب الاسلام السياسي، ولم يبق له الا حياته التي هي الاخرى صادرتها الميلشيات وداعش لكن بالتقسيط المريح.

مقالات