فارس محمود

الشهرستاني، هل انت على قدر تصريحك؟!

قبل أيام قليلة، تحدث ما يسمى بوزير التعليم العالي والبحث العلمي، حسين الشهرستاني، عن واقع الجامعات والدراسة الجامعية في العراق واكد على هبوط المستوى العلمي فيها، ورد بشدة في السياق ذاته، وفي الحقيقة سياق مفتعل، على مسالة وجود الأحزاب ونشاطها في الجامعات، مهدداً بانه سيتصدى وبشدة لوجود الأحزاب في الجامعات. لا اريد ان اتحدث هنا عن ان الوزير ربما لايدرك المدى الذي بوسع اياديه ان تصل وانه اعجز من ان يكون بقدر تهديده هذا! وفي الحقيقة انه يعلم ذلك جيداً! يعلم انه يرتدي رداءاً اكبر منه كثيراً.
ان تناوله هذا هو خرق سافر لابسط الحقوق والحريات السياسية للافراد. هذا ما لاشك فيه. ان حق اختيار الأحزاب السياسية والنشاط السياسي للاحزاب هو حق فردي لكل شخص ولا صلة له بمكان او زمان، لاربط له بمكان دراسة او عمل او أي شيء اخر. انه حق بديهي ومسلم به.
قد يقول احد ما، وفي الحقيقة كثيرين، ان هذا مكان للعلم والدراسة والاكاديميا وغير ذلك. نعم انه صحيح ولا جدال فيه. وانا من بين اؤلئك الذين ينشدون ان تكون الجامعة ميدان للارتقاء العلمي للمجتمع وتطوره، ميدان لابداع وخلاقية الافراد. هذا امر لاشك فيه. ولكن الحريات السياسية أيضا، أي حق المرء بالانتساب لأحزاب سياسية والترويج لنشاطها وافكارها والخ، حق ينبغي ان يكون مكفول للافراد بدون أي قيد او شرط. بيد ان العمل السياسي هو عمل يومي وحياتي وروتيني، عمل ينبغي ان يستند الى حرية الراي والتعبير الكامل لك وللاخرين ايضاً بنفس الدرجة، يستند الى حق الاخرين بالترويج لما يفكرون به ويعتقدونه صحيحا والمسار الذي على المجتمع ان يسير وفقه. أي عمل سياسي، حتى وان كان نشطا وفعالاً، لايتناقض مع العملية التعليمية والأكاديمية الجارية وفي مكانها دون نقصان. وان ضمانة هذا الامر هو الحرية السياسية غير المشروطة للجميع قبل أي شيء اخر.
أي حين تصبح الجامعات والكليات والمعاهد ميدان للنقاشات السياسية لايضر بحد ذاته وبالضرورة العملية التعليمية، والتي هي من المؤكد انها اخر هموم شخص مثل الشهرستاني.
اذن لماذا يعارض الشهرستاني، وليس هذا وحسب، بل يهدد كل نشاط سياسي في الجامعات، فان سبب ذلك لايعود الى انه حريص على تقدم العملية العلمية او التطوير العلمي في المجتمع. ان هدفه الأساسي هو فرض درجة من الاستبداد السياسي في ميدان مهم، ميدان يمثل الشباب قوة وعنصر أساسي فيه. انهم يرتعبون من الجامعات لانها مراكز مهمة للدفاع عن الحقوق والحريات، مراكز مهمة وحية يصعب لجم عنفوانها المعادي للسلطات المليشياتية القمعية الحاكمة.
ولكن ان كان يفكر الشهرستاني فعلاً بالعملية العلمية، لماذا لايضع حد لعمليات التجييش الطائفي الرسمي في الجامعات، لماذا تنقلب الجامعات راسا على عقب في المناسبات الدينية ويصدر هو نفسه الأوامر تلو الأوامر ويشكل خلايا كخلايا النحل من اجل السهر على راحة "الزوار" وذبح الخراف والطبخ وتفريغ سيارات الجامعات من اجل نقل الراجلة والمشاة في المواكب، وتخلى الجامعات ويوقف الدوام لعدة أيام. لماذا لايفكر في "تطوير العملية التربوية" عندها. لايفكر. لماذا؟ لان هذه العملية هي عملية سياسية ذات اهداف سياسية تدفع باجندة الوزير السياسية وأهدافه التي لاربط لها باي عملية علمية. ليس هذا وحسب، انه هو نفسه لم يأتي نتاج العملية التعليمية ولاهدفه الارتقاء بها. ان من جلبه الى هذا المكان هو بالضبط عملية غير علمية، عملية طائفية صرف، تقاسم حصص استناداً الى النزعات الطائفية والقومية والعشائرية وغيرها من نزعات معادية للعلم، وللانسان وللمجتمع ورفاهه وحريته.
ان أراد ان يعرف سبب هبوط المستوى العلمي للجامعات، عليه ان يفكر اولاً ان اول ألاسباب تلك هي التي أتت به الى هذا الموقع والمنصب، عليه ان يفكر بالدفع الطائفي للعملية الدراسية، ينظر للاطروحات والأساتذة والشهادات التي تزود استنادا الى أسس لاربط لها بالجامعات والعلم، عليه ان يفكر بفحوى العملية الجامعية في ظل نمط إدارتهم المجتمع والاهداف التي يتعقبوها من المجتمع و...و...
ان هذا التهديد الفارغ حقيقة يهدف الى تشويش الأمور وتضليلها، الى إشاعة وهم انه يخدم عبر هذا الطريق العملية التعليمية. بيد ان مجمل ممارسات السلطة الحاكمة ومن اليوم الأول لها هو معادي لكل ما هو علم وكل ماله صلة بالعلم. ان ارادت فعلاً تقوية العملية العلمية، فليس هناك اسهل من هذا. ان قنواته والياته واساليبه واناسه معروفين الى حد كبير. بيد ان الاجندة هي أخرى.
وعلى الرغم من ان الوزير سيء الصيت هذا ليس على قدر تهديده هذا مثلما ذكرت، بيد انه يجب ان يرد وبشدة، يجب ان يفرض التراجع على ممارسته القمعية هذه. ينبغي ان يتحلى الطلبة بوعي تجاه مثل هذه التهديدات الفارغة صراحة ويردوها عليه وعلى امثاله.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015