نادية محمود

التظاهرات العمالية الاخيرة في العراق: حماية الصناعة الوطنية ام تأمين حياة البشر؟

شهدت مدن العراق مؤخرا عددا من التظاهرات في المؤسسات التابعة لزارة الصناعة والمعادن على خلفية عدم صرف الرواتب للعمال. رفع العمال شعارات الغاء التمويل الذاتي، والوقوف ضد طرد العمال من العمل، و"حماية الصناعة المحلية".
هنا يجب التفريق بين قضيتين منفصلتين: الاولى حماية حقوق العمال وحماية حياة البشر، كمطلب سياسي واقتصادي يعني حياة العامل، العاطل عن العمل، واسرته، وبين "حماية الصناعة الوطنية" كمطلب تدافع عنه الرأسمالية الصناعية في العراق الى جنب المؤسسات الرأسمالية الكبرى كصندوق النقد الدولي.
تسريح العمال من العمل امر لا بد منه للرأسمالية في العراق، ومنسجم تماما مع منطق السوق العالمي، اذا كان ذلك ضروريا لتضمين ارباحهم. لقد قاومت الحكومة العراقية طيلة السنوات المنصرمة امر "الخصخصة" الذي اشتغل لتكريسه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. حيث لدى الاحزاب الموجودة في الحكومة مصلحة مباشرة في ابقاء مؤسسات القطاع العام تحت سيطرتها. يبلغ عدد مؤسسات التصنيع في العراق 193، رغم عدم وجود احصائيات عن عدد العاملين فيها نظرا لوجود ما اسماهم العبادي بـ"الفضائيين" الا ان النسبة التقديرية هي نصف مليون. تبعا لهذا، لا احد يعلم حجم الرواتب المأخوذة بأسم العمال في تلك المؤسسات. اضافة الى استخدام تلك الاحزاب المؤسسات للتعبئة السياسية: لتعيين انصارهم فيها، ولاخذ اصواتهم في الانتخابات. اي تحولت مؤسسات الدولة الصناعية الى حدائق خلفية لبيوتات الاحزاب الحاكمة.
الا انه اذا كانت احزاب الطبقة السياسية الحاكمة لديها مصلحة بابقاء تلك الحدائق الخلفية تابعة لها، لاهداف مالية او سياسية، فان لدى الرأسمال منطقه الخاص البعيد عن مصالح تلك الاحزاب. ان المقاومة السابقة بدأت تنهار تدريجيا مع الازمة الاقتصادية في العراق. لذلك شرعت اجراءات "اعادة الهيكلة". في عملية التحول هذه، عملية الصراع والاستسلام لقوانين السوق، سيدفع الثمن العمال وستنضم اعداد جديدة الى جيش البطالة في العراق الذي هو في اقل تقدير 11% وحسب تقارير صندوق النقد الدولي.
الا انه اذا كان المقصود بالدفاع عن "بالصناعة الوطنية" هو الدفاع عن مؤسسات توفر فرص عمل للعمال، فانه يجب الاقرار النظر بان هذه القطاع غير منتج، واذا كان منتجا فانه عاجز عن المنافسة امام السلع المستوردة. لذلك تشكل المطالبة بابقاء قطاعات غير منتجة، او على الاقل عاجزة عن المنافسة، امام سلع مستوردة رخيصة، مطالبة غير مقنعة. لماذا يتوجب الابقاء على صناعة عاجزة عن المنافسة؟ لأنها وطنية؟ وهل سيمضي المستهلك في اخر المطاف الى شراء سلعة "وطنية" ام سلعة رخيصة. المستهلك انسان اممي بطبعه. لا يهمه من اين جاءت السلعة. فاذا تكدست البضاعة الوطنية لان اسعارها اعلى، امر لا يعني المستهلك. والرأسمالي الوطني ينتج ليبيع، فاذا لم يكن قادرا على البيع, يغلق معمله امام غزو البضاعة الاجنبية. ان هدف بائعي البضائع، وطنيون كانوا ام اجانب هو بيع السلعة، وليس تشغيل عامل. ان تشغيل العامل هو وسيلة. وليس هدف. وفي ظل نظام رأسمالي قانون واحد يعمل: هو قانون الربح، وليس قانون الاخلاق.
لذلك ارى شعار "حماية الصناعة الوطنية" كسبيل لتامين فرص العمل والمعيشة للعمال، هو شعار خاطئ، وغير واقعي. لا يمكن للعمال ان يكونوا ملكيين اكثر من الملك. وان يكون دعاة الدفاع عن الصناعة الوطنية، اكثر من الرأسماليين العراقيين انفسهم الذين يسعون من اجل ان يكونوا هم" الصناعة الوطنية" سواء كانوا تابعين للقطاع العام ام الخاص.
السؤال المطروح هو كيف يتم تأمين فرص عمل او ضمان بطالة للناس؟ كيف يتم تامين معيشة الناس بشكل منظم؟ وعدم ترك مصيرهم وحياتهم وصحتهم اسيرة لاقتصاد السوق. ان المجتمعات الراسمالية المتقدمة، مجتمعات تتبنى اقتصاد السوق الحر، الا ان هنالك قوانين تم فرضها بفعل نضالهم المستقل والمستميت لتامين حياتهم ومعيشتهم، لا بالدعوة الى تقوية "صناعتهم الوطنية". حين يسرح العامل من العمل، كثمنا للمنافسة في اقتصاد السوق، يجب ان تؤمن الدولة معيشته من مكان اخر. لذلك المطالبة بتامين معيشة العمال عبر استمرارهم في العمل في صناعات غير قادرة على التنافس، ناهيك عن ان العاملين في القطاع الحكومي الان يشكلون 40 % من مجمل العاملين في العراق. امر غير واقعي.
ان النضال يجب ان يتوجه نحو تامين مصدر دخل، للعاطل عن العمل، وللمسرح من العمل. بحيث ما ان يخرج العامل من المعمل، يعرف الى اين يتوجه. يتوجه الى اماكن الحصول على تعويض بدل البطالة. لا مطلب "قووا الصناعة الوطنية". لقد انتهى زمن الرأسمال الحكومي، ان قوانين السوق الحر تشتغل الان. لذلك يتوجب تركيز النضال على تأمين مستلزمات المعيشة ومعيشة اسرهم عبر تعبئة وتنظيم قواهم حول مطلبي" فرصة عمل او ضمان بطالة". من اين تاتي فرصة العمل هذا امر لا شأن لنا به. ان العامل في المجتمع الرأسمالي لديه قوة عمل ليبيعها، مسؤولية الدولة التي تتبنى سياسة اقتصاد السوق الحر، ان تؤمن حياة البشر، بتامين دفع تكاليف الحد الادنى ليتمكن الانسان من العيش وادامة حياته، والا سيكون الانخراط في الارهاب، والجريمة، ودفع المجتمع نحو الهاوية. لذلك ارى يجب توجيه الانظار نحو نضال سياسي "فرصة عمل او ضمان بطالة".

مقالات