فارس محمود

بدعة جديدة: -الاعتصام- مخالف للشريعة الاسلامية!

احالت أحد المحاكم في مصر قسم من العمال المعتصمين في أحد الوحدات المحلية التابعة لمحافظة المنوفية على التقاعد وأوقفت ترقية اخرين جراء اعتصامهم المطالب بتحسين ظروف حياتهم واوضاعهم. لهنا الحد يبدو الامر "عادياً"! فالقضاء والمحاكم هي قضاء ومحاكم الطبقة الحاكمة. لا يتطلع الامر الى قرار أفضل من هذا من محكمة في مصر. اليست هي من برأت مبارك وأولاده والعادلي والكثيرين من المخضبة أياديهم بدماء جماهير مصر وسراق وناهبي ثرواته؟ ولكن الامر الذي يبعث على الدهشة فعلاً في عالم الرأسمال المليء بالدهشات هو استناد المحكمة الى قرار ما للسادات في وقته (عام 1981!) اعتبر على أساسه ان "الاعتصام مخالف للشريعة الإسلامية ويتناقض معها"، واتوا بهرطقات من مثل "قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المنافع" و"الضرر لايزال بمثله" وغير ذلك! وما دخل شريعة ما قبل 1400 عام، شريعة مجتمع البداوة، مع مجتمع القرن الحادي والعشرين؟!
لا يفوتنا ان نذكر ان المحاكم والقانون، الشرطة والمعتقلات والسجون، الدين وفقهه ومنابره ورجالته هي كلها أدوات بيد السلطة الحاكمة من اجل تثبيت سلطتها. أحدهما بالقمع والسوط، والأخر بالخرافة الدينية والتضليل وتبرير اشكال الظلم وممارسات السلطة القائمة.
لقد نفضت البشرية والقت عن كاهلها الكثير من الظواهر القديمة والبالية وتحررت منها، ولكنها لماذا لم تضع الدين جانباً كذلك وتتحر منه؟ بوسع المرء ان يرى العديد من الظواهر البالية وقد ولت، ولكن لماذا يرى ظواهر مثل الدين لازالت باقية تثقل حياة الناس؟!
ان الامر، وبساطة متناهية، ان اقسام في المجتمع لها مصلحة جدية في بقاء مثل هذه الظاهرة. انها تقدم فائدة لها اليوم، ولهذا تعيد انتاجها الطبقات الحاكمة، الرأسمالية اليوم لان فيها مصلحة واقعية لها. فهذه القناة، الدين والإسلام والشريعة، أداة مهمة لقمع المجتمع (ناهيك عن مجتمع متأزم ويرسف في صراعات طبقية حادة)، لفرض التراجع على حقوقه وحرياته. ليس هناك أفضل من الشريعة من يبرر لا مساواة المرأة بالرجل، بفرض التراجع على المرأة وحقوقها، على ابداع نظريات اعادتها لجحور القرون الوسطى، على اعادتها للمنزل وتربية الأطفال بوصفها مهمتها ومسؤوليتها الأساسية والوحيدة عبر ادعاءات عديمة القيمة من مثل "ان الله أكرم المرأة بالإنجاب" وحرم الرجل منها!!! والخ. ليس هناك أفضل منه لفرض التراجع على المساواة بين البشر، على احترام الانسان كانسان، على احترام حقوق وحريات الشباب وعلى تمتعهم بالفرح وبالأمل بالمقبل وبإرساء عالم يستند الى قيم احترام إنسانية الانسان، لا عمره، وإرساء عالم يستند الى قيم متمدنة وراقية وعصرية لا صلة لها بكل الإرث الاجتماعي والاخلاقيات الاجتماعية التقليدية البالية والمكبلة.
في حالتنا هذه، كل النظريات والبدع التي توردها الترسانة الدينية للوقوف بوجه العمال. انها تصطف فوراً في جبهة الطبقة الحاكمة، وفي الحقيقة تقف على راس بنيتها الدعائية لإدامة المجتمع الرأسمالي القائم وقوانينه. ان الطبقة الرأسمالية الحاكمة تعيد انتاج الدين والشريعة وتنفق الأموال الطائلة على منابر الدين وملاليه وشيوخه لا "لوجه الله"، بل لأنه يوفر لهم أدوات في قمع الطبقة العاملة، تضليلها، تشويش وبلبلة اذهانها. انهما، السلطة الرأسمالية والدين، ينهلان من بعض، يقدمان الخدمات المجزية لبعض. انت تؤدي لي هذه المهمة، انا اوفر لك المكانة والثروة في المجتمع. علاقة تبادل مصالح وخدمات متقابلة، بوجه الطبقة العاملة والمجتمع وحريته ورفاهه.
ان هذه الأداة تتمتع بأهمية كبيرة بالأخص ابان الازمات الاقتصادية التي تمر بها الرأسمالية. لاحظ ان البشرية شهدت من بعد منتصف القرن المنصرم محو واضح وسريع لدور الدين ومكانته سواء في المجتمع والسلطة، وراحت تتحدث الحكومات والمؤسسات الفكرية والأكاديمية كلها عن أفكار اقل ما يقال عنها هو انها بعيدة عن الدين ودوره وأصبح رجالات الدين مادة للتندر في المجتمع. لماذا؟ لسبب بسيط ان الرأسمالية العالمية كانت في مرحلة ازدهار، والمجتمعات في مرحلة تطلع للأمام، ولهذا لا تحتاج الرأسمالية الى مؤسسة من مثل مؤسسة الدين والإسلام والشريعة وغيرها كي تستند عليها. وإذ تغط في ازمة خانقة منذ عقود، وإذ يتصاعد النضال العمالي ضد الرأسمالية وتبعات ازماتها الاقتصادية من افقار وجوع وحرمان وتضييق على الحقوق والحريات السياسية والمدنية وغيرها، فإنها تجد في الدين ضالتها المنشودة للتحكم أكثر والسيطرة أكثر على المجتمع وتبرير جوعه وفقره وبطالته وظلم المرأة وغير ذلك.
انها بالرجال قوامون على النساء تديم المجتمع الذكوري واخلاقياته، أي تديم الهرمية والتراتبية والاخلاقيات الهرمية التي من السهولة رؤية درجات كبيرة من القسر في ثناياها، وبـ"ناقصات عقل" تبيح تسليم النساء واخضاعن لمن لهم "عقل كامل!"، الذكور. وتبيح المكانة الدونية للمرأة الاجر المنخفض للمرأة امام العمل ذاته الذي يقوم به الرجل، وبالتالي يوفروا أرباح أكثر للرأسمالية المتأزمة، وعبر "نظريات" ارسالهن للبيوت من مثل تربية الأطفال والعائلة والبيت، يردوا على مسالة البطالة وتخفيف حدة واتساع ظاهرة البطالة في المجتمع وهكذا! وعدم التطاول على المقدسات (الغيبية)، بهدف عدم التطاول على المقدسات (الواقعية، الارضية)، مقدسات الملكية الخاصة والحكم.
يجب فضح هذه المؤسسة ودورها، فضح هذا العلاقة التبادلية بين سلطة الرأسمال ودور الشريعة في خدمته كلاهما بوصفهما مؤسستين معاديتين للعمال، وان تحرر المجتمع وحريته مرهون من التحرر منهما على السواء.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015