فارس محمود

قارب واحد!

لم تقف جماهير كردستان ايران مكتوفة الايدي تجاه الجريمة التي حدثت في مدينة مهاباد والتي أدت الى وفاة شابة، فرينازخسرواني. اذ كانت الأخيرة تعمل في احد الفنادق المعروفة في المدينة، وقد قام احد رجالات امن نظام الجمهورية الإسلامية، نظام النزعة الذكورية القبيحة، وبالاتفاق مع صاحب الفندق، باحتجاز الفتاة لغرض الاعتداء الجنسي عليها واغتصابها، لم ترضخ الفتاة الى ضغوطات صاحب العمل ورجل الامن، فسعت يائسة الى ان تهرب عبر الهبوط من شرفة الغرفة في الطابق الرابع الى غرفة اخرها تحتها، والهرب. فقدت توزنها وسقطت من الطابق الرابع، ولقت حتفها فوراً.
انها جريمة بشعة بكل المقاييس. جريمة تعكس وحشية هذا النظام وامتهانه للمراة ودونيتها في ظله قبل أي شيء اخر. فلو كان لهذا النظام ادنى درجات حماية المراة في المجتمع لوفر لها أسس الدفاع عن نفسها امام تطاول ازلامه. انه ليس حادثاً فردياً او تصرفاً ظالما فردياً. ان نظام الجريمة والعصابة المنظمة، نظام الملالي وحكمهم هو أساس مثل هذه المصائب. انه من يوفر الأرضية لهذا التطاول على إنسانية المراة وحقها وكرامتها.
انه نظام الجمهورية الإسلامية من يضع الفتيات امام مصيرين في حالة مثل هذه: فاما ان تواجه ازلام هذا النظام وجلاديه المستهترين بحياة الانسان في المجتمع واما هذا المصير المأساوي. لقد راى الجميع بام اعينه مصير السبيل الأول، المجابهة، رأوا "ريحانه جباري" حين قاومت تطاول احد ازلام النظام عليها، وبلغت هذه المقاومة حد الاقتتال دفاعاً عن النفس والكرامة، وهو الامر الذي أدى الى قتل المعتدي، أي مصير ابشع مصير يخطر على بال الانسان، ان تقاد الضحية الى حبل المشنقة. فنظام الملالي ليس على استعداد لتحمل المس بازلامه، وهو على استعداد لنحر الف "ريحانه" و"ريحانه" من اجل عيون ازلامه، حماته، صائني نظامه وسط هذا السخط والحنق والغضب جراء حروبه وجرائمه، جراء الجوع والفقر والفاقة، البطالة، تفشي المخدرات وبيع الجسد والنفس، انعدام الحقوق والحريات. ان ازلامه خط احمر دفعت ثمنه قبل مدة "ريحانه" لتخطيها له كارهة ومجبرة، دفاعاً عن النفس، ولكن لا نفس اهم من نفس الجمهورية الإسلامية وحماتها عند هذا النظام المقيت. اما المصير الاخر، فهو مصير فريناز. مصيران أحدهما ابشع من الاخر. مصيران ليسا بمصير اساساً، وانما افناء أي مصير او حل.
بيد ان لمجتمع ايران راي اخر، موقف اخر. مثلما قلت، لم يقف متفرجاً على هذا الامر، لم يقبل ان تواجه امراة ما، انسان ما، هذا الموقف دون موقف وتصرف. لقد هب دفاعاً عن بنته، عن نفسه. اذ ان ما جرى ليس تطاولاً على "فريناز"، انه تطاول على المجتمع، على كرامة الانسان فيه، وعلى القيم التي ينبغي ان تصان ولاتداس لاي سبب كان.
هبت الجماهير الغاضبة جموعاً جموعاً صوب مبنى دوائر الامن والاستخبارات والمحافظة، اقامت التجمعات الحاشدة، وحاصروا الأبنية وبثوا الرعب في افئدة "المسؤولين" عديمي المسؤولية والضمير الذين سعوا هباءاً ودون جدوى الى تهدئة الساخطين وتخفيف شدة غضبهم باي طريقة كانت من مثل "ان الشخص المعني كان يرغب بالزواج منها"!! الزواج منها عبر حبسها في غرفة في الطابق الرابع؟!! اية وقاحة هذه؟! ان هذا امر مفهوم جداً! ان لم ينبري هذا النظام للدفاع عن ازلامه، فاية مهمة وجدية أخرى لصيانة بقاء نظامه وادامة عمره المشؤوم؟!
ولما لم تجد الجماهير الغاضبة سوى المماطلة والتهرب من مطلب الجماهير المحتجة باعتقال رجل الامن وصاحب الفندق بوصفهم المسؤولين عن حياة الضحية وتقديمهم للقضاء، مضت الى الفندق واضرمت النار فيه.
ان مايصون المجتمع في نظام طبقي استغلالي بشع وظالم هو مثل اشكال المقاومة الجماهيرية هذه. فالهبات الجماهيرية، التجمعات الحاشدة، الانتفاضات، العصيانات، والثورات هي اليات مقاومة، اليات ردع، صيانة المجتمع من تمادي هذا النظام الراسمالي البشع.
ان مجتمع يقرر على ان ما جرى، او حادث مثل هذا، لا يتعدى حدث يومي وعابر في مجتمع، وبالتالي يتاسف عليه ويمضي نحو حياته الروتينية والعادية ولايشغل باله به كثيراً، يعني انه قد قرر افناء نفسه بيده، قرر سلوك سبيل الموت البطيء والتدريجي، إبقاء المجتمع عديم الروح، فاقد الامل بحياة وغد افضل، والبقاء تحت رجمة الجلادين باختلاف مشاربهم واشكالهم، سواء دينية او طائفية، قومية او عشائرية.
ان رد فعل جماهير مدينة مهاباد وبقية مدن كردستان هو انعكاس لتصور اجتماعي مهم مفاده: "ان هذا المجتمع هو مجتمعي، اناسه اناسي، مصيره مصيري، فرحه وحزنه ورفاهه وسعادته هي فرحي وحزني وسعادتي وافراحي". ان مجتمع يتخذ موقف اللامبالاة مما جرى، يعني انه قرر على ان يُستفرد بافراده! ان ما حل بهذه الفتاة هو ما سيحل بابنتي غداً وبي وبجيراني واناسي باشكال أخرى. اننا في قارب واحد اما ان يصل بنا الى بر الأمان او نغرق في لجة المآسي والمصائب!
ان هذا درس مهم وبالأخص لجماهير العراق اليوم التي ترزح بالف شكل وشكل من اشكال التطاول والظلم هذه. انه درس للعمال في المصانع، لطلبة الجامعات، للمعلمين والموظفين، لعمال الخدمات، للنساء، للشباب، لكل فئة في المجتمع. ان مصيرنا لايمكن فصله عن الاخرين في المجتمع، ان طوق النجاة مرتبط باوثق الصلة بارادتنا الجماعية، بما نريد وما لا نريد الجماعية، بما نقبل وبما لانقبل الجماعية، لايمكن ان نترك الحبل على الغارب للاستفراد بهذا او ذاك، بهذه الفئة او تلك، بهذه المدينة او تلك!

مقالات

فارس محمود

23/11/2015