نادية محمود

العلمانية ام الحرب الطائفية؟

يمر الان مايقارب العام منذ احتلت داعش مدينة الموصل في حزيران من العام المنصرم ووصولها الى مدن اخرى في غرب العراق. سنة مرت، ولا يلوح في الافق اي سبيل لانتهاء معركة الفر والكر بين داعش والميلشيات الشيعية.
هذه الحرب تدور بين فصيلين اسلاميين طائفيين، يحاربان بعضهما البعض تحت راية الاسلام، احدهما انبثق من خلفية الدفاع عن "مظلومية الشيعة"، والثاني انبثق دفاعا عن وضد "تهميش السنة"، كلاهما يريدان دولة اسلامية، الاولى بمرجعية دينية شيعية رسمية او غير رسمية، والثاني يريد بناء دولة الخلافة الاسلامية.
اي الاثنان ينهلان من منهل واحد هو منهل الاسلام والاثنان لايقبلان باقل من الامساك بزمام الدولة والهيمنة على امور المجتمع والتدخل حتى في الامور الشخصية للافراد. وتحت تلك الرايات الاسلامية المتناحرة وسعيا لتحقيق اهدافهم بالسيطرة على الدولة، تخاض الحرب ويسقط القتلى بالمئات من اولئك الذين لم توفر لا الاحزاب الشيعية ولا السنية لهم فرص حياة كريمة في اوقات السلم.
ان الحياة اليومية للناس الساكنين في المناطق التي يسيطر عليها داعش هي مشاهد لمأساة حقيقية، واولئك الذين يعيشون تحت رحمة الاحزاب الميلشياتية الشيعية قد تبدو اكثر استقرارا الا ان النهب والصراع اليومي على فرص العمل والخدمات هو مشغلة حقيقية لسكانها كل يوم، فالزبائنية والفساد هي نمط الحياة اليومية، ومع حرب داعش، بدأ الخوف والهلع وفقدان الشعور بالامان ومع مجيء الضحايا من الشباب المحشدين، دخلت مدن جنوب العراق في حالة حرب.
ان هذا يأتى مع انهيار الدولة في العراق. فمع ظهور الاسلام السياسي والطائفية وضع المجتمع تحت هيمنة وبطش عصابات مسلحة قادرة على استباحة المجتمع، امنه، وحياة افراده، شيعية كانت هذه العصابات ام سنية. حيث ان هذا البلد هو بلد نفطي، فان وجود الثروات النفطية الهائلة توفر الفئات المتحاربة الفرصة القابلة للاقتناص والتي تحارب من اجلها تلك العصابات لتصل الى مصادر المال والسلطة. في هذا الصراع يساق ويعبئ ويجري التحشيد تحت شعارات وهويات طائفية. الا ان "المحشدون" هم الضحايا الحقيقيون والمتضررون الذي يشكلون غالبية المجتمع "الشيعي" في وسط وجنوب العراق وهم اولئك الملايين "السنية" الذين يشكلون غالبية سكان غرب العراق.
لم نعرف شيئا كثيرا عن اختلافات واجندات الميلشيات الشيعية السنية المتناحرة. بأمكان اي امرء ان يرى بوضوح حين بدأت فترة الانتخابات في بريطانيا على سبيل المثال، ان حزب العمال يرفع شعار المحافظة على خدمات الصحة الوطنية وتخفيض نفقات التعليم الجامعي، والغاء بدل ايجار الغرفة الواحدة، وبالمقابل يرفع حزب المحافظين شعارات من قبيل ايقاف الضرائب على العاملين ذوي الاجر المنخفض، او رعاية اطفال مجانية للاسر العاملة، والخ من شعارات، او كما يسمونها مانفسيتو، كل يوضح ماهو برنامجه الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع. لكن لا نعرف شيئا عن البرامج الاقتصادية او الاجتماعية لداعش والاحزاب الشيعية.
كل الذي نعرفه هو ان داعش يريدون تاسيس دولة اسلامية. علما ان الشيعة يريدون تاسيس دولة اسلامية ايضا، وقد ثبتوا ذلك في دستورهم المكتوب وفي عملهم اليومي غير المكتوب. لم يتحدثوا كثيرا عن برنامجهم الاقتصادية للمجتمع، بل يبدو هذا الامرلامحل له هنا وغير مطروح اساسا. لم يكلف احد نفسه عناء توضيح ما الذي ستقدمه هذه الجماعات والميلشيات الشيعية والسنية للمجتمع. ماذا تعني "دولة الخلافة الاسلامية" بالنسبة للقضايا المتعلقة بالصحة، والعمل والتعليم والخدمات الاجتماعية. كل هذه الامور تبدو نافلة. اما الاحزاب الشيعية وميلشياتها اعطت الجميع صورة واضحة عن حقيقتهم، وعن "مظلوميتهم" التي حولوها هذه المرة الى ممارسة" الظلم" بحق الاخرين، بممارستها وبشكل مواظب النهب، الفساد، القتل والارهاب السياسي. ان هذه المفردات تشكل تاريخ العراق في الاثني عشر سنة المنصرمة من حكم الاحزاب والميلشيات في العراق، ان احدهم كان يتحدث فرحا في احد الجوامع على ان على الاخرين ان يلجأوا الى "التقية".
ان الطائفية لن تولد الا الطائفية ان المحاصصة التي جرى الاتفاق عليها في عام 2003 قد سقطت بشكل مدوي، والان يجري اعادة تعريفها بشكل عسكري. يجب قول الحقيقة ان الاحزاب الشيعية والسنية ومؤسساتها الدينية، لاتستطيع الا ان تكون طائفية، ليس هنالك اسلام على العموم، الاسلام السياسي هو اسلام طائفي: اما شيعي او سني.
في خاتمة المطاف، هذه الفئات المتحاربة فئات لها مصلحة اقتصادية مباشرة، ان صانتها بايام السلم عبر النهب والفساد تضطر لادامة المحافظة عليها بقوة السلاح، ما تبقى هو مسؤولية المجتمع خارج هذا التصنيف الطائفي الشيعي- السني، غير المحشد وغير المعبء، الجمع الرافض للطائفية، ولاسلمة وتشييع المجتمع، القوى التي ترى نفسها مسؤولة عن انقاذ المجتمع من هذه العصابات.
لا الشيعية ولا السنية لديها الحل للمجتمع في العراق. لقد سقط ذلك الشعار الذي رفعه الاسلاميون منذ القرن المنصرم، الاسلام هو الحل. الاسلام هو المشكلة، الاسلام السياسي هو المشكلة، والطائفية هي اعلى مراحل الاسلام السياسي على حد تعبير حارث حسن القروي. لذلك لا الاسلام السياسي ولا الطائفية يمكن ان تنقذ مزيدا من الارواح او توفر سفك الدماء.
يجب اخراج الاثنين من حياتنا، لا داعش ولا الاحزاب الشيعية لديهم الحل. العلمانية هي الحل. فصل الدين عن الدولة هو الحل، وتحديدا العلمانية التي تستند الى ارادة وتدخل الجماهير هي الحل.

مقالات