قاسم علي فنجان

مناقشة لشؤون عمالية

الكتابة فعل جريء قد تتحول في بعض ألأحيان إلى فعل ثوري يقض مضاجع البعض أذا استطاعت أن تثير ردود فعل تكون بمستوى التهجم والتهديد بالقتل, فالمثير دائما يبحث عن استجابة وقد تنتقل هذه الاستجابة إلى مرحلة إسكات هذا المثير, ورشيد إسماعيل "أبوعلي" كتب -مع أنُا ما عهدنا له بالكتابة- فأثار حفيظة البعض بمقالته التي حملة عنوان (العمال وحصان طروادة), وهؤلاء المثارين -المستفزين- من مقالته بدءوا بالتهديد والوعيد بعد أن هجوا وتهجموا عليه بمقر تواجده في"إتحاد المجالس والنقابات العمالية".
و"أبوعلي", وكبطاقة تعريفية مقتضبة, هو شخص عملي جدا, منتمي إلى أحزاب يسارية منذ منتصف خمسينات القرن الماضي -فلا احد يزايد على شيوعيته- وهو نقابي صميمي دائما ما يطور عمله النقابي, متألم جدا مما آلت أليه الأوضاع في العراق وبخاصة أحوال العمال والكادحين في الفترة الأخيرة, يسعى بجهد ومثابرة إلى جمع شتات العمال وتوحيد صفهم وتقويته لاستعادة حقوقهم المضاعة, عايش بشكل ثوري المظاهرات الأخيرة لعمال وزارة الصناعة المطالبين بدفع جميع رواتبهم المتأخرة, فكان متقدم الصف وأول الحاضرين ويحمل "السبيكر" واللافتة ويعتلي منصة الهتاف وحاضر في الاجتماع والمؤتمر ومهيأ له, لم يغب عن أي ممارسة تخص العمال ولم يترك الساحة لا يعرف الكسل أو الخمول, كان دائما يقول لنا بصيغة أخوية عمالية لا تعالي بها ولا تحمل أي أبوية "الميدان هو العمل الحقيقي لا قراءة الكتب" لكننا كنا دائمي الحضور"للمتنبي" وسيقتلنا رجال الإخشيدي يوما.
كتب "أبوعلي" مقالته التي ارتقت إلى أن تكون وثيقة دونت ما جرى في الفترة الأخيرة لمظاهرات واجتماعات ولقاءات ومؤتمرات نقابيي وقياديي عمال وزارة الصناعة, فكانت ذاكرة حقيقية تَظم إلى السجل المكثف لنضال الطبقة العاملة في العراق, لقد أرخت لحقبة كانت فيها الحركة العمالية حركة صاعدة وضاغطة على السلطة الحاكمة التي ينخرها الفساد والسرقة والذي أنعكس على حياة الملايين من بطالة وانعدام للخدمات وصحة وتعليم إلى الهاوية, تلك الفترة لم تنتهي لأن سياستهم بهيكلة وتسريح الآلاف من العمال وتأخير دفع الرواتب باقية, فأنتقد "أبوعلي" في وثيقته الجناح الانتهازي "التفاوضي" داخل الحركة العمالية, لأنه كان يؤمن كباقي العمال بأن هذه السلطة لن ينفع معها المسار التفاوضي, فالعمال قد جربوا ذلك وباءت محاولاتهم أو من جرهم إليها بالفشل,
لقد آمن "أبوعلي" بمقولة لينين (أن على المرء في موقف يتطلب حركة أن يختار من بين إمكانيات لا نهاية لها حلقة واحدة خاصة في السلسلة, ويجب أن يمسك بها بقوة لكي يحتفظ بسيطرة فعلية على كامل السلسلة)، فتمسك أو كان ينادي بالتمسك بحلقة الوجود في الساحة والمواجهة مع سلطة لا تبالي بحياة العمال لأننا بذلك فقط نستطيع أن نتحكم بالمطالب ونرفع من سقفها.
لكن قد تبدو مفارقة مأساوية أن تبلغ الوقاحة ببعض "النقابيين" من التنسيقية ليهددوا "أبوعلي" بالمليشيات بدعوى أنه تطاول على"المرجعية" وهي تهمة جاهزة لإسكات أي صوت, أنه سلوك عدائي لم يبلغه أي نقابي على مر التاريخ وممارسة إجرامية لم نعرف عنها منذ أول اتحاد لعمال الخياطة في بريطانيا عام 1720, أن يهدد نقابي يكتب مقال عن العمال من قبل أناس يسمون أنفسهم "نقابيين" أخريين, مقال فضح فيه ميل استسلامي داخل الحركة العمالية يريد إخمادها, حركة تصاعدية قوية وفاعلة أرادت أن ترتقي إلى "إسقاط النظام" بيد العمال أنفسهم, وهذا الجناح كان يتفاوض مرة ويطلب من العمال أن يبقون ضمن أطار مطلب "دفع الرواتب المتأخرة" مرة أخرى, عمال تريد الصعود بالحركة وميل نقابي يريد إيقافها وفرض التراجع عليها, حدث ذلك في مظاهرة بالقرب من وزارة الخارجية, فالعمال أمام تجاهل ولا أبالية السلطة المقيتة قرر البعض منهم أن يرددوا شعار "العمال تريد إسقاط النظام", لكن مجموعة من "النقابيين" ذهبت للتفاوض وأخرى تقول "نريد فقط الرواتب".. لقد تذكرت صراخ "فالديك روشي" زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي (أيار 1968) في وجه الملايين من العمال المضربين (تذكروا إنكم قررتم الإضراب لزيادة الأجور لا لأخذ السلطة)، اليوم يتكرر هذا المشهد المأساوي وهذا دأب التاريخ دائما يعيد نفسه لكن بشكل مهزلة..
لكن يا ترى ما الذي أثار هؤلاء "النقابيين" ومن خلفهم بعض القوى السياسية من مقالة "أبوعلي", هل لأنه أراد للعمال أن يطالبوا بإسقاط هذه السلطة الفاشستية, أم لأنه أوضح للعمال ما يحيط بهم من خداع والتفاف على مطالبهم, فهل من العيب أن يقوم بذلك أي نقابي حريص على وحدة العمال, أليست هذه هي المهمات الملقاة على عاتق النقابيين الصادقين, في مجتمع يعيش أسوأ أيامه من جراء سياسات رجعية خانقة تلعب على وتر الأوهام الطائفية والقومية, مجتمع دب التفكك فيه والتجزؤ أصبح سمة رئيسية له, فهل نحارب ونهدد بالقتل إنسان وهب نفسه وصحته لخدمة قضية عمالية, ثم ما الذي لا يفهموه هؤلاء من شي أسمه "حرية التعبير" والكل يعلم أننا العمال أكثر الفئات تضررا من عدم وجودها وندافع بشكل يومي عن هذه الحرية, فهل يعقل أن يكون أول من يقيد هذه الحرية هم مجموعة "نقابيين". أخيرا نشد على يديك يا "أبوعلي" ونعلن عن تضامننا معك ولتحفظك عيون أرجوس (1).

1- عيون أرجوس -عملاق ذو عيون كثيرة في الأساطير اليونانية- ويطلق هذا التعبير بمعنى عين حادة النظر ماهرة واعية..                                    

مقالات