توما حميد

الامبريالية من وجهة نظر الطبقة العاملة! الجزء الاول

منذ بداية القرن العشرين كانت مسالة الامبريالية الرأسمالية احد اهم المواضيع التي شغلت المنظرين وخاصة الماركسيين منهم. اود من خلال هذه المقالة ان اوضح في البداية ماهي الامبريالية من وجهة نظر الطبقة العاملة كما اراها ومن ثم سوف اتطرق الى التعريفات والتفسيرات المختلفة التي صيغت من قبل الاجيال المختلفة من المنظرين الثوريين والاصلاحيين المهتمين بهذا الشأن في مكان اخر.
لقد قدمت الكثير من التعريفات والتفسيرات عن الامبريالية بعد لينين مع كل مرحلة من المراحل الكبيرة التي مر بها الاقتصاد الرأسمالي العالمي، الا ان كل تلك التعريفات والتفسيرات كشفت عن قصورها ولم تصمد لانها كلها تتعامل مع خاصية غير اساسية من خواص الامبريالية او ظاهرة معينة من الظواهر التي ترافقها ولا تنظر الى الامبريالية كنظام اقتصادي بل سياسية من السياسات التي تنتهجها الدول الامبريالية. واغلب هذه التعريفات والتفسيرات تستند على الرؤى الشعبوية والماوراء الطبقية.
الامبريالية كأي مفهوم اخر هي مفهوم طبقي. فبعكس اغلب التفسيرات المعاصرة، الامبريالية هي ليست بالاساس علاقة بين دول اواقوام اومناطق او قارات او بين المركز والاطراف او بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة وان كانت كل تلك العلاقات تتاثر بالامبريالية وتصاغ من قبلها. والامبريالية هي ليست مرادفة للاستعمار بانواعه ونهب المواد الاولية للمستعمرات والدول المتخلفة والسيطرة على اسواقها والاعمال العدوانية والقمع الذي تقوم به الدول القوية وضمان تفاوت النمو بين المركز والاطراف وغرق الدول الفقيرة تحت الديون وغيرها من الظواهر المرافقة للامبريالية والتي هي كلها ظواهر حقيقية. بل للامبريالية محتوى طبقي و هي بالاساس علاقة بين العامل والرأسمال. العلاقة بين العامل والرأسمال هي العلاقة الاساسية والثابتة وهي التي تحدد كل العلاقات الثانوية الاخرى التي تتغير معادلاتها حسب تطور الاقتصاد الرأسمالي العالمي. فبدون شك ان الامبريالية المعاصرة مختلفة عن الامبريالية في بداية القرن العشرين في الكثير من النواحي ولكن ليس في الجوهر اي في كونها علاقة بين العامل والرأسمال. فمظهر الامبريالية والياتها تغيرت مع كل تغير جوهري في الاقتصاد السياسي الرأسمالي في اخر قرن ولكن بقى جوهرها ثابتا.
الامبريالية هي وسيلة لمواجهة الازمات الدورية التي هي صفة ملازمة للنظام الرأسمالي الناتجة عن قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض لكل الرأسمال الاجتماعي وليس لراسمال قطاع معين خلال عملية الانتاج واعادة الانتاج عن طريق تشديد الاستغلال على الطبقة العاملة والتخفيض الحاد لمستوى معيشتها (اي انتاج فائض الربح الامبريالي المستند على قوة العمل الرخيصة ودرجة استغلال عالية) . بمعنى اخر هي الية لحل ازمات النظام الرأسمالي وتناقضاته الداخلية وبالتالي ضمان تراكم الرأسمال عن طريق فرض الاثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه التناقضات والازمات على كاهل العمال والكادحين.
بالنتيجة الامبريالية هي ظروف عمل وعيش تفرضها البرجوازية على الطبقة العاملة عن طريق تقليص حصة الطبقة العاملة من انتاج وثروة المجتمع الناتجة عن الزيادة المستمرة في القوة الانتاجية. المستوى العالي من الاستغلال الطبقي الذي يفرض على العمال والكادحين يتم من خلال اليات غير موجودة في عصر راسمالية المنافسة الحرة. فبالرغم من اكثر من ثلاثة قرون من التطور التقني المستمر والزيادة الهائلة في القوة الانتاجية لايزال العامل في فروع نايكي وابل وسامسونك وغيرها من الشركات العملاقة في الصين وبنكلادش وفيتنام والهند واندونيسيا يعمل لمدة 10-12 ساعة في اليوم ولستة ايام في الاسبوع وتحت ظروف في غاية القساوة لكي يعيل نفسه. ويحدد مستوى معيشة العامل في ادنى مستوى ممكن، قريب جدا من الحد الادنى الطبيعي ( اي الحد الذي يبقي على العامل حيا فقط). فاذا كان مسكن بمواصفات معينة و التامين الصحي والتعليم والتغذية الصحية وسيارة وثلاجة وجهاز تلفاز وغيرها قد اقرت بوصفها من مستلزمات الحياة الاساسية لاقسام من الطبقة العاملة في الدول المتقدمة تبقى الطبقة العاملة في الدول التابعة محرومة من ابسط مستلزمات الحياة. الاحصاءات في هذا الصدد ثتير الاشمئزاز، اذ يكفي ان نتذكر بان منظمة الامم المتحددة أعلنت يوم 19 من نوفمبر اليوم العالمى للمراحيض، لانه في القرن الحادي و العشرين لايزال ملياري من البشر يقضون حاجاتهم في العراء، الامر الذي يتسبب في كوارث صحية هائلة. ان هذا المستوى المعيشي المتدني ليس لان انتاجية العامل في الصين وفيتنام واندونيسا وغيرها هي واطئة ، اذ غالبا ما يستخدم العامل نفس التكنلوجيا التي تطورت في الدول المتقدمة عبر عمر الرأسمالية.
يجدر الاشارة بان ظروف العيش والعمل الامبريالية قد تم فرضها على الطبقة العاملة على مستوى العالم بما فيها اقسام من الطبقة العاملة في الدول الغنية مثل الدول الاوربية وامريكا الشمالية واليابان. لقد تمكنت البرجوازية من فرض ظروف العيش والعمل الامبريالية على الطبقة العاملة من خلال اليات مختلفة برزت في المراحل المختلفة من تطور الاقتصاد الرأسمالي وهي الاحتكار، والاستعمار والقمع السياسي السافر واعادة انتزاع المكاسب والملكية من الجماهير والعولمة ومكننة الاقتصاد وتوظيف التكنولوجيا في عملية الانتاج. العولمة ومكننة الانتاج بما فيه ادخال الكومبيوتر في عملية الانتاج بالذات قد مكنت البرجوازية من فرض ظروف العيش والعمل الامبريالية مشابهة لتلك التي تسود في الدول الفقيرة على قطاعات واسعة من الطبقة العاملة في الدول الغنية. انتقلت الرأسمالية الى مرحلة الامبريالية عن طريق حلول الاحتكار بوصفه نتيجة لتمركز الانتاج محل التنافس الحر و كان الاحتكار اهم وسيلة في تقليص حصة الطبقة العاملة من الانتاج الاجتماعي و"اعادة انتزاع الملكية منها" على المستوى العالمي ولكن الاحتكار ليس الوسيلة الوحيدة لتوطيد ظروف العيش والعمل الامبريالية. اهمية هذه الاليات لاتكمن فقط في انتاج فائض الربح الامبريالي من خلال قوة العمل الرخيصة ودرجة عالية من الاستغلال بل في ضمان توفير شروط انتاج فائض الربح الامبريالي في المستقبل.
قبل ان اتطرق الى كل هذه الاليات وكيف تقوم بتقليص حصة الطبقة العاملة من انتاج وثروة المجتمع، يهمني ان اوضح ان مسالة فرض ظروف العمل والعيش الامبريالية هي ليست نتيجة مؤامرة تحيكها البرجوازية او قادتها ضد الطبقة العاملة،وهي ليست مسالة ارادوية تقررها البرجوازية في الكواليس بل هي نتيجة قوانين حركة الرأسمال . هذه الاليات هي بالذات استجابة لقانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض. فانا لااتفق مع الاعتقاد الذي يروج بان العولمة الامبريالية هي من اختراع التيار النيوليبرالي للسيطرة على العالم، بل ان بروز هذا التيار ووصوله الى السلطة هو انعكاس لتطورات في الاقتصاد السياسي الرأسمالي وبروز العولمة الامبريالية كالية من اليات مواجهة قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض.
اجد هنا من الضروري الاشارة الى اهم ماقاله لينين في بحث، الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية، لانه يقدم اساس لما اود الوصول اليه بخصوص كيف وظف الاحتكار لفرض ظروف العيش والعمل الامبريالية على الطبقة العاملة.
يقول لينين: لقد اثبت ماركس نظريا ان المنافسة الحرة تؤدي الى تمركز الانتاج من خلال افلاس وفشل مشاريع معينة وتوسع ونمو مشاريع اخرى. وان تمركز الانتاج في عدد اقل فاقل من المشاريع المتنافسة يؤدي في مرحلة معينة من التطور الى الاحتكار.
وادعى لينين تحقق هذا الامر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد دعم لينين هذا الرأي باحصاءات دقيقة وردت في كراس، الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية.
اذ بين لينين بان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شهد الاقتصاد الرأسمالي الانتقال من المنافسة الحرة الى الاحتكار وفي نمو الرأسمال المالي . وهذا التحول من النوع القديم من الرأسمالية التي سادت فيها المنافسة الحرة الى النوع الجديد من الرأسمالية التي يسود فيها الاحتكار يعني دخول الرأسمالية المرحلة الامبريالية.
ويضيف لينين: "ان زيادة حجم المشروع الاقتصادي والمستوى التقني العالي ولد ميل نحو الاحتكار. الرأسمالية أخذت تتحول أمام عيوننا إلى احتكار منشئة صناعة ضخمة مزيحة الانتاج الصغير، مُحِلَّة الأضخم محل الضخم ، دافعة تمركز الانتاج والرأسمال الى درجة نشأت وتنشأ عنها الاحتكارات: الكارتيلات والسينديكات والتروستات". " وتركز الانتاج في مشاريع عملاقة تكبر باستمرار يؤدي الى الاحتكار لان بامكان عدد قليل من المشاريع الرأسمالية من الوصول الى اتفاق للحد من التنافس وبالتالي فان ميادين كبيرة من الحياة الاقتصادية تم ازالتها من حقل المنافسة الحرة. وعندما يتم انشاء الاحتكار وتتحكم بالمليارات فانها تخترق كل ميادين الحياة بشكل حتمي بغض النظر عن شكل الحكومة والنظام السياسي".

"
ان بروز البنوك الكبيرة الاحتكارية التي تتحكم بمقادير هائلة من الرأسمال ووسائل الانتاج ومصادر المواد الاولية هو احدى العمليات الاساسية في مسيرة نمو الرأسمالية الى الرأسمالية الاحتكارية. اذ قامت البنوك بتشديد وتسريع عملية تركز الرأسمال وانشاء الاحتكارات في كل الدول الراسمالية الى حد كبير. وعند سيادة الرأسمال المالي تحت الظروف العامة للانتاج البضاعي والملكية الشخصية فان " العمليات التجارية" للاحتكارات الرأسمالية تودي بشكل حتمي الى سيادة الاوليغراية المالية. و الازمات بكل انواعها وخاصة الازمات الاقتصادية الدورية تودي الى زيادة الميل نحو تركز الانتاج والاحتكار".
. "
إن وظيفة البنوك الأساسية هي الوساطة في الدفع. وأثناء ذلك تـُحوٌل البنوك الرأسمال النقدي غير العامل إلى رأسمال عامل، أي إلى رأسمال يدر الأرباح، وتجمع العائدات النقدية بشتى أنواعها وتضعها تحت تصرف طبقة الرأسماليين.
ومع تطور الشؤون البنكية وتمركزها في مؤسسات قليلة العدد، تتحول البنوك من وسطاء متواضعين إلى احتكارات شديدة الحول تتصرف بمعظم الرأسمال النقدي العائد لمجموع الرأسماليين وصغار أصحاب الأعمال وكذلك بالقسم الأكبر من وسائل الإنتاج ومصادر الخامات في بلاد معينة أو في جملة من البلدان، وتحول الوسطاء الكثيرين المتواضعين إلى حفنة من الاحتكاريين هو وجه أساسي من وجوه صيرورة الرأسمالية إلى امبريالية رأسمالية، ولذا ينبغي لنا أن نتناول في المقام الأول تمركز الأبناك"

"
من خواص الرأسمالية بوجه عام فصل ملكية الرأسمال عن توظيف الرأسمال في الإنتاج، فصل الرأسمال النقدي عن الرأسمال الصناعي أو المنتج، فصل صاحب الدخل الذي يعيش فقط من عائد الرأسمال النقدي عن رب العمل وجميع المشتركين مباشرة في التصرف بالرأسمال. والامبريالية أو سيطرة الرأسمال المالي هي مرحلة الرأسمالية العليا التي يبلغ فيها هذا الفصل مقاييس هائلة. وهيمنة الرأسمال المالي على بقية أشكال الرأسمال تعني سيطرة صاحب الدخل والطغمة المالية، تعني بروز عدد ضئيل من الدول التي تملك "البأس" المالي بين سائر الدول الأخرى. ويمكننا أن نتبين مدى نطاق هذا السير من أرقام إحصاءات الإصدار، أي إصدار أنواع الأوراق المالية"
ان بداية القرن العشرين شهدت 1-بروز الاتحادات الاحتكارية للرأسماليين في كل الدول الرأسمالية المتطورة. 2- بروزالموقع الاحتكاري لعدد قليل من الدول الغنية ، وصل فيها تراكم الرأسمال نسب عملاقة".
لقد أوضح لينين "أن الرأسمالية الإمبريالية تتميز بالتراكم الهائل للرأسمال المالي في بضعة دول تستحوذ على الأوراق المالية وتتحكم في حركتها في السوق التجارية العالمية، وتعمل على تصدير الرأسمال إلى المستعمرات مما يشدد العزلة لفئة أصحاب المداخيل عن الإنتاج، "الذين يعيشون من "قص الكوبونات" المعزولين تماما عن الإشتراك في أي مشروع".

ويضيف" الراسمال الفائض" لايستخدم لتحسين الظروف المعيشية للجماهير لان ذلك يعني انخفاض الارباح بل يستخدم لزيادة الارباح عن طريق تصدير الرأسمال الى الدول المتخلفة خاصة عندما لايجد الرأسمال فرصة للاستثمار في الدول الغنية نفسها نتيجة فقر الطبقة العاملة. فالصفة المميزة للرأسمالية القديمة حيث تهيمن المنافسة الحرة هو تصدير البضائع، بينما الشي المميز للمراحل الاخيرة من الرأسمالية حيث تسود الاحتكارات هو تصدير الرأسمال.
والموقع الاحتكاري للدول الغنية ادى و يؤدي الى ضمان ارباح احتكارية عن طريق تحرير السندات وتقديم القروض الى الدول الاخرى. والدول المصدرة للرأسمال كما بين لينين عادة ما تكون قادرة على الحصول على امتيازات معينة كفقرة ملائمة في المعاهدة التجارية، محطة تزويد الفحم، عقد لبناء مشروع معين وعادة مايستخدم جزء من القرض في طلبية شراء من الدولة المانحة للقرض بمافيها طلبية شراء الاسلحة. ان تصدير الرأسمال كاحد الاسس الاقتصادية الجوهرية للامبريالية يشدد لدرجة اكبر العزلة التامة لفئة اصحاب المداخيل عن الانتاج، ويسم بطابع الطفيلية كل البلاد التي تعيش من استثمار عمل عدد من بلدان ماوراء المحيطات والمستعمرات.

"
ان اتحاد الرأسماليين الاحتكارية-الكارتيلات، السنديكات، التروستات-تقسم فيما بينها بادئ ذي بدء السوق الداخلية ضامنة لنفسها السيطرة على الانتاج في بلد معين بصورة مطلقة ما امكن. ولكن لا مناص للسوق الداخلي في عهد الرأسمالية من ان يرتبط بالاسواق الخارجية. وكلما يزداد تصدير الرأسمال وتتسع شتى انواع العلاقات بالخارج وتتسع " مناطق نفوذ" الاتحادات الاحتكارية الضخمة، تسير الامور " بصورة طبيعية" في اتجاه الاتفاق العالمي بين الاتحادات، و تشكل كارتيلات عالمية. الكارتيلات العالمية هي مظهر من ابرز مظاهر اكتساب الرأسمال للصيغة العالمية".
"
اذ تتفق الكارتيلات على شروط البيع وتاريخ الدفع وتقوم بتحديد الاسعار و مقدار البضاعة التي تنتج ويقومون بتقسيم الاسواق والارباح فيما بينها. وبعكس الرأسمالية في مرحلة المنافسة الحرة حيث تقوم المشاريع الصناعية الصغيرة المبعثرة التي ليست لها اي ربط مع بعضها البعض بالانتاج لسوق غير معروف، وصل التركز الى مرحلة الذي يجعل ممكنا للقيام بتقدير تقريبي لكل مصادر المواد الاولية للبلد الواحد او مجموعة دول وحتى للعالم كله بل ان تلك المصادر تم السيطرة عليها من قبل مجموعة من الاحتكارات العملاقة. كما يمكن تحديد قدرة السوق بشكل تقريبي وتقوم الاحتكارات بتقسيمها فيما بينها. ويتم احتكار الايدي العاملة الماهرة ووسائل النقل البري والبحري الخ".
"
وقد تم تقسيم العالم بشكل كامل لذا في المستقبل اعادة تقسيم العالم فقط يكون ممكنا. ان تقسيم العالم بين الاتحادات الاحتكارية لاينفي طبعا اعادة تقسيم العالم اذا ما تبدلت نسبة القوى نتيجة تفاوت التطور والحروب والافلاسات وغير ذلك. وهذا ماحدث بالفعل بشكل مستمر. الاحتكارات الخاصة والاحتكارت المملوكة للدولة تندمج في عهد الرأسمال المالي وان هذه وتلك ليست في الواقع الا حلقات في سلسلة الصراع الامبريالي بين الاحتكارات الكبرى من اجل تقسيم العالم. وسعت الاحتكارات بكل الوسائل الى حرمان الخصوم من فرصة المنافسة. ان الإحتكارات هي أوطد ما تكون حين تتفرد بوضع يدها على جميع مصادر الخامات ... وانتزاع من الخصم كل امكانية للمنافسة عن طريق شراء حقول ومطمورات المواد الخامة وغيرها .لا يقصر الرأسمال المالي اهتمامه على مصادر الخامات المكتشفة وحدها، بل يهتم كذلك بمصادر الخامات المحتملة، لأن التقنية تتقدم في أيامنا بسرعة لا يتصورها العقل؛ والأراضي غير الصالحة اليوم قد تغدو صالحة غدا إذا أوجدت لذلك طرائق جديدة."

"
من جهة اخرى الدول المصدرة للرأسمال قسمت العالم فيما بينها. مايعطي الرأسمال المالي الوضع "الافضل" والنفع الاكبر هو ذلك الخضوع الذي يتبع فقدان البلدان والشعوب المستعبدة لاستقلالها السياسي. لذا فان التواطئ بين الاحتكارات والدول اخذ اشكال عديدة مثل استخدام نفوذ الدولة والتسهيلات التي تاخذ اشكال مختلفة منها توفير البنية التحتية و استخدام القوة العسكرية والجيش لحماية مصالح الاحتكارات الخاصة وغيرها ووصل هذا التواطئ الى اوجه في مسالة استعمار الدول الاخرى. ان المصالح وراء تصدير الرأسمال تدفع كذلك الى الاستيلاء على المستعمرات، لان من الاسهل في اسواق المستعمرات " واحيانا لايمكن الا فيها" ازاحة المنافسة وتامين الطلب وتوطيد " العلاقات" اللازمة وهلم جرا. ان حيازة المستعمرات هو وحده مايعطي الاحتكارات الضمانة التامة للنجاح ضد كل الاوضاع الطارئة في الصراع مع المنافسين".

"
ان الاحتكارات لاتزيل المنافسة الحرة التي نشأت عنها، بل تعيش فوقها والى جانبها ، مولدة لهذا السبب جملة من التناقضات والخصومات والاحتكاكات والنزاعات في منتهى الشدة والقوة".
كتلخيص لاراء لينين حول الامبريالية اجد هنا من الضروري التذكير بالتعريف الذي صاغه للامبريالية.


الامبريالية حسب لينين لها الصفات الاساسية الخمسة التالية:
1"-
تمركز الانتاج والرأسمال بلغ في تطوره حدا ادى الى نشوء الاحتكارات التي تلعب الدور الحاسم في الحياة الاقتصادية.2- اندماج الرأسمال البنكي والرأسمال الصناعي ونشؤء الطغمة المالية على اساس " الراسمال المالي" هذا.3- تصدير الرأسمال خلافا لتصدير البضائع، يكتسب اهمية في منتهى الخطورة، 4- تشكيل اتحادات رأسماليين احتكارية عالمية تقتسم العالم، 5- انتهى تقاسم الاقاليمي لكل العالم بين كبريات الدول الرأسمالية.

وبكلمات اخرى الامبريالية هي الرأسمالية في مرحلة من التطور تم ترسيخ سيادة الاحتكارات والرأسمال المالي : فيها اكتسب تصدير الرأسمال اهمية كبرى وابتدا تقاسم العالم بين التروستات العالمية وانتهى تقاسم كل اقاليم العالم بين كبريات البلدان الرأسمالية". هنا ينتهي الاقتباس من لينين.


أليات فرض شروط العمل والعيش الامبريالية ألأحتكار طالما بقت الرأسمالية النظام الاقتصادي السائد سنجد بان المنافسة تؤدي الى الاحتكار وبالعكس ، وسنجد الاحتكار بكل درجاته وانواعه الى جانب المنافسة بكل درجاتها ولكن سيبقى الميل بشكل عام نحو سيادة الاحتكار والقضاء على المنافسة في المزيد من القطاعات الاقتصادية.
ان الاحتكار كألية من اليات الامبريالية ادى ويؤدي الى التلاعب بالاسعار وفرض الاسعار الاحتكارية على البضائع والخدمات في قطاعات اقتصادية واسعة حتى في الدول الغنية المصدرة للرأسمال كطريقة "لاعادة انتزاع الملكية من الجماهير " من قبل البرجوازية. مكسب الطبقة العاملة في تحسين الاجر الذي ياخذه العامل الى البيت يتم تقويضه عن طريق فرض اسعار احتكارية على البضائع والخدمات. العامل هو اكثر من يتضرر من الاسعار الاحتكارية لانه يصرف جزء اكبر من اجره على البضائع والخدمات مقارنة بالطبقات الوسطى والغنية. لذا رغم الزيادة الهائلة و المستمرة في القوة الانتاجية طوال عمر حكم الرأسمالية يبقى العامل حتى في الدول الغنية يركض ليلا ونهارا لكي يضمن المعيشة. ونجد ان متوسط الثروة العائلية في امريكا في 2013 كان 56335 دولار . هذا يعني كل ماتمتلكه 50% من العوائل في امريكا بما فيه ماورثته وماقامت بجمعه خلال سنوات من العمل لايتعدى 57000 وهو مبلغ لايسد مصاريف سنة اذا عطل الانسان عن العمل لاي سبب.

نجد علامات ودلائل الميل نحو سيادة الاحتكار على الاقتصاد الذي ينتج ارباح احتكارية وبالتالي يؤدي الى اتساع الفجوة بين البرحوازية والطبقة العاملة بشكل متسارع في كل مكان. ونحن امام درجة غير مسبوقة من سيادة الرأسمال المالي الاحتكاري عالميا. فهناك ميل متزايد نحوانتشار الشركات المتعددة الجنسيات-والتي هي في الحقيقة تجسيد لتركز و عولمة الرأسمال الاحتكاري،- تمارس احتكار احادي او احتكار القلة على مستوى العالم. ان عملية تركز وعولمة الرأسمال ادت الى ان تتحكم بضع مئات من الشركات بالاقتصاد العالمي قادرة على ممارسة قوة احتكارية هائلة.

افضل الادلة على الميل نحو تركز الاقتصاد وعلى قيام الاحتكارات العالمية العملاقة بفرض اسعار احتكارية هي ثروات و المكانة الاقتصادية للاحتكارات العالمية الكبرى بالمقارنة مع كل الاقتصاد العالمي والارباح الخيالية السنوية التي تحققها تلك الاحتكارات بالمقارنة مع الشركات الصغيرة وبالمقارنة مع نسبة النمو الاقتصادي في البلد او على المستوى العالمي. ان مردودات اكبر 500 شركة عالمية في 2013 بلغ 31.1 ترليون دولار وبلغت ارباحها 2 ترليون دولار ،في حين ان الناتج الاجمالي العالمي لسنة 2013 بلغ 87.25 ترليون. اي ان مردودات اكبر 500 شركة عالمية تساوي 40% من الدخل السنوي العالمي.
وعلى مستوى امريكا، ازدادت مردودات اغنى 200 شركة امريكية من 21 % من المردودات الاجمالية للاقتصاد الامريكي في 1950 الى 30% في 2008. ان نسبة ارباح اكبر 200 شركة امريكية بالنسبة لارباح كل الشركات الاخرى في الاقتصاد الامريكي ارتفع من 13% في 1950 الى 30% في 2007. وفي عام 2010، اكبر ستة بنوك امريكية ( ج ب مورغن، بانك اوف امريكا، سيتي بانك ، ويللس فارغو، كولدمان ساكس ومرغن ستانلي) كانت تمتلك من ممتلكات تساوي 64 % من الدخل القومي الامريكي.
كما ان سرعة اتساع الفجوة بين الاغنياء والفقراء هو دليل اخر على الارباح الاحتكارية. اذ يملك اغنى 85 شخص في العالم ثروة مايعادل ثروة افقر 3.5 مليار انسان. وثروة اغنى 1% من سكان العالم تبلغ 110 ترليون اي مايعادل 65 مرة بقدر ثروة افقر نصف سكان العالم. وهذه الفجوة اتسعت بشكل سريع جدا في اخر 3 عقود وهي الاخرى دليل على فرض ارباح احتكارية واعادة انتزاع الملكية من الجماهير بشكل متسارع.
وهناك الاف الامثلة على التلاعب بالاسعار ومحاولة الاحتكارات القضاء على المنافسة في مختلف البلدان والتحكم بقوانينها. ما من يوم يمر دون ان يكشف عن ممارسات تقوم به الاحتكارات في مكان ما في العالم من اجل القضاء على المنافسة في قطاع اقتصادي معين. ان التفاوت الكبير بين اسعار البضائع والخدمات المماثلة بين البلدان المتقدمة نفسها مثل اسعار خدمات التلفون والادوية والسيارات والاجهزة الكهربائية والميكانيكة والطاقة وغيرها حتى بعد اخذ في الحسبان كل العوامل التي تؤثر على السعر مثل تفاوت الاجور والضرائب وغيرها هي امثلة على قدرة الرأسماليين في التحكم بالاسعار واعادة انتزاع الملكية من الجماهير. في الحقيقية الاسعار ترتفع مع ارتفاع القوة الشرائية والمستوى المعاشي للطبقة العاملة للبلدان المختلفة.
هناك عدد كبير من الطرق التي تقضي بها الاحتكارات على المنافسة. فعندما تجد الاحتكارات الكبيرة منافسة فعلية من الخصوم والتي عادة ماتكون على مستوى منطقة معينة او بلد معين وليس على المستوى العالمي تقوم الاحتكارات بخفض الاسعار وبيع البضائع والخدمات باسعار ادنى من معدل الكلفة من اجل دفع الخصوم الى الافلاس. كما تقوم الاحتكارات في الصناعة المعينة بفرض اسعار او قيود على الموردين للمواد المختلفة لتلك الاحتكارات من جهة وعلى تجار الجملة الذين يقومون بتسويق البضاعة المنتجة من قبل الاحتكار من جهة اخرى. واحيانا تدخل الشركات في شبكات تسويق انتقائية، اي تحرم سلسلة متاجر او باع معين من بضاعة معينة غير قابلة للتعويض مثل ماركة سيارة او جهاز كهربائي او ماركة ملابس او ماركة اثاث وغيرها. وبالمقابل فان بامكان الباعة الاحتكاريين من فرض شروط على المنتجين و التقيد بالشراء من منتج معين ونبذ منتجين اخرين وحرمانهم من منفذ لتصريف بضاعتهم. ان باعة التجزئة مثل السوبر ماركت وصلت الى درجة من التركز بحيث يصبح بائع واحد في امريكا مثل وولمارت المشتري الوحيد للبضاعة ممايمكنه من التحكم بالاسعار والانتاج ومخازن البضائع العامة الخ. يجدر الاشارة بان بروز الاحتكار في صناعة معينة يؤدي الى بروز الاحتكار في الصناعات المرتبطة بها. كما تلتجأ الاحتكارات احيانا الى الربط بين البضائع، فاذا اشتريت سيارة من ماركة معينة يفرض عليك خدمتها عند بائع معين او سلسلة باعة واذا اشتريت طابعة من انتاج شركة معينة فعليك شراء حبر المنتج من قبل نفس الشركة الخ. من جهة اخرى فان سكان الكثير من المدن والمناطق حتى في الدول المتقدمة لها خيار واحد للحصول على الخدمات الاساسية مثل الكهرباء والوقود والتلفون وغيرها ممايعني في الواقع وجود نوع من الاحتكار وغياب تام للمنافسة. كل هذه الوسائل وعشرات الوسائل الاخرى تمكن الاحتكارات بالتالي من فرض اسعار احتكارية.
من جهة اخرى الاحتكار يتضمن في الكثير من الاحيان احتكار التوظيف في صناعة معينة وخاصة في الصناعات التي تتطلب تخصص عالي مثل الطيران والهندسة والكثير من الحقول العلمية. يجدر الاشارة ان الكثير من طياري الطيران المدني في امريكا يحصلون على اقل من 20 الف دولار في السنة الذي هو اجر زهيد جدا. كما ان القضية التي رفعها المهندسون ضد الشركات المختصة في مجال التطوير و الاختراعات الجديدة في التكنلوجيا العالية في السيليكن فالي في مقاطعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة قد كشفت كيف تقوم هذا الشركات والكثير من الشركات الاخرى باحتكار التوظيف. اذ وجد بان الشركات توصلت الى اتفاق بان لاتقوم اي شركة بتوظيف مهندس يترك عمله مع شركة اخرى بحثا عن اجر افضل. ان تركز الرأسمال والاحتكار يعني تقلص عدد مشتري قوة العمل وهذا يعني انخفاض قدرة العامل على التفاوض من اجل اجر اعلى وحرية اقل حيث لا يمكن للعامل ترك العمل والانتقال الى عمل اخر.
رغم الحديث المتواصل في الاعلام عن المنافسة الشرسة في الاقتصاد العالمي الا ان النمط السائد في الكثير من الصناعت في احسن الاحوال هو مايسمى باحتكار القلة اي عندما تسيطر عدة شركات على صناعة او ميدان انتاجي ما، لاتقوم بمنافسة بعضها البعض حسب المفهوم الكلاسيكي للمنافسة اي المنافسة على الاسعار والتي كانت صفة الرأسمالية غير الاحتكارية، بل انها تقوم بالمزاحمة والمجارات او حتى التواطئ الصريح. حيث تقوم هذه الشركات بشكل عام بتجنب " المنافسة على الاسعار" او مايسمونها ب " حرب الاسعار" بكل الاشكال لما تجره هذه المنافسة في اغلب الاحيان من ويلات على كل الشركات المشاركة. طبيعي ان هذا لم يحدث في وقت واحد او كقرار واعي بل بشكل تدريجي من خلال التجربة. ان خفص الاسعار في الصناعات المركزة هي مسالة نادرة حيث تتفق الشركات في الكثير من الاحيان بشكل مباشر او بشكل غير مباشر على تحديد سعر البضاعة واحيانا يحدد السعر من قبل اكبر الشركات في الصناعة المعينة او " الشركة القائدة" وتحترم بقية الشركات هذا السعر والمنافسة بين تلك الشركات تاخذ اشكال اخرى مثل السيطرة الاستراتيجية على مختلف عناصر الانتاج والتوزيع اي مصادر التمويل والاسواق و البحث عن وسائل لخفض كلفة الانتاج واهمها من خلال خفض سعر وحدة عمل من خلال التثوير المستمر لوسائل الانتاج عن طريق استخدام التكنولوجيا و البحث عن مواقع وبلدان ذات تكلفة منخفضة. ويعتبر تفادي دفع الضرائب جزء من المنافسة. ان خفض تكلفة الانتاج تحت الرأسمال الاحتكاري عادة لايؤدي الى انخفاض الاسعار بل الى اتساع هامش الربح. وتقوم الاحتكارات بالمنافسة على ادارة المبيعات والخوض في " حروب دعائية" يدفع ثمنها بالنهاية الزبون ومحاولة اغراء المشتري للاقبال على بضاعة معينة بمختلف الطرق وخلق تمايزات سطحية بين البضائع ومجارات بعضها البعض في ادخال تطويرات جديدة على البضاعة تكون احيانا غير مهمة من الناحية الاستعمالية. وفي حالات معينة تقوم الشركات بشكل مباشر بالتواطئ مع بعضها البعض في تقسيم السوق وفرض الاسعار الاحتكارية. اي ان السائد بين الاحتكارات هو منافسة من اجل قوة احتكارية اكبر في السوق وليس المنافسة على الاسعار.
اي منافسة بين الاحتكارات لاتتضمن المنافسة على خفض الاسعار ليست منافسة من وجهة نظر الطبقة العاملة وليست في صالحها بل في الكثير من الاحيان تؤدي بشكل او باخر الى خفض الاجور ورفع الاسعار و"اعادة انتزاع الملكية من الطبقة العاملة".
مايمكن الاحتكارات من القضاء على المنافسة هو حجمها الذي يكبر بسرعة خيالية. فالمنافسة تشتد بشكل طردي مع زيادة عدد المنتجين وبشكل عسكي مع حجم الرساميل المتنافسة.
مختلف القطاعات الصناعية من الفحم الحجري الى النفط الى الحديد و الالماس ، الاتصالات وخدمات التلفون و المواصلات وتجارة التجزئة من سلسلة محلات السوبر ماركت، صناعة وسائل النقل، الاجهزة الرياضية وحقوق بث مختلف المباريات الرياضية، الطباعة وتوزيع الكتب و المطبوعات، الاعلام المطبوع والمرئي والسمعي، الموسيقى، صناعة الكومبيوتر، البرمجيات، صناعة السينما، المنتجات الزراعية مثل الموز والغذاء المعلب وصناعة الحلويات ،الالات الزراعية، انتاج و تسويق المشروبات الكحولية وخاصة البيرة، المشروبات الغازية ،الاجهزة الطبية والخدمات الطبية، صناعة الطيران والنقل الجوي، صناعة السيارات وصناعة الاطارات و الصناعات العسكرية، البنوك والقروض كلها تشهد وتيرة متسارعة من التركز و انواع مختلفة من الاحتكار في مختلف انحاء العالم.

المسيرة نحو الاندماج والاستحواذ لاتعرف الهوادة في كل الصناعات الاساسية. فمثلا تسيطر عشر شركات عالمية على الصناعة العالمية للسيارات، وتسيطر اربعة شركات على صناعة الموسيقى وعشر شركات على صناعة الادوية، و ثلاث شركات على صناعة المشروبات الغازية، و البوينغ وايرباص تسيطر على سوق الطيران التجاري وتسيطر حوالي عشر شركات على صناعة اشباه الموصلات وثلاث شركات تسيطر على صناعة التلفون الجوال. نفس الشيئ ينطبق على الصناعات الكهربائية و الالات الزراعية والاتصالات والبرمجيات والاطارات الخ.
ان حجم الاندماجات والاستحواذات في 2013 بلغ 2.33 ترليون ، و في 2012 بلغ 2.24 ، في حين انه بلغ في 2007، اي قبل الازمة الاقتصادية العالمية 4.38 ترليون دولار. تعكس هذه الارقام مستويات غير مسبوقة من الاندماجات والاستحواذات على المستوى العالمي. ولكن حتى هذه الارقام لاتعكس القوة الحقيقية المتزايدة للشركات المتعددة الجنسيات اي القوة الاقتصادية المركزة للرأسمال الاحتكاري المعولم. فقوة هذه الشركات في الاسواق وسيطرتها على الاقتصاد العالمي يفوق حجم ممتلكاتها و استثماراتها المباشرة نتيجة مختلف انواع التحالفات الاستراتيجية والشراكات و الاتفاقات التكنلوجية و التواطئ بين تلك الشركات. معظم الاحتكارات تقوم بعقد الاتفاقات العالمية مع مزودي المواد الاولية وممولي التكنلوجيا التصنيعية وممولي قطع الغيار المصنعة وغيرها. وهذه الاتفاقات والشراكات التي تقوم بها شركة معينة تفرض على كل الشركات الاخرى القيام بالمثل. ومايعجل هذه العملية، هي حقيقة ان حتى الشركات العملاقة لاتحس بالامان في قدرتها على المنافسة على مستوى العالم وتشعر بالحاجة الى التوسع من خلال الاندماج والاستحواذ. حتى مايكروسوفت التي هي واحدة من اقوى الشركات في العالم هي في تحالفات استراتيجية متعدددة مع اركسن وبرتش تليكوميونيكيشن وتيلميكس وشركات اخرى.
من جهة اخرى ان القوة الحقيقية للاحتكارات المتعددة الجنسيات تشمل المقاولات او العقود الفرعية "التعاقد مع منتجين ثانويين"، عقود الادارة، صفقات تسليم المفتاح، الامتياز ، منح الرخص ومشاركة في الانتاج التي تمكن تلك الاحتكارات من السيطرة على كل مجالات الاقتصاد العالمي. وبالتالي ان ثروات هائلة تتجمع في ايدي عدة مئات من المليارديرات الذين يقبعون على امبراطوريات عملاقة على شكل شركات متعددة الجنسيات لاتقوم بالتحكم بصناعة واحدة بل تقوم بتشكيل تكتلات تعمل في عدة صناعات وعبر دول مختلفة لها من القوة في السوق بحيث يكون بامكانها التاثير على الاسعار ومقدارالانتاج والاستثمار في الصناعة ومقدار التوظيف وتحديد دخول المنافسيين الى الصناعة حتى وان كانت هناك ارباح عالية.
الاحتكار يقلل خطورة الاستثمار ويزيد الربحية ويتم المحافظة على القوة الاحتكارية من خلال وضع موانع لللدخول بحيث تصبح غاليا وخطرا للمنافس المرجح من ان يدخل بشكل ناجح الى الصناعة المحتكرة.
اما في الدول الفقيرة والخاضعة ،فبالاضافة الى احتكار الانتاج وفرض الاسعار الاحتكارية يستخدم الرأسمال الاحتكاري كقروض وهي وسيلة "لانتزاع الملكية من الطبقة العاملة" وفرض شروط العمل والعيش الامبريالية على الطبقة العاملة.
سواءا كان قرض المال الى الحكومة او القطاع الخاص فان من يتحمل عواقب القروض الاحتكارية في النهاية هي الطبقة العاملة. رغم ان الدائن المرابي يصادر جزء من الربح الا ان المقترض سواءا كان القطاع الخاص او الدولة يضمن معدل من الربح رغم الفائدة التي يدفعها على القرض عن طريق زيادة مقدار فائض الربح وهذا يعني في النهاية استغلال اكبر للطبقة العاملة وفرض ظروف العمل والعيش الامبريالية. وحتى عندما تقترض الدولة من اجل الانفاق العام المباشر ففي النهاية فان تلك القروض يتم دفعها عن طريق خفض المستوى المعاشي للسكان و فرض المزيد من الفقر والبطالة والحرمان على الطبقة العاملة والاغلبية الساحقة من الجماهير الفقيرة اصلا الذي يتم من خلال تشديد الاستغلال او تقليص انفاق الدولة او ايفاء الدين عن طريق بيع المصادر الاولية وبالتالي حرمان الجماهير من مردودات تلك المصادر وخفض مستواها المعاشي الذي يعتبر نوع من "اعادة انتزاع الملكية من الطبقة العاملة" في الدول الفقيرة. الاجراءات التي يمليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الدول المديونة من اجل ضمان دفع ديونها مثل الغاء دعم الاسعار على المواد الاساسية وخفض الانفاق على الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية الاخرى وزيادة الضرائب على الافراد وتخفيضها على ارباح الاحتكارات واصحاب الرساميل بحجة خلق اجواء تشجع الاستثمار وتجذب الاستثمارات هي جزء من "اعادة انتزاع الملكية من الطبقة العاملة".
والقروض الى الدول الخاضعة عادة ما تكون مربوطة بشراءات من الدول المانحة والذي يعني خلق وظائف وسوق صحي في الدول المانحة. في الحقيقة حتى المساعدات الخارجية التي تقدم الى الدول الفقيرة ينتهي بها المطاف بالعودة الى الدول الاصلية من خلال الشروط التي تفرضها الدول المقدمة لتلك المساعدات مما يؤدي الى تجشيع وتحفيز اقتصادياتها.
والاحتكار يمكن في الكثير من الاحيان الدول الغنية على ابقاء اسعار المواد الاولية والخامة منخفضة مع فرض الاسعار الاحتكارية على البضائع المصنعة مما يؤدي الى تراكم مفرط للرأسمال في الدول الامبريالية الغنية وانتقال الثروة اليها. ان الديون نفسها هي وسيلة في خفض اسعار المواد الخامة حيث تجبر الدول الفقيرة على انتاج كميات اكبر من تلك المواد لدفع القروض مما يؤدي الى خفض اسعارها وهذه العملية تعيد انتاج نفسها مرات عديدة.

بالطبع لم تراعي الدول الغنية شروط الاقراض "الصحيحة" حيث قامت بالاقراض لانظمة قمعية وفاسدة. واحيانا لم تستخدم القروض في بناء الصناعة الاساسية اوالكبيرة التي يمكنها انتاج المزيد من الصناعة و منتجات استهلاكية او في المشاريع الاخرى التي تسهم في تحسين اقتصاد و انتاجية البلد بل استخدمت احيانا لاغراض غير انتاجية وفي استيراد البضائع من الدول الغنية نفسها. وفي بعض الاحيان قدمت الدول الغنية قروض لتمويل مشاريع انمائية كارثية وغير معقولة وحتى وهمية في دول مثل المغرب وكينيا والفلبين وتنزانيا وتوغو وزائير وزامبيا والكثير من الدول الخاضعة الاخرى التي لم تخلق اي دخل.

ويجدر الاشارة بان جزء كبير من المال المقرض الى الدول الفقيرة ياتي من الرأسمال الهارب من الدول الفقيرة والمتخلفة وغير المستقرة اي ودائع الطبقة الغنية والشريحة السياسية الحاكمة في تلك الدول وودائع الدول المصدرة للنفط -الاوبيك. ان البنوك الغربية وفروعها في الملاذات الضريبية مثل سويسرا وقبرص وايرلندا وغيرها مليئة برساميل النخبة الاقتصادية والسياسية البرجوازية في الدول التابعة للامبريالية التي تتراكم من خلال انتاج فائض الربح الامبريالي او السرقة والنهب الذي تقوم به الطبقة البرجوازية الحاكمة بشكل او باخر. وفي الحقيقة ان جزء كبير من القروض المقدمة الى الدول الخاضعة للسيطرة الامبريالية ينتهي في حسابات شخصية في بنوك الدول الغنية او فروع لها في الملاذات الضريبية.

اي ان الثروة التي تجنيها البرجوازية الحاكمة في الدول الخاضعة للامبريالية من خلال خلق فائض الربح والتراكم من خلال انتزاع الملكية بمافيه جزء من القروض التي تؤخذ باسم عامة السكان يتم تهريبها وايداعها في بنوك الدول الغنية لتعود الى الدول الفقيرة على شكل قروض. ثلث قروض امريكيا اللاتينية بين 1979 و1983 انتهت في بنوك الدول الغنية.
تختلف الاحصاءات ولكن كحد ادنى 47% من ديون الارجنتين و40% من الاموال المقترضة من قبل المكسيك تسربت الى الدول الغنية عن طريق النخبة الحاكمة . تشير التقارير ان معدل الخسائر في الاموال المقترضة من قبل 18 دولة من اكثر الدول فقرا كان 44%. حسب الخبيرة الاقتصادية سوزان جورج، انتقل مايقارب 418 مليار دولار من الاموال المقترضة من قبل الدول الفقيرة الى الدول الغنية بين 1982 و 1990. وبحلول عام 1998 نصف ديون البلدان الفقيرة اودعت في حسابات شخصية في بنول الدول الغنية او فروع لها في الملاذات الضريبية.
يقول تقرير للبنك الدولي ان ديون الدول الفقيرة في 2010 بلغت اربعة ترليون دولار. هذا المقدار من الدين يكلف تلك الدول اكثر من 1.5 مليار في اليوم في حين ان دين الدول الفقيرة في 2002 كان 2.5 ترليون دولار وفي 1973 كان 100 مليار دولار. ومن مجموع 2.5 ترليون في عام 2002 كانت 500 مليار فقط اموال مقترضة والبقية كانت فوائد مركبة. ويجدر الاشارة بان ربع الدين يصرف على الاسلحة. بحلول 2000 دفعت الدول الفقيرة 13 دولار لكل دولار استلمته كدين.
ان حجم الدين يمكن ان يبتلع جزء كبير من فائض القيمة الذي ينتج في بعض المجتمعات الرأسمالية الفقيرة والمتخلفة. فبعض الدول الافريقية تدفع 25-40% من الموارد الحكومية على خدمة الدين.
قال الرئيس النيجيري السابق، السيد اوبيسانجو بعد قمة الدول الصناعية الثمانية في عام 2000 معلقا على الديون التي واجهت نيجيريا "
كل الذي اقترضناه حتى 1985 او 1986 كان حوال 5 مليار دولار وقد دفعنا 16 مليار دولار ولايزال يقال لنا باننا مطلوبين 28 مليار. هذه ال28 مليار جاءت نتيجة عدم العدالة في معدلالت الفائدة الذي يفرضها الدائنون الاجانب. اذا سالتني ماهو اسوأ شيئ في العالم ، سوف اقول الربح المركب."
يصف بعض النقاد هذا الوضع بان بعض الدول الفقيرة تعمل بالسخرة لدى الدول الغنية. في الحقيقية ان الطبقة العاملة في الدول الفقيرة هي التي تعمل بالسخرة لدى الدول الغنية.
بعكس التصوير السائد بان القروض المقدمة الى الدول الفقيرة تضر بمصالح كل الشعب في الدول الفقيرة، فان الطبقة العاملة والجماهير الفقيرة هي التي تتحمل عواقب تلك القروض. فالبرجوازية الحاكمة تقوم بالاقتراض باسم كل سكان الدولة المعينة في حين تقوم بتحويل جزء كبير من هذه القروض الى املاك شخصية في بنوك الخارج. وهذه هي طريقة اخرى من طرق "انتزاع الملكية من الطبقة العاملة".
ألاستعمار لقد كان الاستعمار ألية مهمة من اليات فرض شروط العمل والعيش الامبريالية على الطبقة العاملة في اجزاء واسعة من العالم في مرحلة معينة من تطور النظام الاقتصادي الرأسمالي. والاستعمار كان ركن اساسي لسيطرة الدول الامبريالية واخضاع الدول الاقل تطورا من الناحية الا قتصادية والسياسية والاجتماعية و الثقافية والتجارية والمالية والتكنلوجية ولكن الامبريالية هي ليست مجرد نوع من الاستعمار او الاستعمار في عصر الرأسمالية الاحتكارية. مثل هذا التصور لايمكنه تفسير ظروف العمل والعيش الامبريالية التي تفرض على قطاعات واسعة من الطبقة العاملة في امريكا مثلا وعلى الملايين من العمالة المهاجرة الى امارات الخليج في معظم الاحيان لصالح الرأسمال المحلي التي يجنى من موارد النفط. وبانتهاء الاستعمار المباشر وغير المباشر لاتنتهي الامبريالية. يجب التذكير بالتعريف الذي صاغه لينين للامبريالية الذي يضمن خمس خواص اساسية للامبريالية التي هي كالاتي:
ـ تمركز الإنتاج والرأسمال تمركزا بلغ في تطوره حدا أدى إلى نشوء الاحتكارات التي تلعب الدور الفاصل في الحياة الاقتصادية.
ـ إندماج الرأسمال البنكي والرأسمال الصناعي ونشوء الطغمة المالية على أساس «الرأسمال المالي» هذا.
ـ تصدير الرأسمال، خلافا لتصدير البضائع، يكتسب أهمية في منتهى الخطورة.
ـ تشكيل اتحادات رأسماليين احتكارية عالمية تقتسم العالم.
ـ انتهى تقاسم الأرض إقليميا فيما بين كبريات الدول الرأسمالية.
ان تقسيم العالم بين كبريات الدول الرأسمالية هي خاصية واحدة مهمة من خمس خواص للامبريالية ولا تشكل باي شكل من الاشكال جوهرها. ولايقتصر عواقب الخواص الاربعة الاولى على تقسيم العالم بين كبريات الدول الرأسمالية.
الاستعمار سبق بروز الامبريالية بقرون وقد ساهم الاستعمار في تشديد التراكم البدائي في الدول الرأسمالية الكبرى وحتى وصول الرأسمالية مرحلة الامبريالية ولكن في عصر الامبريالية برز وضع احتكاري لحفنة من الدول الغنية و اشتدت المنافسة بين تلك الدول للاستيلاء على المستعمرات بحيث تم تقسيم كل الدول الفقيرة فيما بينها.
لقد تم في عصر الامبريالية تقسيم عالمي للعمل. بشكل عام انقسم العالم الى المركز الامبريالي الصناعي والغني السائد و الاطراف الفقيرة التابعة . لقد خضع خلال هذه العملية اقتصاد الدول التابعة بشكل كلي لمتطلبات دول المركز حيث تحولت دول الاطراف الى لواحق وظيفتها تزويد المركز الغني بالغذاء والمواد الخام والايدي العاملة.اي اصبحت المستعمرات مرتبطة اقتصاديا ارتباطا وثيقا بدول المركز.
ورافقت الاستعمار الظواهر التي كتب عنها الكثير مثل تجارة العبيد، النهب الصريح وخاصة للموارد الاولية والمصادر الاخرى او فرض اسعار رخيصة مقابلها ، فرض الضرائب على سكان المستعمرات ، واستخدام اراضي ومرافئ المستعمرات بدون مقابل، واستغلالها من خلال التجارة في عملية تبادل غير متكافئه و تطوير الاقتصاد على اساس انتاج واحد وتطوير الزراعة اعتمادا على نظام المحصول الواحد وابادة شعوب باكملها وتحويل مناطق شاسعة بما فيها مواطن اصلية للانسان والحيوانات البرية الى مزارع لمحصول واحد والتي هي كلها نوع من انواع" اعادة انتزاع الملكية من الطبقة العاملة و عامة الجماهير".
وكان الاستعمار في البداية فرض هذا التقسيم وفرض السيطرة الاقتصادية والسياسية على دول الاطراف وبالتالي فرض ظروف العمل والعيش الامبريالية على الطبقة العاملة فيها.
و ما ميز المرحلة الامبريالية عن الاستعمار التقليدي هو تصدير الرأسمال الى دول الاطراف وقد مكن الاستعمار المركز الامبريالي بالاضافة الى ممارسات الاستعمار المعروفة من حماية الاستثمارات ومن فرض اجور رخيصة على الطبقة العاملة في المستعمرات واستغلالها بشكل وحشي يصل احيانا الى فرض العبودية و العمل بالسخرة وخاصة عمل السخرة بسبب الديون على قطاعات واسعة من الطبقة العاملة بالرغم من ان العبودية انتهت بشكل رسمي في عام 1833 في عموم الامبراطورية البريطانية وفي 1865 في امريكا.
ففي عصر الرأسمالية الاحتكارية تحولت المستعمرات والدول الخاضعة قبل كل شيئ الى حيز لاستثمار الرأسمال رغم انها حافظت على مكانتها كاسواق لصناعات دول المركز وكمصدر للمواد الاولية والغذاء والايدي العاملة. لقد تم تصدير الرأسمال الى الدول الخاضعة لانه من جهة كان هناك فائض الرأسمال في دول المركز، حيث قلت فرص الاستثمار المربحة بشكل كافي نتيجة الفقر النسبي لاغلبية الجماهير وبالتالي قلة الطلب على البضائع والخدمات ومن جهة اخرى تقدم المستعمرات والدول الخاضعة مواد اولية واراضي رخيصة واجور منخفضة . ان استغلال جماهير المستعمرات والدول التابعة كان مصدر من مصادر الارباح الامبريالية. ولكن حتى السبعينيات من القرن العشرين بقت نسبة الارباح التي جناها الرأسماليون في الدول الغنية من استغلال الطبقة العاملة في الاطراف عن طريق الاستثمار في تلك الدول منخفضة نسبيا. ففي عام 1969 مثلا كانت مجموع الأرباح على الاستثمارات الامريكية المباشرة في الخارج، صافي إيرادات الفوائد والإتاوات والرسوم من الشركات الأجنبية التابعة للشركات الامريكية 9.6 مليار دولار أمريكي. وكانت الارباح غير المعدلة مستثنيا صافي ايرادات الفوائد والاتاوات والرسوم 7.955 مليار، وهذه مقسمة على النحو التالي:
-
من البلدان الرأسمالية المتقدمة الاخرى 3.971 مليار او 50%
-
من الدول المتخلفة والمستعمرات 3.747 مليار او 47%
من مصادر اجنبية غير محددة ( على سبيل المثال، النقل البحري) , 237 مليون او 3%
(Survey of Current Business, October 1970, pages 27, 33, 34
باختصار بلغت الارباح على الاستثمار في الخارج حوالي 9 مليار دولار، في حين بلغت الارباح المحلية على الاستثمار في نفس السنة حوالي 40 مليار دولار. علاوة على ذلك، الارباح من الاستثمار في الخارج التي اتت من الدول المتقدمة فاقت الارباح من الدول المتخلفة والمستعمرات.
على سبيل المثال في عام 1969 ثلاث ارباع مصانع جينيرال موتورز كانت في الولايات المتحدة وربع الاخر في الدول الاخرى وبقت العمليات التقنية العليا في الولايات المتحدة والدول المتقدمة ونفس الشيئ ينطبق على صناعة الالكترونيات والصناعات الاخرى. ولكن الامر كان مختلفا بالنسبة للشركات المتخصصة في المواد الخام مثل النفط حيث كانت معظم الاستثمارات في المستعمرات. ان السبب الاساسي لقلة الاستثمارات رغم الاجور المنخفضة كان قلة انتاجية العامل لذا فان الصناعات التي تركزت في المستعمرات كانت تلك التي اتسمت بعمالة كثيفة وانتاجية منخفضة وفي الصناعات التجميعية. من جهة اخرى وجد في عام1964 حوالي 66 مليون عامل في مجال التصنيع في الدول الامبريالية بينما كان هناك 19 مليون عامل فقط في جميع المستعمرات( الكتاب السنوي لاحصاءات العمل ومنظمة العمل الدولية، جنيف، 1964).
لذلك فان معظم ارباح الشركات الاحتكارية جاءت من استغلال الطبقة العاملة في الدول المتقدمة في حين بقى دور المستعمرات كمصدر للمواد الخامة حيث ذهبت شركة روكفلر الى فنزويلا من اجل النفط وشركة ينايتد فروت الى غواتيملا من اجل الموز و فايرستون الى ليبيريا من اجل المطاط وفيليبس دودج الى بيرو من اجل النحاس الخ. كان هناك كميات كافية من المواد الخام في العالم من اجل تلبية احتياجات الجميع ولكن الرساميل الاحتكارية تحتاج الى مصادر مضمونة لان بخلاف ذلك يكون عليها شراءها من المنافسين والاسعار التي يفرضها الخصوم في هذه الحالة سوف تستنزف معظم الارباح. لذا فان ماوقف وراء الموجة المستعرة من الضم الاستعماري في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت حاجة كل احتكار كبير الى ضمان مصدر للمواد الاولية وازاحة الخصوم حيث امكن.
عندما نقول ان نسبة الارباح من الاستثمارات الامريكية في الخارج في عام 1969 (10%) كانت قليلة هي قياسا بارقام اليوم. اذ ان تلك الاستثمارات كانت كافية لتخفيف تاثير قانون معدل الربح الى الانخفاض وتخفيف اثار الازمة.

القمع السافر وفي المرحلة التي تلت حركات التحرر الوطنية في القرن العشرين التجأت الامبريالية الى ادامة الاستغلال الامبريالي للطبقة العاملة عن طريق القمع الدموي من خلال اقامة او دعم انظمة دكتاتورية في الدول الرأسمالية التابعة. ان دعم المركز الامبريالي للانظمة الدكتاتورية في الدول الفقيرة موثق بشكل لااجد ضرورة الى التعمق فيه. القمع السافر يضمن وجود ايدي عاملة رخيصة بامكان الرأسمال استغلالها عندما يجده ضروريا لادامة الارباح. ولاتجد الدول الامبريالية اي صعوبة في التعايش مع اكثر الانظمة رجعية واكثر الممارسات قمعية مادام كانت هذه الانظمة ودية تجاه الرأسمال. وتعتبر انظمة دول الخليج مثالا صارخا على هذه الحقيقة. وقد اصبح توفير ايدي عاملة رخيصة امرا في غاية الاهمية في عصر العولمة التي هي الية اخرى من اليات فرض ظروف العمل والعيش الامبريالية والتي شهدت هجرة كبيرة ومتزايدة للرأسمال الاحتكاري من الدول الغنية الى دول الاطراف. وهنا يجب الاشارة الى الاستنتاج المهم لمنصور حكمت الذي يرى بان من مصلحة كل البرجوازية بما فيها تلك في الدول التابعة فرض ظروف العمل والعيش الامبريالية على الطبقة العاملة وبالتالي توفير ايدي عاملة رخصية للرأسمال المعولم من خلال القمع السافر ولذلك لايوجد برجوازية وطنية تقدمية معادية للامبريالية.

مقالات