فارس محمود

جرم بشع وتأجيج ابشع!


من الواضح ان القيح الطائفي أفقد الكثيرين عقلهم، ضيع اتزانهم ولا يعرفوا أي دوامة يرمون أنفسهم بها قبل غيرهم. فقدت الأمور اي منطق او أي عقل او حكمة. ان ردود الفعل تجاه اعدام "مصطفى ناصر" على يد قوات داعش المجرمة، اثارت الكثير من اللغط والتشهير الطائفي.
لقد جرت حملة واسعة على صفحات التواصل الاجتماعي نشرت فيه صور للحظة جريمة اعدام "مصطفى" وكذلك صور له حيث تطوف به في الشوارع قوات داعش تنكيلاً واذلالاً له، حيث كان يقف أناس هناك، وهو امر طبيعي في أوضاع مثل هذه. ولكن تعالت الصيحات عبر هذه الصفحات:" لماذا يا اهل الفلوجة؟"! "هذا جزائكم لمن اتى دفاعاً عن حرائركم"! "انظروا الى أهالي الفلوجة وهم يهتفون لشنق المقاتل البطل "مصطفى ناصر" من على الجسر"!! تنظر الى الصور ولاتجد أكثر من عشرات (لأتسامح كثيرا وأقول مئات!!) الأشخاص معظمهم متلفحين بسواد داعش! هكذا أصبح هؤلاء العشرات او المئات في أسوأ الأحوال "اهل الفلوجة"! أُختزِل مجتمع مليوني بهؤلاء العشرات؟! هل ثمة انصاف في ذلك؟ هل ثمة حقيقة في ذلك؟!
او يعرضوا افلاماً في الموصل لاصطفاف مئات او الاف حتى على جانبي طريق رتل لداعش، ويهتف البعض لداعش! اختزلوا مجتمع من 4 ملايين نسمة الى هذا النفر الذي قد اتى البعض تأييدا له، ولكن من المؤكد ان بعض اخر خوفاً، واخر فضولاً والبعض بالصدفة او مكان عمله او تواجده اللحظي، ليتحول الامر الى " انظروا الى كيف يستقبل أهالي الموصل داعش"!! انه المنطق ذاته الذي يعتبر العراقيين "محبين لقائدهم، صدام" وذلك لأنهم رأوا أناس تحتشد لرؤيته هنا تو هناك في زياراته وجولاته. انه منطق اعوج وكاذب وذا أغراض ومقاصد ونوايا!
ذهب البعض ليضع صورة "مصطفى" وهو معدوماً مع صورة مرفقة لجيفارا، ونص كلام للأخير لا يعرف أحد صحته من عدمها: "ما يؤلم الانسان ان يموت على يد من يقاتل من اجلهم"!!!! بيد ان "مصطفى" أعدم على ايدي داعش، لا "على يدي من يقاتل من اجلهم"!! هذا اذا ما غضينا الطرف عن مدى صحة عبارة "يقاتل من اجلهم"، فان اصحابنا يلصقون "اعدام مصطفى" بأناس من مثلي ومثلك في الفلوجة، اهل الفلوجة. ان ارتكب داعش جرما بشعاً وقبيحا بحق "مصطفى"، فان هؤلاء السادة يرتكبون جرم اشد قباحة وبشاعة بحق مجتمع بأكمله، بحق أناس لا ذنب لهم في كل ما يجري، أناس يئنون تحت حراب الدم والاقتتال والرعب الطائفي لمليشيات ترفع راية "السنة" و"الشيعة"، أناس عشنا سوية قرن متواصل في بلد واحد دون مشكلة تذكر!!!.
بيد ان هذا لا يتعدى التأجيج والتأليب المناطقي-الطائفي. فمن المؤكد ان القسم الأعظم من "اهل الفلوجة" هو مثل "اهل البصرة" و"اهل الحلة" و"اهل العمارة" و"اهل دهوك والسليمانية" ينشدون حياة امنة، مفعمة بالاستقرار والرفاه وراحة البال. يودون مثلي ومثلك يذهب البالغين لأعمالهم، والأطفال لمدارسهم ويجتمعون في المساء على مائدة الطعام ومشاهدة الفيلم الفلاني ومباراة كرة القدم الفلانية.يناموا لينهضوا باكراً كل الى اعماله!
ان هذا النوع من التناول هو دعاية، ودعاية حرب تجاه قسم من المجتمع. انه تأجيج طائفي، واذا افترضنا حسن النية، فانه لا يؤدي الا الى التأجيج الطائفي، الا الى صب الماء في طاحونة هذا المستنقع الطائفي وادامته اعلاء حرابه التي تجتز رؤوس المواطنين، وقبلها عقلهم وتفكيرهم. على المرء ان يكون حذراً من مثل هذه التعامل والتناول. انه تناول يخدم معسكر الرجعية الطائفية جميعها. يخدم داعش، يخدم الحشد الشعبي، يخدم كل من يتعكز على هذا الشق وهذا الشرخ الكبير الذي ولدوه وخلقوه هم أنفسهم قبل غيرهم، يخدم كل قوى هذا المستنقع بطائفييه وعشائرييه وقومييه، والوحيد المتضرر من كل هذا هو ذلك الانسان العادي في سائر مدن العراق.
ليس للطائفي أي خير لطائفته قبل غيرها. ماذا عمل الطائفيون الشيعة والسنة لمناطقهم "الشيعية" و"السنية" لحد الان؟ كم شارع تبلط، وماهو حال الكهرباء والماء، وماهو حال المستشفيات، واي الاعمال تنظر خريجي الجامعات وحملة الشهادات، لا اتحدث عن المرافق السياحية والترفيهية وغيرها! ولهذا، فانهم لا ربط لهم بما يسموه "طائفتـ"هم.
ان موضوعة الطائفة هي بصريح العبارة ضحك على الذقون، ضحك على ذقون الأغلبية الساحقة المتوهمة والتي تدفع يومياً ثمن اوهامها دون ان تعي. تم غرس هذه الموضوعة وتسقى يوميا من قبل حفنة ميلشياتيه اياديها مغمسة بدماء طائفتها قبل غيرها، مغمسة اياديها بكل ما هو رجعي ومتخلف ومعادي للإنسان. طائفية يدفع ثمنها الأبرياء والمسحوقين والمعدمين!
ان من يقف وراء هذا التأجيج الطائفي مؤسسات ومراكز سياسية وإعلامية عملاقة تنفق المليارات من اجل ادامة اوهامها وتعميقها حتى ولو كان على حساب نحر المجتمع بأكمله. على الجماهير ان تعي هذه المخاطر وتفوت الفرصة على ماكينة جز الرؤوس هذه التي اسمها الطائفية والمؤسسة الطائفية.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015