توما حميد

الامبريالية من وجهة نظر الطبقة العاملة!-الجزء الثاني

التراكم من خلال اعادة انتزاع الملكية من الجماهير ان عملية التراكم من خلال اعادة انتزاع الملكية قد اخذت اشكال مختلفة و مديات هائلة في العقود الاربعة الاخيرة وقد اشرنا الى بعض تلك الاشكال اثناء التطرق الى الاليات الاخرى لفرض شروط العمل والعيش الامبريالية على الطبقة العاملة.
يعتبر البروفسور ديفيد هارفي اكثر من انشغل بمسالة التراكم من خلال انتزاع الملكية واكثر من دفع بهذا المفهوم. ويعتبر التراكم من خلال انتزاع الملكية من قبل الكثير توسيع تحليلي لمفهوم التركم الاولي او البدائي.

ان عملية التراكم الرأسمالية التقليدية تتم من خلال اعادة استثمار جزء من الربح المتحقق في عملية الانتاج بشكل مستمر وهذا يؤدي الى توسع عملية الانتاج والمزيد من الربح.
ولكن نقطة شروع نمط الانتاج الرأسمالي كان من خلال "التراكم الاولي او البدائي" وهو المفهوم الذي دفع به كارل ماركس في المجلد الاول من الرأسمال لشرح اصل الانتاج الرأسمالي. التراكم البدائي هو ما ساعد نمط الانتاج الرأسمالي على ان يقف على قدميه وهو يستند على فصل الانسان العامل عن وسائل الانتاج من خلال العنف. وتعتبر مصادرة الاراضي من الفلاحين ابتداءا من " حركة التسييج" في بريطانيا في القرن الثامن عشر الى قوانين ملكية الارض التي مررت لحل مسالة الارض في دولة بعد اخرى من الدول التي حصلت على استقلالها في القرن العشرين مثالا صارخا على فصل الانسان من وسائل الانتاج التي وفرت المستلزمات الضرورية للتراكم الرأسمالي ومهدت الطريق لانتصار العلاقات البرجوازية ورسوخ نمط الانتاج الرأسمالي . والنتيجة هي تشريد ملايين من القرويين و "تحريرهم" (احرار من وسائل الانتاج واحرار في بيع قوة عملهم) وسوق قوة عملهم المتحررة من الريف الى المدن. هذه العملية حولت قوة العمل ووسائل الانتاج بشكل رئيسي الى سلعة وحولت العلاقات الاقطاعية بين المزارع والمالك الى علاقات برجوازية بين راس المال والعمل الماجور.ان عملية نزع الملكية وبالنتيجة تحويل قوة العمل الى سلعة هي نقطة تحول مهمة لتجاوز المجتمع للعلاقات الاقطاعية نحو الرأسمالية .

يقول ماركس: "إن انتزاع ملكية المنتجين المباشرين يتم بأشد النزعات إلى الهدم والتدمير بعدا عن الشفقة وبدافع من أحط المشاعر وأحقرها و أشدها تفاهة وحقدا. فالملكية الخاصة المكتسبة بعمل المالك" (عمل الفلاح والحرفي) "و القائمة إذا جاز التعبير على اندماج الشغيل الفردي المستقل مع أدوات ووسائل عمله تزيحها الملكية الخاصة الرأسمالية التي ترتكز على استثمار قوة عمل الغير الذي لا يتمتع بغير حرية شكلية أما من يتعلق الأمر الآن بانتزاع ملكيته فلم يعد المقصود العامل الذي يدير استثمارة مستقلة بنفسه بل الرأسمالي الذي يستثمر العديد من العمال. إن انتزاع الملكية هذا يتم بفعل القوانين الملازمة للإنتاج الرأسمالي نفسه عن طريق تمركز الرساميل. إن رأسماليا واحدا يقضي على الكثيرين من أمثاله. وإلى جانب هذا التمركز أي انتزاع بعض الرأسماليين ملكية عدد كبير من أمثالهم يتطور الشكل التعاوني لسير العمل على مقياس يتسع أكثر فأكثر كما يتطور تطبيق العلم على التكنيك تطبيقا فطنا ومتعقلا و استثمار الأرض استثمارا منهجيا وتحويل وسائل العمل إلى وسائل للعمل لا يمكن استعمالها إلا استعمالا مشتركا وتوفير جميع وسائل الإنتاج باستعمالها كوسائل إنتاج لعمل اجتماعي منسق ودخول جميع الشعوب في شبكة السوق العالمية وتتطور إلى جانب كل ذلك الصفة العالمية للنظام الرأسمالي. وبقدر ما يتناقص باستمرار عدد دهاقنة الرأسمال الذين يغتصبون ويحتكرون جميع منافع عملية التحول هذه بقدر ما يشتد ويستشري البؤس والظلم والاستعباد والانحطاط والاستثمار وبقدر ما يزداد أيضا تمرد الطبقة العاملة التي تتثقف وتتحد وتنتظم بفعل آلية عملية الإنتاج الرأسمالي نفسها. وهكذا يصبح احتكار الرأسمال قيد لأسلوب الإنتاج الذي نشا معه وبه. إن تمركز وسائل الإنتاج وجعل العمل الاجتماعي ينتهيان إلى حد أنهما لا يعودان يتطابقان مع إطارهما الرأسمالي فينفجر. إن الساعة الأخيرة للملكية الخاصة الرأسمالية تدق. إن مغتصبي الملكية تنزع منهم ملكيتهم" "رأس المال"، المجلد الأول.


كما يقول لينين في مقال كارل ماركس، سيرة مختصرة وعرض للماركسية: "و يجب التمييز بين تراكم الرأسمال على أساس الرأسمالية والتراكم المسمى بالتراكم "البدائي" الذي يتصف بفصل الشغيل فصلا عنيفا عن وسائل الإنتاج ويطرد الفلاحين من أراضيهم وبسرقة الأراضي المشاعية وبنظام المستعمرات وبالديون العامة وبرسوم الحماية الخ إن "التراكم البدائي" يخلق البروليتاري "الحر" في قطب، وفي قطب آخر القابض على المال، الرأسمالي."

وهكذا يرى ماركس التراكم الاساسي او البدائي نقطة تحول مهمة لتجاوز المجتمع للعلاقات الاقطاعية نحو الرأسمالية.

في حين ان ديفيد هارفي يجادل بان عملية انتزاع وسائل الانتاج من المنتجيين المباشرين هي ليست فقط نقطة البداية بالنسبة للنظام الرأسمالي بل ترافق التراكم الراسمالي طوال تاريخ الرأسمالية. وقد وسع ديفيد هارفي مفهوم التركم البدائي ليشمل عدد هائل من العمليات التي يقوم بها الرأسمال والمسالك التي يسلكها من اجل نزع الملكية من الجماهير. وبدل هارفي التراكم البدائي بمفهوم التراكم من خلال انتزاع الملكية وهي بالنسبة لهارفي اي عملية يتم من خلالها اخضاع قطاعات اقتصادية او عوامل انتاجية لم تكن لحد الان ضمن نطاق المنطق الرأسمالي لتحقيق الربح الى هذا المنطق. وتستلزم هذه العملية انتزاع الملكية من اصحابها السابقين اما يتم تحويلها من " ملكية المجتمع" في التشكلات ماقبل الرأسمالية او من ملكية الدولة "الملكية العامة" في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة الى الملكية الخاصة.


اعتقدت روزا لوكسبورك بان الازمات الاقتصادية الرأسمالية ناتجة عن قلة الاستهلاك وتجعل هذه الازمات من الضروري احتلال اسواق خارجية على شكل مستعمرات مما يعني ضمم تشكيلات اقتصادية لماقبل الراسمالية الى حظيرة التراكم الرأسمالي. ويستتبع هذا الجدال بان الرأسمالية كانت دائما امبريالية. وان وجود اسواق ماقبل الرأسمالية ضرورية في ادامة الرأسمالية.
يتفق هارفي في المبدأ مع هذا الجدال الذي يشير الى ضرورة وجود المصادر " الخارجية" لادامة التركم الرأسمالي ولكن يختلف مع روزا لوكسبورك في ان هذه الضرورة لاتفسر بنقص الاستهلاك بل بفرط التراكم . ان نظرية فرط التراكم ترى ان قلة فرص الاستثمار المربح هي المشكلة الاساسية.
يقول هارفي عانت الرأسمالية العالمية من مشكلة فرط التراكم المزمنة. ان ميل معدل الربح الى الانخفاض يؤدي الى فرط التراكم حيث نشهد فائض الرأسمال والايدي العاملة من دون ان يكون هناك وسيلة لجلبهم معا بشكل مربح لانجاز وظائف مفيدة اجتماعيا. لذا يميل الرأسمال الى طرق اخرى لامتصاص الفائض مثل فتح اسواق او ايجاد تكنلوجيا اومصادر للمواد الاولية اوامكانات اجتماعية وقوة عمل جديدة في مكان اخر.

وهكذا فان القطاعات الاقتصادية او المقاطعات "الخارجية" غير الرأسمالية يجب ان تفتح ليس فقط للتجارة " كما جادلت روزا" ولكن ايضا لتسمح للرأسمال ليستثمر في مشاريع مربحة مستخدمة قوة عمل و مواد اولية و اراضي رخيصة وغيرها.
وهكذا فان هارفي يوسع فهم روزا عن طريق توسيع نطاق " المصادر الخارجية" او " الخارجي" بكونه ليس فقط التشكيلات ماقبل الرأسمالية التي يجب ان تضم الى منطق التراكم الرأسمالي بل ايضا القطاعات غير الرأسمالية او التي لم تخضع لمنطق تحقيق الربح في الاقتصاد الرأسمالي. والرأسمالية بامكانها بشكل فعال صناعة او خلق " الخارجي" من خلال خلق ميادين اقتصادية "زائفة" او من خلال مشاريع مثل مدن او مشاريع بنية تحتية جديدة احيانا غير ضرورية . لذا فان هارفي يقول بان " الرأسمالية بالضرورة ودائما تخلق الاخر الخاص بها".

فحسب هارفي الرأسمالية يمكنها من الخروج من ازمة فرط التراكم من خلال فتح واخضاع قطاعات جديدة من الاقتصاد او اقتصاديات هي غير رأسمالية لحد الان لمنطق تحقيق الربح وهذا يعني في اغلب الاحيان انتزاع الملكية من اصحابها الاصليين. ان التراكم بنزع الحيازة يساعد في حل مشكلة فرط التراكم بواسطة تحرير مجموعة من الأصول بما فيها القوى العاملة بكلفة قليلة جدا، بحيث يسيطر رأس المال المفرط في التراكم على هذه الأصول ويستعملها من اجل خلق الارباح. ويؤدي التراكم من خلال انتزاع الملكية الى تمركز الثروة والقوة في ايدي قلة من خلال انتزاع العامة من القوة و الثروة بما فيها الاراضي.
وتعتبر خصخصة الملكية العامة و الصناعات المؤممة الية مهمة من اليات انتزاع الملكية باعتبارها نقل الممتلكات والسلع العامة المربحة كالمواد الطبيعية مثل الارض والماء والغابات والمشاريع الاقتصادية والمرافق العامة بمافيها الاسكان والنقل من الدولة الى الشركات الاهلية واستخدام قوة الدولة في تنفيذ مثل هذه العمليات احيانا بالضد من ارادة الجماهير او بعد تضليلها.

عملية الخصخصة تتضمن تحرير اصول بكلفة منخفضة جدا وفي حالات معينة بدون كلفة والسيطرة عليها من قبل الرأسمال المتراكم بافراط.
يضيف هارفي، في ظل العولمة النيوليبرالية المعاصرة ومع صعود ايدولوجية " السوق الحر" حيث يتم تعيين ادنى دور للدولة، شنت حملة عالمية لخصخصة البضائع العامة ( مع اختلاف في درجة العملية اعتمادا على توازن القوى بين الطبقات في الدول المختلفة)، ولكن تحول عام في ميزان القوى لصالح الرأسمال وبشكل خاص الرأسمال المالي المعولم هو ميل يمكن ملاحظته في كل انحاء العالم.

في نظر هارفي تعمل الدولة بشكل فعال بناءا على طلب الرأسمال المالي على نزع الحقوق من الناس وتسهيل التراكم من خلال نزع الملكية. اعادة توزيع الملكية عن طريق الدولة يمكن ان تكون من خلال منح عقود لانشاء مشاريع البنية التحتية الكبيرة الى القطاع الخاص يرافقها امتيازات وخدمات تقدمها الدولة. كما ان منح التراخيص للقطاع الخاص من قبل الدولة لمختلف الفعاليات الاقتصادية يمكن ان تكون وسيلة لاعادة توزيع الملكية. والتمويل من الدولة لمشاريع اهلية ومختلف الاعانات الحكومية لقطاعات اقتصادية في مواجهة المنافسة من الدول الاخرى والانقاذ المالي عند الافلاس هي تراكم من خلال انتزاع الملكية. وتستخدم الدولة لاعادة توزيع الثروة عن طريق تغير نظام الضرائب بحيث يخدم الارباح على الاستثمارات بدلا من الاجور والمداخيل. كما ان اسعار الفائدة واسعار صرف العملة ونسبة التضخم التي تتحكم بها الدولة قد تؤدي الى انتزاع الملكية من الطبقات الفقيرة محليا وعالميا.
ويشمل التراكم من خلال انتزاع الملكية حسب هارفي عدد هائل من الفعاليات الاخرى التي تجري في الاقتصاد الرأسمالي مثل اقتناء الاراضي الزراعية من اجل اغراض غير زراعية او سيطرة الاحتكارات على الزراعة وصعود الصناعة الزراعية العالمية التي تحل محل وتزيح المزارعين الصغار من الفلاحين والزراعة العائلية على مستوى العالم، استثمار اموال صناديق التقاعد في سوق الاسهم او شركات خطرة عرضة للانهيار والافلاس، تشجيع الاستثمارفي سوق الأسهم والسندات وسوق الاوراق المالية لجمع الأموال من صغار المستثمرين و عمليات تدمير الاصول وخفض قيمتها عن طريق تسييد الراسمال المالي على القطاعات الاقتصادية المختلفة الذي يقوم بالتسبب في دورات خفض القيمة وبالتالي التراكم بنزع الحيازة، إضافة إلى عمليات الاحتيال الصريحة في الشركات والمشاريع المختلفة التي تستند على جمع الاموال من صغار المستثمرين. كما ان خلق ومعالجة والتلاعب بالازمات مثل ازمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة التي ادت الى فقدان اربعة ملاين عائلة لبيوتها هي وسيلة لاعادة انتزاع الملكية. ويعتبر ديفيد هارفي الاندماجات والاستحواذات نوع من اعادة انتزاع الملكية لانها تؤدي الى تدمير قيمة الاصول للشركات المستحوذ عليها.
ويرى هارفي ان الهجمة على النقابات هي نوع من انتزاع الملكية بمعنى نزع الحقوق والتي بالنهاية تؤدي الى تقهقر وحتى غياب الاستحقاقات " الاجور، ضمان التقاعد، الضمان الاجتماعي والخ) لانها تؤدي الى اطلاق مجموعة من الاصول ( في هذه الحالة قوة العمل) باسعار منخفضة جدا وتوضع تحت تصرف الرأسمال المفرط في التراكم. ويدخل تقليص نفقات الدولة على الخدمات الاجتماعية ضمن هذه العملبة. وحماية حقوق الملكية الفكرية من قبل الاحتكارات ايضا يتعبرها هارفي تراكم من خلال اعادة انتزاع الملكية لانها تحول الأبداع الفكري والثقافي الذي هو في النهاية نتاج المجتمع إلى سلعة مما يعني نزع حيازتها.
من هنا فمن وجهة نظر العامل هناك قلق ليس فقط على ما يحدث في عملية الانتاج اي الاجور وضمانات الوظيفة ولكن ايضا كم هي تكاليف السكن واسعار السلع والخدمات مثل فواتير التلفون ونسبة الفائدة على الرهون العقارية ورسوم بطاقات الائتمان الخ لان كلها هي وسائل تستخدمها البرجوازية في انتزاع الملكية من العمال والطبقات الفقيرة.
حسب هارفي يشمل التراكم من خلال انتزاع الملكية تحويل اقتصاديات " اشتراكية" مثل روسيا والصين في اتجاه رأسمالي، و انتقال الرأسمال الى الدول الفقيرة بحثا عن فائض قيمة مطلقة الذي يرافق "اصلاح" في قانون العمل وتقليص نفوذ النقابات لانه يؤدي الى نزوح الفلاحين والالتحاق بجيش العاطلين العالمي عن طريق نزع اراضيهم.
هذا الموقع هو الاساس النظري الذي يستند عليه ديفيد هارفي للدفع بمفهوم التراكم من خلال نزع الملكية وتفسير العولمة المعاصرة من خلال هذا المفهوم. هارفي يجادل بان التراكم من خلال نزع الملكية هو اليوم النمط السائد للتراكم وبان هذه الظاهرة هي السمة المميزة لمايسمى ب"الامبريالية الجديدة". يقول ان العولمة النيوليبرالية هي مظهر هذا التراكم الذي هو رد على ازمة فرط التراكم التي بدأت تظهر في النظام الرأسمالي في اواخر الستينيات والتي تفاقمت في السبيعينيات من القرن العشرين و التي مهدت الطريق امام صعود السياسات الاقتصادية النيوليبرالية لكي تتبع من قبل ( وتفرض على) دولة وطنية بعد اخرى. ان مسالة عدم قدرة الدولة الوطنية على رسم مسار اقتصادي بديل وكونها خاضعة للرأسمال المالي هي مرتبطة بتغيرات في العلاقة المتبادلة بين القوى الطبقية في اخر اربعة عقود.

هارفي يعطي مفهوم التراكم من خلال انتزاع الملكية في الكثير من الاحيان بعد غير طبقي (لااجد مجالا هنا للتطرق الى هذه المسالة)، ويحمله اكثر من ان يتحمل بحيث يضع الكثير من العمليات والعوامل التي يمكن تفسيرها من خلال عملية التراكم الرأسمالية التقليدية تحت هذا المفهوم. كما ان هارفي يقع في تناقض حيث يعتبر عملية التراكم من خلال انتزاع الملكية امتداد للتراكم البدائي الضروري للانتقال من العلاقات الانتاجية ماقبل الرأسمالية الى العلاقات الانتاجية الرأسمالية في حين ان الامثلة التي يوردها هي ليست قطاعات اقتصادية غير راسمالية بل هي جزء من الاقتصاد الرأسمالي وتتحكم بها قوانين حركة وتراكم الرأسمال. فالعمليات التي يتحدث عنها ديفيد هارفي باعتبارها تراكم من خلال انتزاع الملكية لاتتضمن بالضرورة اخضاع قطاعات اقتصادية غير راسمالية لحد الان الى منطق تحقيق الربح الرأسمالي لانها هي جزء من هذا المنطق اصلا.
ان الاندماجات والاستحواذات التي هي دلالة تمركز الراسمال هي نتاج عملية اعادة الانتاج الرأسمالية التقليدية. ان استيلاء شركات في الاقتصاديات الصاعدة كالصين والهند والبرازيل وغيرها على شركات غربية مثل استيلاء شركة تاتا على جاكوار لايمكن اعتباره اعادة انتزاع الثروة باي شكل من الاشكال. كما ان الهجمة على حقوق الطبقة العاملة وسوء ظروف الطبقة العاملة ( من خلال انخفاض الاجور او سحب الضمان الاجتماعي) هي اوجه طبيعية جدا او نتاج ثانوي لعملية اعادة الانتاج .

الخصخصة بشكل خاص عادة ماتكون حسب قوانين اعادة الانتاج وتناقضاتها والقطاعات الاقتصادية التى تدار من قبل الدولة ليست قطاعات اقتصادية غير رأسمالية بل انها خاضعة لمنطق تحقيق الربح الرأسمالي لان ماتصرفه الدولة على مشاريع البنى التحتية مثل الطرق والجسور وسكك الحديد وغيرها مثلا يخدم الرأسماليين في خلق القيمة الفائضة والربح. في بعض الاحيان تقوم البرجوازية بحل الازمة الاقتصادية من خلال تاميم قطاعات اقتصادية مثل تاميم البنوك في اوربا بعد الحرب العالمية الثانية . ولكن هذه لايعني اعادة الملكية الى الطبقة العاملة. كما ان اعتبار ازاحة المزارعين من الفلاحين من قبل الصناعة الزراعية و الشركات الزراعية الاحتكارية امتداد للتراكم الاولي عندها فان الافتراض يكون بان زراعة الفلاحين او الزراعة العائلية لم تكن في نطاق الراسمالية لحد الان وهو افتراض غير صحيح.
معظم المسائل التي يعتبرها ديفيد هارفي تراكم من خلال اعادة انتزاع الملكية وبالتالي امتداد للتراكم الاولي يمكن تفسيرها من خلال الاحتكار. فالرأسمال الاحتكاري المستثمر في الزراعة مثلا بامكانه ازاحة صغار الفلاحين عن طريق دفعهم الى الافلاس حيث لايمكنهم مجاراة الرأسمال الكبير الذي بامكانه خفص كلفة الانتاج او احتكار منفذ التسويق و فرض الاسعار الاحتكارية على البضائع والخدمات الخ.

رغم هذا الا ان مسالة التراكم من خلال انتزاع الملكية هي مسالة واقعية ومفهوم مهم في وصف عمليات انتزاع الملكية من الجماهير اما من خلال العنف كالذي يقوم به الحكام وحاشيتهم في الدول المتخلفة اومن خلال فرض الاسعار الاحتكارية او عمليات الاحتيال والسرقة المنظمة او انتزاع الاراضي بالقوة او من خلال اجبار اصحابها على تركها بمختلف الوسائل مثل عدم القدرة على منافسة المزارعين الاحتكاريين . فبالاضافة الى الاستحواذ على نسبة كبيرة من اراضي الدول التابعة في عصر الاستعمار هناك مؤخرا ميل حاد اللاستحواذ على الأراضي من قبل شركات متعددة الجنسية أو صناديق سيادية ، أو شركات تابعة للدولة. ان الاستيلاء على الممتلكات العامة بطريقة اواخرى هي نوع من انتزاع الملكية. فمثلا ان تركيا بما فيها مدينة اسطنبول هي عرضة للزلازل. ففي حال حدوث زلازل والارتجاجات التي تليها ليس امام سكان مركز مدينة اسطنبول غير الابتعاد عن البنايات واللجوء الى الحدائق العامة القليلة جدا في هذه المدينة. فعندما يقوم الرأسمال بالاستيلاء على حديقة القزي القريبة من شارع تقسيم وتحويلها الى مركز للتسوق يتم حرمان الجماهير من ملكية عامة مهمة جدا. ومثل هذه الامثلة موجودة في كل مكان.

مع تباطئ نمو الاقتصاد وفرط التراكم منذ السبعينيات من القرن العشرين التجأ الرأسمال المالي بشكل خاص الى المضاربات في البنى الفوقية المالية للاقتصاد التي استندت على الدين وهي تؤدي الى خلق فقاعات اقتصادية تكون نتيجة انفجارها انتزاع الملكية من الطبقات الفقيرة. الدين هو عامل لايمكن الاستغناء عنه في مجرى حركة وتراكم الرأسمال الا ان الدين بنسب فوائد احتكارية على شكل قروض الى الافراد مثل بطاقات الائتمان او قروض الى الدول الفقيرة هي وسيلة بارعة لانتزاع الملكية من الطبقة العاملة.
ما يهمني في سياق بحث الامبريالية هو اعادة انتزاع الملكية من الطبقة العاملة وليس الشرائح الاخرى. ولكن هناك اشكالية في استخدام مفهوم "انتزاع الملكية من الطبقة العاملة"، باعتبار ان الطبقة العاملة هي طبقة معدومة الملكية. ان مفهوم "اعادة انتزاع الملكية من الطبقة العاملة" هو مفهوم يخص الطبقة العاملة في الدول المتقدمة وليس في الدول التابعة. في الدول التي تكون الطبقة العاملة محرومة من الحد الادنى من مستلزمات الحياة مثل بنكلاديش مثلا ليس للعامل اي ملكية، لكي يكون بامكان الرأسمال الاحتكاري اعادة انتزاعها.
كما يقول منصور حكمت، ان قيمة قوة العمل تعادل قيمة وسائل المعيشة التي يحتاجها العامل لاعادة انتاج قوة عمله التي صرفها خلال يوم العمل والتي يحتاجها لليوم التالي. ان قانون حركة الراسمال هو قانون يحدد مستوى معيشة العامل في ادنى مستوى ممكن الا ان "هذا المستوى الادنى الممكن" ليس بالضرورة الحد الادنى الطبيعي ( اي الذي يبقي على العامل حيا فقط)، بل " الحد الاقل" الذي تمكن الرأسمال ، بالارتباط بعوامل معينة مثل درجة التنافس بين العمال ومستوى وعي و تنظيم الطبقة العاملة وقدرتها في الدفاع عن مستوى حياتها، من فرضه وتامينه بوصفه "المستوى السائد" لحياة الطبقة العاملة.
ان المستوى المعيشي الادنى الممكن للعامل في المركز الامبريالي يتضمن اجر يمكنه مثلا من اخذ عطلة ترفيهية خارج البلد او شراء سيارة بمواصفات معينة او حتى امتلاك بيت او جزء من سعر البيت الخ. كما قلنا ان متوسط الثروة العائلية في امريكا في 2007 كان 87000 دولار وانخفض الى 56000 دولار نتيجة الازمة. ان العوائل التي تمتلك مثل هذه الثروة في امريكا هي عوائل عمالية. ومتوسط الثروة العائلية في بعض البلدان هو اعلى من امريكا. يجب ان لاننسى بان هذا المبلغ لايتعدى جزء من سعر المسكن في هذه الدول وامتلاك البيت هو جزء من مستلزمات المعيشة للطبقة العاملة في هذه الدول. سوف اتطرق لاحقا عن الظروف التاريخية التي تمكنت فيها الطبقة العاملة في المركز من فرض مستوى معين من المعيشة نتيجة عقود من النضال وفي ظل وجود خطر قيام الثورة الاشتراكية وفي وضع كان بامكان البرجوازية الاستجابة لبعض مطاليب الطبقة العاملة واقامة دولة الرفاه.
باختصار يشمل مفهوم اعادة انتزاع الملكية من الطبقة العاملة اضافة الى انتزاع جزء من الاجر الذي ياخذه العامل الى البيت من خلال الاسعار الاحتكارية، انتزاع مستلزمات المعيشة التي اقرت للطبقة العاملة مثل السيارة او البيت ومصادرة مكاسبها الاخرى وسلب الملكية "العامة".




العولمة برز النظام الرأسمالي و اصبح النظام السائد في البداية في انكلترا وبعدها انتشر الى اوربا وانتشر الى المستعمرات الناطقة بالانكليزية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وانتشر في القرن العشرين الى كل انحاء العالم. ولهذا السبب برزت بريطانيا كقوة عظمى قبل غيرها من الدول.
كما اشرت من قبل، عندما انتشرت الرأسمالية انقسم العالم الى المركز الغني المتمثل باوربا وامريكا واليابان الذي تركزت فيه الانتاج والصناعة والاطراف الفقيرة والمتاخرة التي تشمل بقية العالم التي افتقرت الى الرأسمال والصناعة ووظيفتها بشكل عام تقديم المواد الاولية و الغذاء والايدي العاملة المهاجرة للمركز الغني. و تم تقسيم العمل على مستوى العالم حيث عينت وظائف محددة للدول و المناطق المختلفة ضمن الاقتصاد الراسمالي العالمي خدمة لمصالح الرأسمال الاحتكاري مثل انتاج النفط او الحديد او الذهب او القهوة او الشاي او القطن او الموز الخ اعتمادا على الموارد الطبيعية والمناخية والسكانية للبلد. فالبرازيل اختصت بانتاج القهوة وغواتيمالا بالفواكه وغانا بالكاكاو والهند ومن ثم مصر بالقطن ودول جنوب اسيا بالرز ودول الخليج بالنفط الخ.
لقد تم فرض هذا التفسيم في البداية من خلال الاستعمار ولكنه اصبح من الرسوخ بحيث استمر لعقود بعد انتهاء الاستعمار وتحرر دول الاطراف وبقت دول الاطراف بشكل عام تؤدي الوظيفة الموكلة لها اي انتاج ما يطلبه ويشتريه المركز. لذا فان دول الاطراف بقت تابعة اقتصاديا رغم الاستقلال السياسي في الكثير من الاحيان.
ان تركز الصناعة و الانتاج الصناعي في المركز يعني ان الملايين من الفلاحين انتقلوا من الريف الى المدن ليعملوا كعمال لصالح من كان له بعض الرأسمال او حرفة معينة ومن هنا انبثقت الرأسمالية وعلاقاتها الانتاجية. ان عملية فصل الملايين من الفلاحين عن الاراضي وانتقالهم من الريف الى المدن في المركز الرأسمالي رافقتها مأسي والام هائلة موثقة من قبل الكثير من كتاب التاريخ والروائيين الذي عاصرو تلك المرحلة.
وتدريجبا بدأ الوعي الطبقي ينمو بين العمال ودفعهم هذا الوعي للمطالبة بحصة من الثروة التي قاموا بانتاجها وبحقوق مثل الوظائف والاكل والملبس والمسكن والصحة والتعليم الخ. لقد تعلم العمال بان عليهم تنظيم انفسهم من اجل تحقيق حصة في ثروة المجتمع ومستوى معين من المعيشة فبرزت النقابات والاحزاب الاشتراكية والشيوعية.
لقد وصل الصراع الطبقي الى حد بحيث ثارت الطبقة العاملة في عموم اوربا في اواسط القرن الثامن عشر وفي عام 1870 قام العمال باسقاط الحكومة البرجوازية واقامة كومونة باريس. رغم ان كومونة باريس دامت عدة اشهر فقط الا ان هذه التجربة كانت كافية لان تثبت للعمال بان بامكانهم ادارة المجتمع وتحسس البرجوازية بخطر الطبقة العاملة. وجاء استيلاء العمال على السلطة في روسيا ليرعب البرجوازية. لذا كانت البرجوازية في المركز على استعداد لتقديم تنازلات للطبقة العاملة وان تلبي جزء من مطاليبها وان تقيم دولة الرفاه بشرط ان تركن الثورة الاشتراكية جانبا. كان الرأسمال في المركز بدرجة من الربحية و الانتاجية بحيث كانت الدولة قادرة على تقديم مختلف الخدمات للسكان باعتبارها حصة الطبقة العاملة من الثروة المنتجة و اصبح التعليم والرعاية الصحية و ضمان البطالة وغيرها حقوق مدعومة من قبل القانون. واستمر المستوى المعاشي للطبقة العاملة بالتحسن واجورها بالارتفاع باستمرار. ففي امريكا مثلا ارتفعت الاجور الحقيقية منذ بروز الراسمالية لحد السبعينيات من القرن العشرين اي لمدة 150 سنة دون انقطاع. في حين ان غالبية البشرية التي قطنت الاطراف بشكل عام بقت محرومة من الحقوق واجورها قليلة جدا وبقت الصناعة شحيحة والقدرة الانتاجية ضعيفة. وقد تحدث لينين قبل اكثر من قرن عن قيام البرجوازية برشوة فئات واسعة من الطبقة العاملة.
باختصار العالم في ظل الامبريالية انقسم الى المركز حيث الاجور عالية واطراف فيها الاجور زهيدة. في السبعينيات من القرن العشرين وجد الرأسماليون بان بامكانهم تحقيق ارباح خيالية عن طريق نقل الانتاج الى دول الاطراف حيث بامكانهم دفع جزء بسيط من الاجور التي كانوا يدفعونها في المركز. ما مكن الرأسمال من نقل الانتاج الى دول الاطراف هوالتطور في المواصلات مثل الطيران والنقل البحري حيث اصبح بالامكان الانتقال من قارة الى قارة اخرى في غضون ساعات و الثورة في مجال الاتصلات حيث جعلت عملية الاشراف على الانتاج في ابعد بقعة من العالم سهلة كما لو كان الانتاج يتم في نفس البلد. وما شجع الرأسماليين على نقل الانتاج من المناطق التي فيها الاجور عالية الى تلك التي فيها الاجور منخفضة هي زوال خطر الثورة وخطر الشيوعية.
لقد وجد الرأسماليون فرصة تاريخية لزيادة ارباحهم ومواجهة ميل معدل الربح نحو الانخفاض. ان مزج التقنية والتكنلوجيا العالية التي تراكمت في الغرب مع الاجور المنخفضة في دول الاطراف التي فرضت في البداية من خلال الاستعمار ومن ثمة من خلال القمع كان بمثابة كنز بالنسبة للرأسماليين في الغرب واغراء يصعب مقاومته . فالاجور في بنكلادش مثلا هي 38 دولار في الشهر. كما ان معدل الاجر في فيتنام واندونيسيا لايتعدى 100 دولار في الشهر وهي ليست بافضل كثيرا في الصين وغيرها من دول الاطراف. وهذه الاجور لاتتعدى جزء من الاجر الاسبوعي في دول المركز. لذا نجد ان معظم البضائع في الدول الغربية منتجة في دول مثل الصين والبرازيل وفيتنام وتايلند وتايوان واندونيسيا. لقد بدأ الرأسمال بالهجرة الى الاطراف برغبته او مجبرا بدافع المنافسة مع الخصوم واشتدت وتائرها في السنوات الاخيرة.
فإجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر للشركات المتعددة الجنسيات بلغ 1.3 تريليون دولار في عام 2014 و 1.45 تريليون في عام 2013. في حين بلغ 1.9 تريليون دولار في عام2007 اي قبل الازمة الاقتصادية. حصلت البلدان النامية على ما قيمته 700 مليار دولار من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر أي 56% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في 2014.
من جهة اخرى ان نسبة الممتلكات والمبيعات والتوظيف التي استاثرت به فروع اغنى 100 شركة احتكارية غير بنكية بلغ في 2008 60% من نسبة الممتلكات والمبيعات والتوظيف الاجمالية . في حين ان لحد 1990 استاثرت الفروع الاجنبية " خارج البلد الام" لاغنى 100 شركة احتكارية اممية غير بنكية بثلث اجمالي الممتلكات واقل من نصف المبيعات والتوظيف لهذه الشركات مع بقاء الانتاج بشكل رئيسي في المقار الرئسية للشركات في البلدان الاصلية .
كما قلنا في مكان اخر حتى هذه الارقام لاتعكس حجم الانتاج التي تقوم به الاحتكارات العالمية في دول الاطراف لانها تقوم بالاعتماد على العقود الفرعية ( التعاقد مع منتجين ثانوين محليين) في جزء كبير من انتاجهم. حيث تبلغ العقود الفرعية للاحتكارات العالمية مئات الالاف. وهكذا تعتمد الاحتكارات العالمية وفروعها في كثير من الاحيان على المصانع التي تدار من قبل المقاولين الفرعيين التي تستغل العمال بشكل وحشي للحصول على تكاليف وحدة عمل اوطأ. ان استعمال المقاولين الفرعيين يزيل الحاجة الى تدخال الاحتكارات بشكل مباشر في الانتاج في وقت يكون بامكانهم الاستفادة من اقصى اشكال الاكراه في مواقع العمل بدون ان تتحمل المسؤولية لهذا الشكل من القمع و الاستغلال السافر.
مثال معروف جدا هي شركة نايكي التي تنقل انتاجها الى مقاولين فرعيين في اسيا ، في دول مثل كوريا الجنوبية والصين واندونيسيا وتايلند وفيتنام . ففي 1996 احتوى حذاء نايكي واحد على 52 جزء كانت تنتج من قبل مقاولين في خمس دول. وانتجت نايكي 70 مليون زوج حذاء في اندونيسا في هذه السنة بقيمة 149 دولار للزوج الواحد في وقت كان يدفع للعمال من الاطفال الاناث 15 سنتا في الساعة ليوم عمل من 11 ساعة.

نتيجة لانتقال الرأسمال الى الدول التي فيها الاجور قليلة نجد هناك استثمار ونمو اقتصادي في الصين والاقتصاديات الصاعدة الاخرى وكل مايرافقه من وظائف وتطور الحياة الاجتماعية والتعليم والثقافة بينما هناك ركود اقتصادي في الدول الغربية مع كل مايرافقه من بطالة وقلة مرودات الدولة و تقهقر في الحياة الاجتماعية والثقافية. ان مدن امريكية مثل ديترويت هي مثال صارخ على الدمار التي يتركه الرأسمال ورائه عندما يغادر المكان الذي تواجد فيه لعقود.
في خضم موجة هجرة الرأسمال، يقول الرأسماليون للحكومات في المركز لكي نبقى في البلد ونحافط على الوظائف وندفع لكم بعض الضرائب عليكم المنافسة مع الدول الخاضعة للسيطرة الامبريالية في خفض الاجور والضرائب. والقادة السياسيون الذين يعرفون مخاطر ترك الرأسمال للبلد وما يتركه من اثار كارثية من فقدان الوظائف وانخفاض دخل الدولة في معظم الاحيان يستجيبون لمطاليب الرأسمال. لذا نجد بان هناك سباق نحو القاع بين الدول باتجاة خفض الضرائب وتقديم التنازلات للاحتكارات. كما ان مغادرة الرأسمال للمركز جعل خفض الاجور ومصادرة مكتسبات الطبقة العاملة اي فرض شروط العمل والعيش الامبريالية على هذه الطبقة في المركز امرا ممكنا وامرا لامفر منه من وجهة نظر البرجوازية الحاكمة.
ان خفض الاجور والهجمة على مكتسبات الطبقة العاملة هو اجراء لايحظى بشعبية. لقد اخذ رونالد ريكان وماركريت تاتشر زمام المبادرة لاداء هذه الوظيفة والهجوم على حقوق العمال لسبب بسيط وهو ان الطبقة العاملة في بريطانيا وامريكا في الثمانينيات من القرن العشرين كانت ضعيفة، مشرذمة وغير راديكالية مقارنة بالدول الغربية الاخرى كما ان تلك الحكومات كانت قوية. لذا شنت حملة لنسف دولة الرفاه وخفض الاجور وتقليص نفقات الدولة. فبدأت هذه الحملة باضعاف النقابات بعد تحميلها مسؤولية الازمة الاقتصادية. بالطبع هذه العملية رافقتها حملة ايديولوجية هائلة لتحميق الجماهير وصرف الانظار عن الاسباب الحقيقية من ورائها من خلال ادعاءات مثل "ارجاع السلطة الى الطبقة العاملة بدلا من الحكومة".
ارادوا اقناع الرأسمال بان بامكان بلدانهم منافسة الدول الفقيرة على خفض نفقات الانتاج عن طريق مصادرة مكاسب اجيال من العمال وبالتالي اقناعه بعدم المغادرة. كان على بقية اوربا الالتحاق بامريكا و بريطانيا في الهجوم على الطبقة العاملة وخفض الضرائب لان بخلاف ذلك فان الرأسمال كان سيغادر ليس الى الصين والهند واندونيسيا والبرازيل ودول اوربا الشرقية وغيرها من الدول الفقيرة فحسب بل الى بريطانيا وامريكا ايضا. ولكن امام المركز شوط طويل في مجال خفض الاجور وسحق الحقوق لكي يتمكن من المنافسة مع دول مثل الصين وفيتنام والهند والبرازيل لذا فهجرة الرأسمال مستمرة.
ان تصدير الرأسمال بدلا من استثماره داخل البلاد يعني انخفاض الطلب على القوة العاملة وهذا يعني بطالة اعلى و يضع العمال في موقف تفاوضي اسوأ في النضال من اجل اجور وظروف عمل افضل لذا نجد ان الاجور الحقيقية في امريكا مثلا بقت على حالها في اخر اربعة عقود رغم ان القوة الانتاجية تزداد بمعدل 1-2% في السنة.
من جهة اخرى انتقال الصناعات الى الدول الفقيرة ودول البريكس ادى الى قلة دخل الدولة من الضرائب. وعند فشل الحكومات بتقليص نفقات الدولة بسرعة بسبب مقاومة الطبقة العاملة التجأت هذه المجتمعات سواءا على مستوى الحكومات او على مستوى الافراد الى الاقتراض. ففي دولة مثل اليونان، عندما اختفت وظائف القطاع الخاص قامت الدولة بتوفير الوظائف كعلاج موقت للازمة. وقام الافراد في دول مثل امريكا واسبانيا بالاقتراض وعندما وصلوا الى حد لم يكن بامكانهم الايفاء بالتزامات القروض حلت الازمة. وقد اضافت حزم الانقاذ المالي الى ديون الدول. لذا فان التقشف وخفض نفقات الدولة هو عنوان السياسية الرسمية في المركز. بالنتيجة انتقال الانتاج الى دول الاطراف ساعد الرأسمال من فرض ظروف العمل والعيش الامبريالية على قطاعات كبيرة من العمال في المركز. لذا فبعد اكثر من 200 سنة من تطور القوى الانتاجية تعلن البرجوازية بان زمن دولة الرفاه والضمان الاجتماعي وزمن الارتفاع المستمر في الاجور والمستوى المعاشي قد ولى دون رجعة.
لمدة 200 سنة من عمر الرأسمالية كانت اوربا وامريكا الشمالية واليابان مركز الصناعة والنمو بينما تحولت الصين ودول اخرى الان الى المركز الصناعي للعالم. الكثير من الوظائف الجيدة قد تركت الدول المركز وحتى الوظائف التي تبقى والتي لايمكنها المغادرة كالوظائف الخدمية قد تدهورت اجورها والضمانات التي تاتي معها. فمنذ الازمة الاقتصادية الاخيرة تم فقدان ملايين الوظائف و الوظائف الجديدة التي خلقت في السنوات الاخيرة هي باجور وضمانات اقل. لذا فان تاريخ الرأسمالية في المركز في اخر اربعين سنة هو تاريخ مليئ بالتقهقر.
المركز الرأسمالي هو في مفترق طرق فمن جهة ديون الدولة تتراكم نتيجة قلة مردود الضرائب، والبطالة تبقى عالية ونوعية الوظائف تتردى واصبحت قدرة الطبقة العاملة على تحمل سياسية التقشف محدودة. لذا بدأ اقصى اليمين واقصى اليسار بالصعود في هذه الدول واصبحت الاحزاب التقليدية الحاكمة شبه عاجزة عن ادارة شؤون البلاد.
ان انتقال الرأسمال الى دول الاطراف لايعني ان الاجور في تلك البلدان سوف ترتفع وتتعادل مع الاجور في المركز. العمال يتنافسون على الوظائف على المستوى العالمي لذا فان الاجور حتى في الدول المستقبلة للرأسمال لاترتفع وظروف العمل لاتتحسن بالشكل المتوقع وهذا يزيد هامش الربح الذي يحققه الرأسمال. ان الجيش الاحتياطي من العمال العاطلين عن العمل وتهديد الوظيفة غير المضمونة على مستوى العالم يجبر الطبقة العاملة على القبول باجور اقل وظروف عمل اسوأ وان تكون اقل تمردا. وهكذا فظروف العيش والعمل الامبريالية تبقى نصيب الاغلبية الساحقة من الطبقة العاملة في الاطراف المستقبلة للرأسمال وتصبح نصيب قطاعات اكبر فاكبر من الطبقة العاملة في المركز الامبريالي.

 

 

 

مقالات