نادية محمود

بمناسبة مرور عام على احتلال داعش: لنصعد النضال ضد كلا طرفي الصراع

تمر هذه الايام سنة على قيام داعش باحتلال مدن شمال وغرب العراق، ورغم مرور عام كامل الا ان قوات الحكومة العراقية والميشليات الشيعية بمختلف فصائلها والحشد الشعبي الذي دعت له المؤسسة الدينية، وايضا رغم مايتداول عن اسناد قوى الغرب للعراق وتدخل ايران ودعمها للحكومة والميلشيات الشيعية، الا ان داعش لازال قادرا على الاستمرار في احتلاله وتمركزه في مدن الموصل والرمادي وغيرها.
أنخرط الكثير من الشباب مع الميلشيات الشيعية على امل التحرر والخلاص من داعش. مئات الضحايا تساقطوا ولازالوا. في هذه الاجواء تعمقت الطائفية بشكل لم يشهده المجتمع في العراق وصار الاستقطاب الطائفي والصراع الطائفي على اشده. الامر الذي يهدد بمزيد من الضحايا والكوارث الاجتماعية، ليس فقط اولئك الذي يشتركون مباشرة في القتال، بل اولئك البعيدين عنه، لكن جل ذنبهم انهم من طائفة اخرى. اصبح السعي الى الخروج من العراق حلا وحيدا للكثيرين من اجل ايجاد الامن والامان.
في الاونة الاخيرة، وللخلاص من داعش، ارتفعت اصواتا تطالب الحكومة في العراق بالوقوف ضد داعش، مطالبة وداعية الى المصالحة الوطنية والوحدة الوطنية لمقاومة وللخلاص من داعش.
الخلاص من داعش هو حلم لكل انسان في العراق وخارجه. الا ان القوى التي يتوجه لها اصحاب النداء لتحقيق "المصالحة"، انما هم شريك حي وفاعل في خلق هذه الازمة، انهم هم من لديهم المصلحة في تقوية الطائفية، لانها الغطاء الايديولوجي لهم لوجودهم في السلطة. ان "تمثيلهم" للـ"شيعة" هو ما يشكل جوهر ومحتوى هويتهم. لا يمكن لتلك الاطراف ان تكون شريكا في مصالحة غير طائفية. لا يمكن لها ان تكون "وطنية" او "عابرة للطوائف". ان "الوطنية" ستفقدها وتكلفها الكثير من المنافع. هذه القوى لديها مصلحة مباشرة بهويتها الطائفية. السلطة، والقوة والثروات و"الشرعية".
لذلك، لن يكون بوسع الميلشيات الشيعية اخراج داعش. داعش ليست ممثلة او مدافعة عن السنة في العراق، داعش جمع ارهابي اسلامي سني تلتقي اهدافه واهداف الحكومات التركية والسعودية والقطرية في المنطقة، داعش تمثل الاداة الضاربة لامريكا في العراق لضبط التوازن في المنطقة وللتضييق على الوجود الايراني في العراق. داعش تؤدي الدور الذي ادته طالبان في افغانستان لصالح امريكا في وجه السوفييت في اواخر الثمانينات من القرن الماضي. داعش تؤدي لامريكا ذات الدور الان لكن تجاه ايران في عام 2014 في العراق. انها العصا الضاربة لامريكا ولدول المنطقة. اخراج داعش لن يعني لتلك الحكومات، يعني نصرا لايران بوجه الائتلاف السعودي - التركي القطري ومن خلفه امريكا. لذلك لن يتخلوا عن هذه الاداة لضبط هذا التوازن.
لا الانخراط في الحرب الطائفية سيؤدي الى نصرة "شيعة علي" على داعش، ولا وجود لامكانية قيام الحكومة العراقية واحزابها وميلشياتها الشيعية بالقفز فوق حاجز الطائفية وعبوره الى حيز "الوطنية".
الا ان امر المصالحة بين الاحزاب الشيعية وداعش امر ممكن. هذا ما اتوقعه. حين تنهك الحرب كلا الاطراف، حين يتعب الجميع من حرب الكر والفر في عملية لا منتصر فيها ولامهزوم، حين يتضح للجميع ان الصراع ليس بالامكان حسمه عسكريا، سيلجأون الى مائدة المفاوضات لحسمه سياسيا، وسيتم التفاوض ليس على مصالحة ومحاصصة جديدة، بل على تقسيم جديد تغدو امامه محاصصات اعوام 2003 و2004 بين الاحزاب الشيعية والسنية والكردية مجرد تمرينات اولية.
وكل تلك الضحايا التي سقطت والتي لازالت تسقط كل يوم، من شباب لاذنب لهم سوى انهم فتحوا عيونهم في العقد الاخير ليجدوا انفسهم امام تقسيم طائفي عنيف وشرس، وكأنه اصبح هويتهم. انما هي ضحايا الاسلام السياسي بكلا طرفيه الشيعي والسني.
يجب ان نقلها وبالصوت الواضح والمسموع انه لعار وجرائم يندى لها الجبين ما تقوم به ميلشيات الاسلام السياسي السني الارهابي، وانه مسؤول عنها، كما الادارة الاميركية والمثلث التركي السعودي القطري مسؤول كذلك. الا ان الحكومة الشيعية في العراق وميلشياتها ومؤسستها الدينية مسؤولة بدرجة اكبر بخلق الارضية لهذه الحرب وفي خلق هذا المسار الاسود، ان عشر سنوات من الحكم الطائفي، لم ولن تنتج الا طائفية مضادة. وفي خضم الصراع بين من يقدموا نفسهم وكأنهم ممثلين عن طوائفهم، لم ولن يكون نصيب الملايين من اتباع "الطائفتين" الا الموت والدمار.
يجب ان نعمل لانهاء الطائفية لانهاء دور الاسلام السياسي الشيعي والسني على السواء. يجب ان نعلن ان الدولة لادين لها. وان الدين امر خاص بالافراد. وكل ميلشيا تريد تعقب مصالحها وتعبث بحياة الناس، تحت اسم الدين، يجب ان توقف. بالكلمة، بالقلم، بالتظاهر، بالمقاومة، باي سبيل نتمكن منه، لتكفي الناس شر الاحزاب المتحاربة على اساس ديني اسلامي وطائفي.
يجب ان نفضح ونقاوم كلا طرفي النزاع، ان الجماهير تريد حكومة تؤمن لها الامن وفرصة العيش والكهرباء، لا حكومة طائفية. ان دولة اخرى وحكومة اخرى تقوم على اساس غير طائفي - غير ديني هو السبيل الوحيد لانهاء نزيف الدم الذي لم يتوقف منذ ان "حرر" العراق.
وليس امامنا غير النضال على هذا السبيل.

مقالات