سمير عادل

اردوغان لم يسعفه القرآن والعدالة والتنمية فشل في ان يحل محل العسكر

منذ اعلان النتائج شبه الرسمية للانتخابات التركية في يوم الاحد المنصرم وحتى كتابة هذا المقال، فجميع التقارير والمقالات والتحليلات صبت حول هزيمة الرجل الاول لحزب العدالة والتنمية رجب طيب اردوغان. واغلب تلك التحليلات اذا لم نقل جميعها والتي جاءت في وسائل الاعلام المحلية التركية والعربية والعالمية، فاضافة الى ترواحها بين التشفي وتنفس الصعداء ذهبت في استنتاجاتها الى ان اردوغان هو المسؤول الاول عن تراجع الحزب في تلك الانتخابات، بعد ان كان يخطط ويطمح في اكتساح المقاعد البرلمانية لتغيير الدستور والنظام البرلماني الى رئاسي، للاعلان بعد ذلك عن حقبة سياسية جديدة في تاريخ تركيا وتأريخ المنطقة برمتها.
ان حصر تلك المقالات والتحليلات حول شخص معين وتحميله مسؤولية تراجع حزب بعد ان كان يحتل دون منازع المشهد السياسي المحلي والاقليمي والدولي، هو متعمد ومقصود من اجل اخفاء محتوى الصراع الطبقي المحتدم في تركيا، وكذلك صراع البرجوازيات العالمية من اجل اقتسام النفوذ والقوة على صعيد المنطقة والصعيد الدولي.
ان صعود حزب العدالة والتنمية قبل ثلاثة عشر عام جاء على خلفية قدرته بالقضاء على التشرذم السياسي للطبقة البرجوازية في تركيا. فتركيا لم يشهد تأريخها الحديث الاستقرار السياسي الا بالانقلابات العسكرية الدموية. وبعد انهيار الكتلة الشرقية والتغييرات الدولية التي حدثت بعدها على صعيد المنطقة والعالم، بات حكم العسكر جزء من عدم الاستقرار ليس في تركيا وحدها بل في العديد من بلدان العالم، على صعيد المثال لا الحصر في امريكا اللاتينية واسيا التي حكمتها الدكتاتوريات العسكرية مثل تشيلي والارجنتين والبرازيل واندونيسيا وغيرها من تلك الدول. وفي حقبة التسعينات دارت تركيا في فلك الفوضى السياسية وعدم الاستقرار السياسي، ولم تستطع اية حكومة تشكلت الاستمرار اكثر من سنة اذا لم نقل اشهر في افضل الاحوال الى ان جاء حزب العدالة والتنمية ليحول تركيا من الفوضى السياسية الى حالة الاستقرار. ووقفت البرجوازية كطبقة اقتصادية بجميع شرائحها التي كانت بحاجة الى من ينتشل تركيا من تلك الفوضى خلف حزب العدالة والتنمية. وهكذا احتلت تركيا موقعا في G20 اي من الدول العشرين اقتصايا عالميا. وبرز النموذج الاخواني الذي يمثله حزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية الدولية، لتسوقه الادارة الامريكية اعلاميا وسياسيا وترفع رايته بعد ما سمي بالربيع العربي والعمل على فرضه على المنطقة برمتها. وبيد ان تركيا حزب العدالة والتنمية، وتركيا التي تحتل رقم 17 في الاقتصاد العالمي لم ترض بمكانتها ونفوذها الاقليمي والدولي السابق، وارادت ان تكون جزء من التقسيم العالمي الجديد المتعدد الاقطاب، او ان تكون قطبا من تلك الاقطاب الاقليمية والدولية. وعلى الصعيد الداخلي اراد حزب العدالة والتنمية ان يأخذ دور العسكر في الحفاظ على الاستقرار السياسي من خلال قمع الحريات واسكات الاصوات المعارضة وادامة الظلم القومي للناطقين باللغة الكردية، وضرب التظاهرات وكسر الاضرابات العمالية وتشديد ظروف العمل وخاصة بعد الازمة الاقتصادية العالمية التي عصفت بالاقتصاد الراسمالي العالمي. وتركيا التي سجلت معدلات نمو اقتصادية سنويا وصلت الى 7% بشكل منتظم، باتت تأن من الازمة الاقتصادية وبات حزب العدالة والتنمية لا يستطع الحفاظ على الاستقرار السياسي بعد تصاعد الاحتجاجات العمالية، بسبب توسع رقعة البطالة وانخفاض الاجور الى جانب فضائح الفساد وقمع الحريات مثل الرأي والاعلام، والتي اصبحت تركيا اكبر معتقل في العالم للصحفيين وشن حملة واسعة بقيادة زعيمه اردوغان على حقوق النساء، وطالب المرأة بالجلوس في البيت بشكل غير مباشر من خلال الدعوة الى كثرة الانجاب، ووسعت كل تلك العوامل من دائرة الاحتجاجات واعادت تركيا الى دائرة عدم الاستقرار، وبدأ الرأسمال الاجنبي الذي يشكل المصدر الاساسي للاقتصاد التركي بالهروب الى ما وراء الحدود، وبدأت البرجوزاية المحلية رويدا رويدا تدير ظهرها لحزب العدالة والتنمية، ومن جهة اخرى اصبحت البرجوازية العالمية لا تتحمل الدورالاقليمي الذي تحاول تركيا ان تلعبه في المنطقة. فليس عبثا ان تشن صحيفة غارديان ونيويورك تايمز عشية الانتخابات حملة ضد اردوغان، والذي وصفهما الاخير بأنها ممولة باموال اليهود حسب تعبيره. 
وهكذا ان الذي اطاح بأحلام وطموح حزب العدالة والتنمية في الانفراد بالسلطة هو تحالف البرجوازية المحلية التركية والعالمية من جهة، والعمال والكادحين والتواقين للحرية والمناضلين ضد الظلم القومي من جهة اخرى. 
واردوغان فهم ما الت اليها الاوضاع الاقتصادية وتحالف البرجوازية المحلية والعالمية ضده، فأستخدم سلاحه الايديلوجي في حملته الانتخابية بعد ان فرغت ما في جعبته من الوعود الاقتصادية بتحقيق الرفاه والرخاء، فراح يلوح بالقرآن في حملته الانتخابية ويرفعه في كل خطبة من خطبه التي القاه خلال الحملة المذكورة. وكان يحاول ان يستقطب المجتمع التركي ايديلوجيا ويظهر بأن الصراع في تركيا بين دولة قومية بزي عثماني وبعمامة اسلامية وبين الملحدين والمثليين وهي الكلمات التي استخدمها في خطبه الانتخابية. الا ان القرآن لم يسعف اردوغان، وبين ان الكفة الايديلوجية الاسلامية لن تنشل الجماهير من واقع الفقر والبطالة والقمع والظلم القومي والتمييز الجنسي، لكن يمكن ان تعمل على تخديرهم لفترة زمنية معينة.
واخيرا بين تراجع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، بأن النموذج الاخواني فشل ان يحل محل العسكر في تركيا الذي تولوا السلطة بالحديد والدم لفرض الاستقرار السياسي خلال سنوات القرن العشرين، كما فشل في مصر ان يحل محل نظام مبارك وتفريغ الثورة من محتواها. وليس هذا فحسب بل اصبح النموذج الاخواني عامل غير استقرار في تركيا كما كان الحال في مصر، لذلك قررت البرجوازية التخلص منه لكن عبر صناديق الاقتراع في تركيا وبالانقلاب العسكري في مصر.

مقالات