مؤيد احمد

انتخابات تركيا والموقف من هدب (HDP)

ادت نتائج انتخابات 7 حزيران 2015 في تركيا الى ان يفقد حزب اردوغان AKP (اكب) الاكثرية البرلمانية بحصوله على 40% فقط من اصوات الناخبين. كما ومن ضمن الاحزاب الرئيسية الثلاثة الاخرى حصل حزبHDP (هدب ) على، اكثر مما كان متوقعا، 13% من الاصوات .
ان صعود اصوات هدب وفوز هذا الحزب في الانتخابات الحالية في تركيا احدث تغييرا جديا في المسار السياسي والتوازن فيما بين القوى السياسية في هذا البلد. دخل هذا الحزب، كجناح يسار القوميين الكورد وكتيار سياسي - اجتماعي برجوازي، ساحة الانتخابات وهو يحمل برنامج الدفاع عن حقوق المرأة والاقليات القومية والدينية وحقوق المثليين والـ ( ل ج ب ت) ويحمل برنامج حل المسالة القومية الكوردية بطريقة سلمية. هذا من جهة، و من جهة اخرى، ان فوز هذا الحزب ادى بشكل مباشر الى هزيمة اكب واحباط قسم من مخططاته لتغيير شكل الحكم في تركيا وتنفيذ سياساته واستراتيجياته الرجعية.
في منطقة غارقة في المآسي والدمار حيث تحولت الى ساحة الحرب والصراعات للقوى الاقليمية والعالمية، والتي تحول فيها وبجوار تركيا، البلدين العراق وسوريا الى ميدان معركة الارهابيين وقوى الاسلام السياسي والقوميين والرجعيين من كل شاكلة ولون، وحيث ان اوردوغان وحزبه هما من خالقي هذه المآسي، فان اية درجة من تحقيق الامن والسلام والاطمئنان في تركيا واية ضربة جدية بوجه اكب وفرض التراجع عليه، تشكل مكسبا لصالح جماهير العمال والكادحين وقضية التقدم الاجتماعي. هذا بالاضافة الى ان اية خطوة لكسب حرية ومساواة المرأة والحقوق والحريات الفردية والمدنية وحل المسالة القومية الكوردية بطريقة سلمية هي مكسب مهم للناس والحركة العمالية والشيوعية.
الجواب على سؤالين
يواجهنا هنا سؤالين، الاول هو: اذا كان لفوز هدب في هذه الانتخابات كل هذه المكاسب، فلماذا لا يدعو الشيوعيون بشكل صريح وواضح الى تأييد هدب واعلان دعمهم له؟. وفي هذا السياق يواجهنا السؤال الثاني: لماذا عبر الشيوعيون عن دعمهم لمقاتلي (PYG) و(PYJ) في كوباني بسوريا؟.
في الرد على السؤال الاول اود ان اقول التالي:
الدفاع عن هدب كي يصعد الى برلمان تركيا هو عمل اعضاء ومؤيدي ومصوتي الـ هدب او الذين يعتقدون بانهم مجبرون على التصويت لصالح هدب لافتقاداهم الى بديل اخر. بالنسبة للمجموعة الاولى واضح بان لديهم قناعة سياسية خاصة بهم واما المجموعة الثانية فلا تجد طريقا افضل سوى ذلك. ان موقف الشيوعيين لا يمكن ان يكون ايا من الاثنين وذلك ببساطة لان هدب حزب قومي وجناح يسار البرجوازية- القومية الكردية. في العالم الطبقي المعاصر وفي خضم الصراع الطبقي بين العمال والبرجوازية فانهم في معسكر البرجوازية الكردية وبالتالي هم في مواجهة الشيوعيين.
وفي ردي على السؤال الثاني اود ان اقول ان الحرب ضد داعش حرب ضد قوة ارهابية مجرمة ليس امام الناس طريق للخلاص منها سوى بدحرها عسكريا واقتلاع جذورها من الحياة السياسية والاجتماعية. ان حرب ومقاومة النساء والرجال المسلحين في كوباني كانت ولا تزال محل الدعم والتضامن النضالي لاي انسان او جهة تقدمية محبة للانسانية. بالرغم من هذا فان الشيوعيين لم يؤيدوا الحكم والاحتكار السياسي والعسكري لـ ) (PYD واجنحته العسكرية.
ماهية الـ هدب (HDP) ومعنى الدفاع عنها
ان علاقة هدب الوطيدة مع بكك ( الحزب العمالي الكوردستاني)، النشاط والتحرك السياسي للجماهير اثناء الانتخابات تحت تاثير الافق القومي الكوردي واوجلان وبلاغاته السياسية والتقاف الناس حول صورته كقائد قومي كردي وليس كقائد "بروليتاري"!! للكرد والترك والارمن... الخ، هي بحد ذاتها وبمعزل عن اي دليل اخر اثبات علئ الجوهر البرجوازي القومي لـ هدب وحركته العامة والشعبية التي تبدو بالظاهر وكانها فوق الطبقات. ليس هذا فحسب، بل ان رفع صورة اوجلان وعلاقة هذه الحركة وهذه الانتخابات بـالـ بكك وقواته المسلحة هو تلويح سيف البرجوازية القومية الكردية لتوصل من خلاله تهديدها لبروليتاريا كوردستان وحربها الطبقي العلني او المستتر ضد البرجوازية القومية الكردية. لقد تغيرت المشاهد والمسارات، فحاليا تجاوزت الامور نطاق المسالة القومية ورفع الظلم القومي واندمجت بمسالة السلطة التي هي في عملية الحسم في كوردستان تركيا. من يتبع هدب لم يعد يتبعه بعد من اجل رفع الظلم القومي وتحقيق عدد من الحقوق والحريات السياسية التي يدافع عنها الـ هدب فحسب، بل سوف يمضي معه جنبا الى جنب نحو تأسيس السلطة الكوردية بمعناها الطبقي البرجوازي.
اذا دافعت عن هدب عليك ان تقبل بانك تحوله الى حزب السلطة وتدخله البرلمان وبالتالي عليك ان تقبل بالسياسات والقوانين التي سوف يصدرها وينفذها. فاذا اتى هدب بقوانين معادية للعمال واذا تخندق، في مساراحتداد الصراع الطبفي في تركيا وكردستان، في خندق المواجهة الدموية والعنيفة مع العمال والكادحين، فعليك ان تقبل ذلك. يمكن القول بان من يساند ويدعم هدب اليوم ويصوت له ليس مضطرا ان يتقبل منه هذه الـ"الانحرافات" مستقبلا. هذا صحيح، ولكن اولا، حينذاك يكون قد فات الاوان اذ ان الواقعة قد وقعت وثانيا، ان ذلك هو تقليد الاحزاب الانتهازية المسماة باليسارية التي تذر الرماد في عيون العمال والكادحين والمعدمين. فمن عادة هذه الاحزاب الانتهازية ان تحاول في البداية اقناع الناس ومسانديها بدعمهم لهذا التحالف او ذاك مع القوى البرجوازية وحينما تنتهي العملية السياسية وتحالفاتهم بمآساة حينذاك لا ينفع اي شيء وهم قد اوقعوا ضربتهم بالنضال الثوري لجيل من التحررين والعمال والكادحين.
هدب حزب اصبح، الى حد ما ، خلال السنتين الماضيتين، شريكا للسلطة علئ اساس حاكميته الادارية وممثليه الـ" مستقلين" في برلمان تركيا. فتجاه الاحتجاجات الجماهيرية ضد اوردغان في صيف 2013 اصطف هدب مع السلطة ولم تدعم تلك الاحتجاجات. ان هذا مجرد مثال سيتكرر مع تصاعد الحركة التحررية في تركيا وكردستان.
ان استمرار الازمة الراسمالية العالمية اليوم وظهور بوادر الازمة والكساد الاقتصادي في تركيا وبالارتباط بذلك ارتفاع نسبة البطالة والفقر وتوسع رقعة الاحتجاجات العمالية والكادحين واستياء الشابات والشباب ومواجهتهم للدولة والسلطة قد وضع تركيا في مسار سياسي واجتماعي معقد ومتشابك. ان الموقف الشيوعي ينبع من وجهة نظر التطوير بالحركة العمالية والتحررية في تركيا وكردستان تركيا، وانطلاقا من مصلحة هذه الحركة التحررية والثورة الاجتماعية للعمال يعبر الشيوعي عن موقفه تجاه القوى الفاعلة في ميدان السياسة والبرلمان. لحد الان لم يتعدى اسلوب عمل هدب، من هذه الناحية، اسلوب عمل قوة قومية برجوازية.
عدا عن ذلك، ان تبني بكك وهدب للـ"الكونفدرالية الديمقراطية" والظهور كتيار سياسي "متعدد القوميات" و"متعدد الاديان" والمدافع عن حقوق وحريات المراة وحرية الميول الجنسية للافراد و(ل ج ب ت)، لا تستطيع ان تخفي حقيقة ان بكك كتيار قومي كردي قد غير رايته الستالينية، تحت تاثير الاوضاع، واصبحوا حاملو ومدافعوهذه التوجهات الجديدة. ولكن، الان وحينذاك، فان محتواهما الطبقي هو نفسه. هما حركة وتيار برجوازي- قومي كردي، فستالينية الماضي للـ بكك و"الكونفيدرالية -الديمقراطية" الحالية للـ بكك وهدب هي واجهتهما السياسية -العملية وليست ايديولوجيتهما وموقعهما الطبقي. في عالم الراسمالية، لا يمكن للمرء ان يكون قوميا وفي نفس الوقت امميا. الحركة الشيوعية في كردستان العراق رسمت حدودها بشكل جذري وشامل مع التيار القومي الكوردي وهذا انجاز عظيم للحركة فلا يجوز التقليل من اهميتها تحت اية ذريعة كانت. ان تجربة الـ 24 سنة الماضية من حكم التيار القومي الكردي في كردستان العراق بينت كم ان الحركة القومية الكردية كائن طبقي اصيل من فصيل البرجوازية وكيف هي تغير الوانها حسب الطبيعة المحيطة بها. ان مقارنة هدب مع قوى القومية الكردية في كردستا العراق وابراز تباينه معها لا تغير من جوهر هدب السياسي الطبقي.
ان التصويت لـصالح هدب والدفاع السياسي عنه بعيد بعد السماء عن الارض عن الدفاع عن حل القضية القومية الكردية بشكل سلمي في تركيا والدفاع عن تلك الحقوق والحريات السياسية والمدنية التي يرفعها هدب. ان الشيوعيين بصورة عامة يشاركون في الحركات الجماهيرية من اجل رفع هذا او ذلك من مظاهر الظلم والاستبداد او لتحقيق هذا او ذاك من المطالب الاقتصادية والاجتماعية او السياسية والثقافية التقدمية ولكن لا ينسون حتى لوهلة ان يرسموا حدودهم باقصى الدقة والوضوح مع بقية القوى الطبقية المشاركة في تلك الحركات الجماهيرية العامة، اذ ان هذه القوى تسعى باستمرار لفرض افقها وسياستها وقيادتها على تلك الحركات. الدفاع السياسي عن هدب اما يعني محو هذا الرسم للحدود والتخلي عن الواجبات والوظائف الشيوعية والثورية، او ان الفرد المعني لا يرى من تيار سياسي الا ما هو امام اعينه وحتى لا يرى ايام ما بعد الانتخابات وبدء عودة الحياة الواقعية، ام ان ذلك الشخص هو في معسكر هدب و بكك.
09-06-2015

مقالات