سمير عادل

في ذكرى سقوط الموصل.. الرمادي تتبعها

في الذكرى الاولى لسقوط مدينة الموصل، كان من المفترض وحسب الاعلام الحكومي واعلام مليشيات الحشد الشعبي، واعلام الاحزاب والقوى السياسية في العملية السياسية المتظررة من تممد دولة الخلافة الاسلامية ان تبدء عملية تحرير مدينة الموصل. الا انه وعشية الذكرى الاولى لسقوط الموصل نسمع ونشاهد ونعيش دوي سقوط مدينة الرمادي هي الاخرى. وقبل عام كتبنا وقلنا ليس هناك اختلاف بين ليلة سقوط الموصل بيد الوحوش العتاة الذين شربوا من فكر بن تيمية وعبد الوهاب، وبين ليلة سقوط مدينة بغداد بيد مجرمين محترفين ترعرعوا في مدرسة شيكاغو الاقتصادية، وعملوا بشكل دؤوب كي يصبح الاسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني يهيمن على السلطة السياسية في العراق، وما داعش الا احد نتاجاتهم السياسية. الا ان الفرق بين مجرمي داعش وبين ساسة شيكاغو الذين يتبرئون اليوم من تدمير واحتلال العراق امثال رامسفيلد، هو ان الاول يقطعون الرؤوس بأدوات قديمة مثل السكاكين والسيوف ليعلنوا عصر الفتوحات الاسلامية، اما الثاني فيسحقون الرؤوس بأسلحة حديثة وفتاكة لاعلان فجر "الديمقراطية".
في الذكرى الاولى لسقوط مدينة الموصل، هم الحمقى لا غيرهم بأنتظار محاسبة ومحاكمة شخصيات سياسية متنفذة ومسؤولين عن تسليم مدينة الموصل على طبق من تنك الى عصابات داعش. ففي "العراق الجديد" عندما تسمع هناك لجنة تحقيقية شكلت من اجل الكشف عن ملابسات اية جريمة، فهذا يعني ان الجريمة اختفت وضاعت وحان الوقت لاسدال الستار عليها بشكل نهائي. وهكذا بالنسبة لملف تسليم مدينة الموصل وبيعها رخيصا الى ابي بكر البغدادي وزمرته المجرمة، فالفاعل سيبقى مجهولا مع سبق الاصرار والترصد.
في الذكرى الاولى لسقوط مدينة الموصل، هم المتوهمين وحدهم يتوقعون بأن الولايات المتحدة الامريكية او ميلشيات قاسم سليماني بأمكانهما تنظيف ثلث مساحة العراق من اوساخ داعش. فبوجودهما العسكري توسعت حدود دولة الخلافة الاسلامية، واليوم اصبحت مدينة الرمادي هي الاخرى تنظم الى دولة الخلافة الاسلامية.
في الذكرى الاولى لسقوط مدينة الموصل، تقزمت الامة العربية وتشضت الى امة طائفية، شيعية وسنية، واصبح تغيير الخرائط السياسية على الابواب، وستشهد الامم المتحدة زيادة في عدد ما ستسمى بالدول من الكانتونات والدويلات والاقاليم في المنطقة. واصبحت الميليشيات لها اليد الطولى كما نرى في "العراق الجديد" اذا لم نقل اصبحت حكامها الجدد لتكون الذراع العسكري والقمعي لسلطة الاسلام السياسي الشيعي في بغداد.
في الذكرى الاولى لسقوط مدينة الموصل، فشل الاسلام السياسي الشيعي الحاكم من تعبئة الجماهير على صعيد العراق لمواجهة داعش، ولم ينجح في الترويج لكذبة الوطنية والوطن الذين اصبحوا هم سارقيه الرسميين وعابثي الفساد فيه، وحولوا "الوطن" الذي لم يكن ابدا للعمال والمحرومين حولوا كل زاوية من زواياه وكل مكان فيه الى مستنقع للنفايات والذباب والبعوض وكل الحشرات التي لاذت بالفرار من البلدان المجاورة، واصبح شعار الاسلام السياسي في هذه المرحلة: كل شيء من اجل محاربة داعش كما كان يفعل البعث: كل شيء من اجل المعركة، لمواجهة اسرائيل، بينما كانت الزنانين تفتح للمعارضين والعمال الذين يطالبون بتحسين ظروفهم المعيشية والمطالبين بالحرية والمساواة. واليوم وفي عراق داعش وسليماني، فأن عمار الحكيم رئيس المجلس الاسلامي الاعلى يطلق التهديد والوعيد لمن ينظم اي تظاهرة من اجل تحسين الخدمات. لانه في ذلك تحريض من جهات خارجية او تحركات مشبوهة حسب ادعائه، وهي نفس الذرائع الذي كان يستخدمها نظام صدام والبعث لقمع معارضيه. "فكل شيء من اجل محاربة داعش" للتغطية على جرائم الفساد واختطافات المليشيات والتطهير الطائفي والتعذيب في المعتقلات والسجون، والاعتقالات العشوائية التي دشنت منذ زمن الاحتلال وصعد منها المالكي وما زالت مستمرة في عهد العبادي، وعدم دفع رواتب الموظفين والعمال والغاء مفردات البطاقة التموينية اذا لم يكن الغائها بشكل نهائي والتنصل من توفير كل اشكال الخدمات لان "الوطن" في حالة خطر وانه في حرب مع داعش. في حين نجد داعش تقاتل وتذبح وتسلخ من جهة، ومن جهة اخرى تعمل على ترسيخ دولتها وعلى ادارة المدن التي تستولي عليها حتى ولو ليوم واحد وتحاول تقديم الخدمات مهما كانت بسيطة الى البشر الذين تحكمهم.
في الذكرى الاولى لسقوط مدينة الموصل، ان من ينشر القذرات لا يمكن تنظيف اوساخ غيره. اي بمعنى اخر لن يستطيع الأخوين النجيفي والعيساوي ولا الحرس الوطني السني ولا الماكنة العسكرية الامريكية او الحرس الثوري الايراني والحشد الشعبي من كنس داعش من العراق، في الوقت الذي عبدوا هم بقذارتهم مدن العراق كي تنمو وتتوسع دولة الخلافة الاسلامية.. لن يتنظف العراق من داعش ولا من المليشيات الا بأرادة وبقوة الجماهير نفسها، كما نظفتها في مدينة كوباني واعادتهم الى جحورهم.

مقالات