سمير عادل

سعر الدولار بين سلطة المال ومال السلطة

هل هو الحظ العاثر لحزب الدعوة عندما نتحدث عن اي موضوع عنه وعن قادته لا بد التذكير بحزب البعث وايامه، ام ان حزب الدعوة وحزب البعث وجهان لعملة واحدة بالرغم من عدائهما التاريخي لبعضها واختلافاتهما الايديلوجية لكنهما يتطابقان في السلوك وفي السياسة وفي محتوى وماهية السلطة السياسية.

فقبل يومين اطلق حيدر العبادي رئيس الوزراء سيلا من التهديدات ضد المتاجرين بالعملة بضربهم بيد من حديد عندما وصل سعر صرف 100 الدولار امام الدينار العراقي الى اكثر من 140 الف. ويذكرنا حديث العبادي بصدام حسين في عام 1992 عندما شن حملة اعتقالات على عدد من التجار في سوق الشورجة وسط بغداد حيث قام بأعدام قسم منهم وسجن قسما اخر، بذريعة ان اولئك التجار قاموا بالتلاعب بقوة الشعب على غرار ما ذهب اليه العبادي. واذا كان ما قام به صدام حسين هو جزء من سياسة الترويع للمجتمع وجزء اخر كي يتحكم بحالة التضخم الذي ساد السوق بفعل الحصار الاقتصادي وانهيار العملة العراقية، ومن جانب اخر كي يطلق ايادي عدي صدام حسين وحلفائه من التجار لاحتكار السوق العراقية، فأن تهديدات العبادي ليس اكثر من ذر الرماد في العيون والتستر على حيتان السلطة المتمثلة بأحزاب الاسلام السياسي الشيعي بالدرجة الاولى التي تتحكم بالسلطة السياسية.

ان فهم معادلة ارتفاع سعر الدولار بسيط جدا ولا يحتاج الى الكثير من التعقيد ولا الى المؤتمر الصحفي لمحافظ البنك المركزي وكالة علي العلاق، الذي اغنى المؤتمر الصحفي المذكور باللف والدوران وتبرير ارتفاع سعر الدولار الى حجم الاستيراد وكأن في سنوات الفائتة لم تكن هناك ستيراد، ولا يحتاج كذلك الى كل ذلك التهديد والوعيد ضد الفاسدين الذي نسمعه بين الفينة والاخرى من حيدر العبادي منذ تسلمه السلطة، في الوقت الذي لا يحرك العبادي نفسه ساكنا اتجاه اختفاء 300 مليار دولار من الميزانية العراقية خلال فترة حكم المالكي، والاخير يصول ويجول دون اية مسائلة او محاسبة.

لنعود الى تلك المعادلة ونشرحها بشكل مبسط ان الدولة وعن طريق البنك المركزي تبيع كل يوم الدولار في المزاد العلني الى البنوك وشركات الصيرفة المرتبطة بشكل مباشر باحزاب السلطة السياسية. والسعر كما متفق عليه بين 116 الف- 119 الف لفئة المائة دولار. وتلك البنوك تذهب وتبيع الدولار بين 119 الف الى ان وصل اكثر من 138 الف دينار الى المواطن العادي. اي ان الرابح الاكبر للمتاجرة بالدولار هو لتلك البنوك والشركات المرتبطة بالسلطة السياسية. وعلاوة على ذلك ليس هناك اي بند قانوني يحاسب تلك الشركات والبنوك في بيع الدولار بأي سعر تعرضه، لان قانون العرض والطلب هو سيد السوق والمحمي من الدولة التي تشجع الاقتصاد الحر او اقتصاد السوق. وعليه ان تهديدات العبادي ليس اكثر من فقاعات هوائية تصلح للعب الاطفال اذا خلطتها بمادة الصابون لتخرج منها الوان تشبه قوس قزح. فالسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا يبيع البنك المركزي الدولار بسعر 120 الف الى المواطن بشكل مباشر دون وساطة هذه البنوك والشركات، فهي تربح والمواطن يربح ايضا؟ والجواب بسيط جدا لان تلك الشركات والبنوك يجب ان تدر يوميا دون اي كد او تعب ارباح تقدر بالملايين من الدولارات الأتية من تصدير النفط في الاسواق العالمية. اي ان الدولة التي تديرها حكومة العبادي تمارس الفساد بشكل شرعي ورسمي دون اية مخاطرة وعلى حساب قوة العمال والكادحين والمحرومين. فهي تعرف من اين يؤكل الكتف. فدولارات النفط التي لا تستطيع سرقتها عن طريق المؤسسات والوزرات، تسرقها عن طريق تلك البنوك والشركات. فالاندماج الواضح بين تلك الشركات والبنوك وبين السلطة السياسية وكلاهما يدعمان الاخر. فمثلا علي علاق عضو في دولة القانون الا انه يدير البنك المركزي وعين من قبل المالكي، وبهذا تتحول السلطة السياسية الى سلطة المال والاموال التي تتدفق عليه تصبح مال السلطة ولا يمكن حينها الفصل بينهما. ولذلك وبشكل بسيط جدا ان العبادي لا يستطيع ان يقتنص احد من الفاسدين حسب ما سماهم ولا ينوي حتى على ذلك، مثلما كان يفعل النظام البعثي لتبيض وجه على الاقل امام المجتمع، ففي افضل الاحوال يلقي بصغار التجار او من عاثري الحظ من صغار الموظفين في السجون بتهمة الفساد كي يحبك عملية ذر الرماد في العيون.

مرة اخرى تتكرر معادلة السلطة السياسية- المال والاندماج مع بعضهما كما كان في زمن نظام البعث، ولكن الفارق بينهما الصبغة الديمقراطية وهذا ما يمييز عصر "العراق الجديد".. فالفقر والحرمان هما سمة عصر البعث الذي كان يقود النظام القومي العروبي وسمة حزب الدعوة الذي يقود تحالف الاسلام السياسي الشيعي.

مقالات