عادل احمد

الدولة ومفهومها الطبقي

ان الدولة (اي دولة) في المفهوم الماركسي هي جهاز للسيطرة وادارة السلطة للطبقات الحاكمة. مهما يكون شكل الدولة برلمانية ديمقراطية، عسكرية، ديكتاتورية مطلقة او اوتوقراطية، فسيكون لها نفس المحتوى وهي اداة بيد الطبقة السائدة والحاكمة من اجل السيطرة السياسية وادارة النظام الاقتصادي واسلوب الانتاج الاجتماعي. ان كل نظام اجتماعي قائم على اساس استغلال الانسان للانسان لابد لديه وسيلة لتنظيم هذا الاستغلال بطريقة عنيفة، من اجل قمع المقاومة للفئات المضطهدة والمحرومة وادامة الاستغلال والنفع للطبقات الحاكمة. وان الدولة البرجوازية الحديثة هي ايضا عبارة عن اداة وجهاز السيطرة للطبقة البرجوازية على الطبقة العاملة والجماهير الكادحة. واني هنا لا اتطرق الى كيفية نشوء الدولة البرجوازية، لان الادبيات الماركسية الكلاسيكية شرحت الموضوع بدقة واضحة تماما، كما في كتاب الحرب الاهلية لكارل ماركس والدولة والثورة للينين.

ان الطبقة البرجوازية الحاكمة في النظام الرأسمالي الحالي، تحتاج الى اجهزة الدولة من اجل سيطرتها على الطبقة العاملة واستثمار العمل المأجور. من جهة تحتاج الى وجود اجهزة الدولة من اجل ان تستمر في هرم السلطة وان تشرع وتستخدم القوانين والمحاكمات لمصلحة الطبقة الرأسمالية. ومن جهة اخرى تحتاج هذه الدولة لادارة عملية الانتاح وتسويق برامجها الاقتصادية. تحاول البرجوازية ان تخفي دائما هذه الصفة الطبقية للدولة وتحاول ان تصنفها بدولة فوق الطبقات وتكون في مصلحة عموم الشعب. وتريد البرجوازية ان تبين حكوماتها الديمقراطية والبرلمانية بأنها حكومة للشعب كله، لانها تنتخب من قبل الشعب مباشرة كل اربع سنوات أو أكثر أو أقل. ومن هنا يظهر الكذب والرياء البرجوازي بوضوح، لان المرشحين الى البرلمانات الديمقراطية والبرلمان نفسه يأخذ بنظر الاعتبار كل المسائل الاقتصادية وعلاقات الانتاج الرأسمالية كواقع اجتماعية! واذا كان هنالك نقد او خطاب سياسي معين فسيكون ليس في نقد جوهر النظام الرأسمالي نفسه، بل يكون النقد دائما في اداء او شكل الحكومة. اذن جميع الخطابات والصراعات السياسية في البرلمانات ستكون حول تنظيم المجتمع حسب مصلحة الطبقة السائدة والحاكمة اقتصاديا واجتماعيا وهي الطبقة الرأسمالية. وان تشريع القوانين هي لخدمة الرأسماليين واصحاب البنوك والمحافطة على هذه القوانين تتم عن طريق مؤسسات الشرطة والجيش والسجون واجهزة قمعية عديدة ممولة بأموال الرأسماليين.. وماهي إلا دكتاتورية البرجوازية على الطبقة العاملة والجماهير الكادحة. مهما يكون شكل الدولة ديمقراطية رئاسية مباشرة كما في الولايات المتحدة الامريكية او ديمقراطية برلمانية كما في اوروبا الغربية، فهي عبارة عن ديكتاتورية طبقة الرأسماليين على الطبقة العاملة المنتجة لثروة المجتمع.

يدعوا الاشتراكيين والطبقة العاملة ايضا بدولتهم عن طريق الثورة الاجتماعية وهي دولة دكتاتورية البروليتاريا. لنرى ماهو المفهوم الطبقي لهذه الدولة واهدافها. ومن تسميتها تبين بأن هذه الدولة ايضا دكتاتورية ويقولها الاشتراكين والعمال بصراحة في النضال السياسي. وما هي اهداف هذه الدولة. ان وجود الدولة (اي دولة) بما فيها ديكتاتورية البروليتاريا هي اداة قمعية من اجل السلطة. ان شرط وجود الحرية الكاملة هي عدم وجود اي نوع من الدولة بمعناه السياسي. اي وجود كيان سياسي يقوم بفرض السياسة على المجتمع. ولكن الطبقة العاملة والاشتراكيين يقومون بالدعاية دائما للحرية الكاملة لعموم المجتمع، اذن هل هناك تناقض بين هذين المفهومين؟ ان من واجب الطبقة العاملة التاريخية هي القضاء على التناحر الطبقي والقضاء على الطبقات جميعا. وان شرط القضاء على التناحر الطبقي من قبل الطبقة العاملة هو استلام السلطة السياسية اولا من الطبقة البرجوازية عن طريق الثورة الاشتراكية. بما ان الاقتصاد الرأسمالي هو نظام اجتماعي وقوي، فأستلام العمال السلطة من الطبقة الرجوازية لا يعني مباشرة خضوع جميع القوة الاقتصادية الى السلطة العمالية الجديدة، بل تفقد البرجوازية السلطة السياسية فقط ولا تزال مسيطرة اقتصاديا. ومن هنا تحتاج الطبقة العاملة الظافرة بالسلطة السياسة لمواجهة القوة الاقتصادية البرجوازية بشكل اقوى بكثير من سلطتها السياسية. ومن هنا يظهر الاحتياج الى السلطة الطبقية القمعية وهي دولة ديكتاتورية البروليتاريا من اجل القضاء على كل الاسس الاقتصادية للطبقة البرحوازية بالقوة. ان هذه المعركة هي حاسمة في الثورة العمالية، لكن شر لا بد من خوضه فرض على الطبقة العاملة. لكن الديكتاتورية البروليتارية هي تحمي الحرية لـ 90 % بالمئة من المجتمع وتكون قمعية لـ 10 % بالمئة من المجتمع وهم طبقة الاغنياء والرأسماليين. ان الطبقة العاملة ومن اجل القضاء على الطبقات تحتاج الى هذا الشكل من الدولة القمعية. وبقضاءها على مقاومة الرأسماليين والطبقة البرجوازية وتحويل المجتمع الى طبقة واحدة منتجة فقط يتم القضاء على الطبقات والتناحر الطبقي، هنا لا يحتاج المجتمع الى اداة لقمع نفسه، وبذلك تفقد هذه الدولة صفتها السياسية وهي اداة سيطرة طبقة على طبقة اخرى وتصبح مهمتها ادارية فقط.

ان الاشتراكين والطبقة العاملة ليس لديهم مصلحة لخداع المجتمع. واجب عليهم توضيح ماهية الحكومة التي يتوجب عليهم اقامتها. وان شرط القضاء على شر الرأسمال هو سلطتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا العمل لا يتم الا بسلطة قوية وقمعية اكثر بكثير من قوة الرأسمال نفسه. ولا تكون قوية الا ان تكون صارمة بوجه المقاومة الاجتماعية والاقتصادية للبرجوازية. وعن طريق توضيح هذا المفهوم الماركسي عن الدولة، بأمكاننا تشخيص الحكومات والبرلمانات والانتخابات والاحزاب ومصالحهما السياسية. وبأمكاننا أن نشخص الثورات الاجتماعية ومحتوى دولتها ومراحلها.. ونستطيع التقدم خطوات ثورية من اجل تقدم الطبقة العاملة الى الامام وان تلعب دور مهم في حسم النضال الطبقي.

مقالات