عادل احمد

الارهاب والدفاع عن المدنية

الارهاب الاسلامي يعبث يوميا بحياة الناس الابرياء اللذين لا شأن لهم ولا دخل لا بالدين ولا بالصراعات الدينية. ان ما حدث هذا الاسبوع في كل من تونس والكويت وفرنسا والحصار على كوباني وكذلك ما يحدث من صراعات في اليمن العراق وسورية ونيجيريا وفي مناطق اخرى من العالم، عبارة عن سيطرة الرجعية في العالم الرأسمالي على الحضارة والتمدن والمد الانساني يصاحبها أرهاب وقتل وتشريد الملايين من الناس الابرياء من الاطفال والنساء والشيوخ يضاف الى موتهم بسبب الجوع والبرد وانتشار الامراض والاوبئة. ان توسع هذا المد الرجعي والذي اثر حتى داخل اكثرية العوائل مدنية في العالم المتحضر في القرن الواحد والعشرين وتأثرت بعوامله السياسية والاجتماعية والثقافية، وان هذا دليل على تعفن وانحلال النظام الرأسمالي من جذوره، والذي يستمد بقاءه اليوم عن طريق نشر البكتيريا الضارة في المجتمع مثل الاديان والقومية والطائفية لتجثم على صدر المجتمع. ان تراجع المدنية والحضارة امام الرجعية الدينية والقومية في عالم اليوم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وأيضا يظهر هذا التراجع وبوضوح في تشريع بعض القوانين الرجعية في مهد الحضارة الانسانية في الغرب. كل هذا يحدث لان النظام الرأسمالي العالمي يمر بأزمة اقتصادية وفوضى في الانتاج في العالم كله، ولا يوجد اي بصيص نور لخروج الرأسمال من ازمته وفوضته في الوقت الحاضر. وكل هذا اثر على السياسات والتحالفات الدولية والعالمية ووسع الهوة في العالم المتوازن القديم سواء بين الشرق والغرب او بين الشمال والجنوب، والتي كانت اعتبر فترة ذهبية في حياة الرأسمال والنظام الراسمالي والبرجوازي العالمية.

ان انتشار اوبئة الارهاب الاسلامي والرجعية يجب ان يبحث ضمن سياق هذه الازمة الاقتصادية والفوضى في النظام الرأسمالي العالمي. لا يحدث اي شيء بدون العوامل الذاتية والموضوعية لتلك الظروف. والعوامل الموضوعية والذاتية لانتشار الارهاب بشكل عام والاسلامي بشكل خاص هي نفس وجود عوامل بقاء الرأسمالية والنظام البرجوازي نفسه. في كل فترة من حياة النظام الرأسمالي، نرى عوامل بقائه والصراع من اجل ديمومته موجودة. ان الحروب النابليونية والامبراطورية البروسية والقيصرية الروسية وحروب الامبريالية العالمية الاولى والثانية، هي السبب في توسيع وبقاء النظام الرأسمالي ووقوفه على قدميه، لان الرأسمالية ولدت اصلا مع تنقاضات اجتماعية كبيرة وهي تناقض العمل مع الرأسمال. واستخدمت وتستخدم كل شيء وكل الوسائل عبر التاريخ لابقائه يمشي على قدميه ويحافظ على وجوده. يقول كارل ماركس بهذا الصدد في "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت"، (ان تقاليد جميع الاجيال الغابرة تجثم كالكابوس على ادمغة الاحياء. وعنما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل انفسهم والاشياء المحيطة بهم، في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الازمات الثورية كهذه على الوجه التحديد، نراهم يلجؤون في وجل وسحر الى استحضار ارواح الماضي لتخدم مقاصدهم، ويستعيرون منها الاسماء والشعارات القتالية والازياء لكي يمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم وفي هذا اللغة المستعارة). على الرغم من استعمال ماركس هذا الوصف للنظام البرجوازي اثناء ثورة 1848 في فرنسا، لكنها تنطبق على فترة الازمات السياسية والاقتصادية في يومنا هذا. كان لدى ماركس رؤية واضحة عن طبيعة تحرك الطبقة البرجوازية بشكل عام ضمن فترتها التاريخية.

والان كل الطبقة البرجوازية والرأسمالية العالمية منشغلة بهذا الفوضى والازمة. وسحبت المجتمع البشري بكامله نحو هذه الازمة واثرت به تأثيرا بالغا. تراجعت الثقافة الانسانية وعلى وشك ان تحل محلها الثقافة الرجعية والبربرية واحياء التقاليد البائدة لتخدم مصالحها الانية. وان جميع الحركات الاجتماعية واحزابها متأثرة كليا بهذه الازمة، وتراجعت التصورات حول سبل خلاص البشرية من معاناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتراجع ايضا التركيز على الدور الفعال للطبقة العاملة في حل المشاكل الرأسمالية. وتراجعت امام هذا الظروف كل حركات اليسار والحركة الاشتراكية واحزابها امام زحف الرجعية والمد الرجعي للبرجوازية العالمية. وتراجعت ايضا الحركات الاصلاحية. بكلمة واحدة تراجعت البشرية جميعها امام رجعية النظام الرأسمالي الغارق بأزمته الخانقة.

لا يوجد امام البشرية خيارا اخر الا ازاحة ودفن هذا النظام الرأسمالي. لا يمكن اصلاح هذا النظام مهما تكون المحاولة..من اجل القضاء على كل مشاكل البشرية ومن اجل القضاء على الفقر والحروب والدمار وتحقيق المساواة والحرية، لا بد ان نقضي على نظام الاستغلال والجشع الى الابد. وهذا لا يحدث الا بالثورة الاجتماعية بقيادة الطبقة العاملة، لان الطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة التي ليس لديها اي مصلحة لوجود النظام الرأسمالي ولها القدرة على قلع هذا النظام من جذوره. ومن اجل بلوغ الطبقة العاملة هذه المكانة لابد ان تأخذ زمام المبادرة في كل قضايا المجتمع، ومنها الوقوف بوجه الارهاب العالمي والاسلامي والازمة البرجوازية. ان على الاشتراكيين والشيوعيين البدء بمرحلة نضالية جديدة امام التراجع الثقافي والسياسي للمجتمع. وتقع على اكتاف الشيوعيين التدخل في كل قضايا المجتمع والتدخل ومساندة وتقوية الحركات الاحتجاجية مهما كانت صغيرة ومهما يكن مستوى مطالبها، مع محاولة رفع مستوى الوعي لهذه الحركات ورفع سقف مطاليبها وجذب الفئات المتضررة واضفاء طابع اجتماعي اكثر لها. ان تقوية كل الاصوات المعارضة لتردي وتراجع المدنية والمجتمع واجب كل شيوعي وعامل طليعي. ان الوقوف مع الناس اللذين ليس لديهم اي مصلحة مع الارهاب والرجعية يخدم القضية العمالية والاشتراكية اكثر من غيرها. يجب تقوية الحركة التي تفصل الدين عن الدولة مهما يكن مستواها، وكذلك تقوية كل الحركات الداعية الى تقوية المجتمع المدني. وفي النهاية كل تقدم في المجتمع يخدم الطبقة العاملة وحركتها والعكس صحيح ايضا.

مقالات