سمير عادل

داعش والقوة الثالثة

التفجيرات والعمليات الارهابية التي قامت بها داعش في الكويت وفرنسا وكوباني في يوم واحد تدل على قدرة هذا التنظيم وامكاناته الهائلة في التعبئة والدعاية والتنظيم. ومن التبسيط والسذاجة ان يذهب المرأ الى التحليل الذي تطبل لها وسائل الاعلام المحلية والعالمية، بأن داعش فقط منظمة ارهابية ويجب محاربتها بالاجراءات العسكرية والامنية. وان التحليل المشار اليه هو الذي وراء استمرار وتوسع داعش في المناطق المختلفة في العالم، اضافة الى انه اقوى سلاح دون منازع بيد الانظمة العربية الفاسدة وخصوصا الخليجية لابقاء سيف الاستبداد وقمع الحريات مسلطا على رقاب الجماهير. فقوة داعش التي تستند عليها وتستمد ارهابها منه هو العالم المصنف بالعربي والايدلوجية الاسلامية. وتلك الايدلوجية لها منابعها الاجتماعية والسياسية. وبغير تجفيف تلك المنابع سيظهر داعش بأشكال مختلفة مثل الفيروسات التي تكتسب مناعة وتكيف نفسها مع بيئتها الجديدة، فقبل داعش كانت القاعدة وقبل القاعدة كانت تنظيمات سميت بالكفرة والهجرة وغيرها من المنظمات، التي تستند بالدرجة الاولى على الاسلام كايدلوجية وعلى حاضتها الاجتماعية والسياسية في العالم المصنف بالعربي.

ان قدرة داعش الاولى تكمن بأعلان دولته التي سميت بدولة الخلافة الاسلامية ورسمت حدودها وسنت قوانينها واعرافها، وغيرت ادوات التعذيب والقتل في سجونها بدلا من الفلقة والغرق الوهمي بالمياه والشنق حتى الموت والرمي بالرصاص الى الجلد والحرق والذبح والرجم. ان هذه الدولة هي وراء اغراء العديد من الشباب عبر العالم للالتحاق بها، وهي بالنسبة للذين يمجدونها ويؤيدونها ويروجون لها ويلتحقون بها، يعتبرونها اسطورة حدثت في الماضي وتتحقق اليوم لتعبر عن احلامهم وامنياتهم.

ان اليأس والاحباط بعد الحاق الهزيمة بالثورتين التونسية والمصرية على يد الطبقة البرجوازية الحاكمة المحلية والعالمية، كان عامل مهما كي يلمع داعش التي الحقت الهزائم العسكرية بالجيوش الحديثة ومرغت انوف حكوماتها بالتراب في سورية والعراق. وادى ذلك الى أن تتحول داعش الى مشعل امل بالنسبة لألاف من الشباب في العالم للانخراط في صفوف تنظيماتها او التطوع والمجيء الى "دولة الخلافة الاسلامية" للذود عنها. ويكمن العامل الاخر في قوة داعش في التكتيك السياسي والدعائي والعسكري عندما تحاول من جهة قتل المصنفين الشيعة في اي مكان تتواجد او تصل يد التنظيم اليه، عبر التفجيرات الدموية والعمليات الارهابية كي تسقط هيبة الدولة والحكومة في المجتمع، ومن جهة اخرى كي تكون راية طائفية وحيدة ودون منازع تدافع عن "السنة"، من اجل تجنيد عدد اكبر من العناصر التي تتغذى فكريا في مساجد ومدارس السعودية والامارات وقطر والكويت على سبيل المثال لا الحصر، التي هي من اقذر البؤر في اعداد الارهابيين والطائفيين في العالم. اما العامل الاخر الذي يحاول الاعلام الحكومي التهرب منه وهو الظلم الاجتماعي الواقع على الجماهير في العالم المصنف بالعربي، التي خرجت لتثور الا انها قمعت بشتى الاساليب، لتجد بعد ذلك داعش يعلن عن دولته لا مكان فيها للفساد والفقر بل فقط جهاد وهو الذي حل محل اي عمل، الجهاد الذي يحصل من خلاله على الغنائم والسبايا من النساء التي تشبع الرغبات الجنسية المتهيجة، وهي من ضمن الحريات التي قمعت في ظل تلك الانظمة العربية الفاسدة.

ان الحرب على داعش من قبل التحالف الغربي والخليجي والعربي بقيادة الادارة الامريكية هي اكبر كذبة في التاريخ الحديث، وهي اكبر بكثير من كذبة الديمقراطية التي روجت لها الولايات المتحدة الامريكية. فبالنسبة لذلك التحالف ليس من اولوياته القضاء على داعش ولا الحرب عليه، بل ان الاولويات هي فقط اعادة ترتيب الخارطة السياسية في خضم الصراع بين الاقطاب الدولية والاقليمية وايجاد كل طرف منه مكان وموقع له في تلك الخارطة. وهذا ما فهمته داعش وتلعب عليه، فتراه يتمدد في ليبيا وافغانستان والعراق وسورية والان تحاول في اليمن..الخ.

وعليه ان داعش ليس مجرد منظمة ارهابية، بل تريد ان تؤسس دولتها وترسخها وتفرضها على العالم، كما فعلت النازية والفاشية في اوربا ولكن بطريقتها. ان الانتصار على داعش وسحقه يكون قبل كل شيء ليس فقط عدم تصديق الاوهام التي تروجها مؤتمرات ميونخ والدول الصناعية السبعة وبغداد وكامب ديفيد.. بل فضحها. وايضا العمل على تصعيد النضال الفكري والسياسي ضد الايدلوجية الاسلامية والكشف على خبايا تاريخ دولة الخلافة الاسلامية في العصور المختلفة، منذ تأسيسها وانتهاءا بالدولة العثمانية والجرائم التي نظمتها وارتكبتها طوال ذلك التاريخ، الذي يتطابق مع الاعمال السياسية والفكرية والاجتماعية والعسكرية لداعش ودولتها المزمع تأسيسها. ومن الجانب الاخر يجب اعلان الحرب على داعش من قبل قوة ثالثة في العالم، وهي القوة الانسانية التحررية والتقدمية كما وقفت يوما ما ضد النازية والفاشية. ان انتظار دول الخليج وامريكا والحشد الشعبي والحرس الثوري الايراني للقضاء على داعش هو يعني تسليم المجتمع بالنهاية الى داعش بحماقة كبيرة.

مقالات