سمير عادل

ميليشيات التحالف الشيعي ولعبة كسر العظم

سقوط مدينة الموصل في 10 حزيران من عام 2014 خلال ساعات اسقط ورقة التوت ليظهر بشكل واضح ودون اي جدال او نقاش، بأن الادارة الامريكية ومن بعدها سلطة الاسلام السياسي الشيعي ولمدة احدى عشر عام فشلتا في تاسيس الدولة في العراق، واضفاء هوية موحدة لها بعد تدميرها بالحرب والاحتلال.
وطالما هناك صراع سياسي على السلطة وبسط النفوذ بين قطبي العملية السياسية، الاسلام السياسي الشيعي الذي يدير الحكم في العراق والتيار العروبي الملتحف بغطاء طائفي سني، فلا نهاية لداعش في العراق. ومن الحماقة ان يصدق المرء بأن الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها جديين بالقضاء على داعش، مادام تدفق النفط من الجنوب ومن مدينة كركوك وكردستان الى الموانئ العالمية بمأمن من تهديدات داعش او اية عمليات حربية، وما دام من المبكر ان يحكم على اداء الجمهورية الاسلامية في ايران بعد الاتفاق النووي بينها وبين الغرب بقيادة امريكا بأنها لن تهدد النفوذ الامريكي وحلفائها في المنطقة.
وعليه فأن احزاب وقوى الاسلام السياسي الشيعي حسمت امرها وتخطط كل واحد منها بأن يكون لها حضور سياسي وميداني وجزء من المعادلة السياسية، عن طريق تأسيس ميلشيات خاصة تنفذ المهمات التي تناط بها وتحت مظلة الحشد الشعبي والحرب على داعش. لانها تدرك جيدا ودون اية مواربة وببساطة بأن قاعدتها الاجتماعية اصبحت خاوية بسبب فسادها المطلق وجرائمها التي غطت جميع مدن العراق، وافلاسها السياسي وفقدانها لاي برنامج اقتصادي وفشلها في تحقيق الامن والاستقرار، اضافة الى مساهمتها الفعالة في فرض الهوية الطائفية على المجتمع. وفي عراق تنعدم فيه الدولة ومؤسساتها، عندها يكون اليد الطولى للمليشيات. فكل واحد من تلك القوى والاحزاب هرعت في تأسيس مليشيا خاصة بها كي تتمكن من جهة فرض نفسها على الساحة السياسية ومن جهة اخرى احتواء اذا لم نقل تصفية اخوتهم في الجهاد، فها هي منظمة بدر" بزعامة هادي العامري و"عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي، و"كتائب حزب الله" بزعامة أبو مهدي المهندس و"سرايا الخراساني" و"النجباء" بزعامة أكرم الكعبي، وقد قام مؤخرا حزب "الدعوة" بتشكيل "كتائب الغضب الحيدري"، وشكل "المجلس الأعلى الإسلامي" "سرايا الجهاد والبناء" و"سرايا عاشوراء" و"سرايا أنصار العقيدة"، وشكل حزب "الفضيلة" فصيل "لواء الشباب الرسالي"، والتيار الصدري فعل "سرايا السلام" الاسم الحركي لجيش المهدي المجمد، وكل هذا الفصائل شاركت بشكل محدود في القتال ضد داعش الا انها تمتلك امكانيات دولة في التطبيل والتزمير بأنهم وراء القتال الضاري ضد داعش، في الوقت الذي شاهدنا سقوط بيجي مباشرة بعد تحرير مدينة تكريت وتلاها سقوط مدينة الرمادي.
ان خطورة الوضع في العراق لا تكمن اليوم فقط بوجود المليشيات التي تصفي الصحفيين جسديا، وتهاجم اتحاد الادباء وتقوم بالتصفيات الجسدية للمئات من المعارضين، وتقتل بدم بارد عشرات الابرياء لهوياتهم الطائفية، وبدأت تتدخل بالمشهد السياسي رويدا، فها هو قيس الخزعلي زعيم "عصائب أهل الحق" يوجه انتقاده للسياسيين الحاليين، وقال أثناء احتفال في بغداد إن "النظام السياسي القائم على النظام البرلماني أثبت فشله، وبالتالي هناك حاجة إلى التحوُّل للنظام الرئاسي". وفي مكان اخر تصدر "كتائب حزب الله" بياناً على موقعها الرسمي على الأنترنيت أعلنت فيه أنها "تنوي عقد لقاء مع وزير الكهرباء لمعرفة أسباب المشكلة وتقديم الفاسدين للقضاء"، كما طلبت من الشرطة في البصرة عدم التعرض للمتظاهرين بعد ان شهدت عدة مدن الاحتجاجات والتظاهرات ضد انقطاع التيار الكهربائي مع ارتفاع درجات الحرارة الى اكثر من 50 درجة مئوية. نقول لا تكمن خطورة الوضع في العراق اليوم في ظل تهديد المليشيات الشيعية بل تتعدى ذلك الى مستقبل المجتمع كي تصل الى حد التصفيات الجسدية ضد بعضهم في التحالف الشيعي التي بدأت بوادره تلوح بالافق. فقبل ايام قتل مسؤول الحشد الشعبي ابو سلام الديرواي في حادث مجهول وهو احد قيادي منظمة بدر في المدينة في البصرة، وتتهم بدر المجلس الاسلامي الاعلى بذلك، فيما نظمت تظاهرات كبيرة يوم الجمعة الفائت بدعم بدر وقوى اسلامية اخرى ضد عمار الحكيم ورفعت شعار "يا عمار شيل ايديك ..شعب البصرة ما يريديك"، فيما تحرك المالكي في زيارات ميدانية الى مناطق مختلفة من العراق ليوزع الهبات والهدايات والعطايا الى مجالس الاسناد، التي اسسها اثناء كان رئيسا للوزراء لاستمرار شراء ولائهم له مما اغضب بدر والمجلس الاسلامي، فيما طالب المتنفذين في الحشد الشعبي من بدر وعصائب اهل الحق بتأسيس جهاز الامن الوقائي تابع للحشد الشعبي، وهو مؤسسة استخباراتية وتجسسية وقمعية والذي رفضه مقتدى الصدر لانه يدرك ان الجهاز سيتحول الى الة لتصفية جماعته. والحق يقال لو لا الجمهورية الاسلامية في ايران والمرجعية الشيعية العليا في النجف لتصدع التحالف الشيعي منذ سقوط مدينة الموصل. لكن تبقى حدود تلك السيطرة محدودة بعد ان تتغير المعادلة السياسية في العراق. اما المثير للسخرية حقا ان كل تلك المليشيات تدعم ماليا وعسكريا من الخزينة المركزية تحت عنوان الحشد الشعبي بعد ان فبرك لعبة الحاقها بالمؤسسة العسكرية وتحت اشراف رئيس الوزراء. فمن جهة لا يمتلك رئيس الوزراء لا حول ولا قوة للسيطرة عليها، ومن جهة اخرى تتلقى الدعم العسكري والمالي بشكل رسمي من ميزانية الدولة.
ان قوة الاسلام السياسي في العراق تكمن اليوم في اذرعها العسكرية والقمعية من جهة ومن جهة اخرى ليس هناك قوة شيوعية ويسارية وعلمانية وتحررية منظمة تقف بوجهها. ان الاوضاع السياسية والاجتماعية والامنية والاقتصادية للجماهير باتت لا تحتمل، واستمرار جماعات الاسلام السياسي في السرقة والنهب والاستحواذ على الامتيازات يعتمد على تكهنها في اختبار مدى صبر الجماهير، التي في النهاية لا بد من تشكيل قوتها المسلحة لمواجهتهم.

مقالات