نادية محمود

وثيقة رمضان : واسطورة السلم المجتمعي

اصدرت لجنة الأوقاف والشؤون الدينية النيابية (وثيقة رمضان 1436هـ للتعايش السلمي ومكافحة التطرف والارهاب) في اوائل شهر تموز من هذا العام، والتي تعلن فيها انها تريد "منع الكراهية وارساء ثقافة التعايش والتعزيز السلمي الاهلي.. ولتشكيل حائط صد امام تحدي الارهاب والعنف". هذا النص صادر من احد التقسيمات الطائفية التي جرت في العراق بعد 2003 في وزارة الاوقاف وتحولها الى الوقفين السني والشيعي.
السؤال هو كيف سيتسنى لحكومة وبرلمان واحزاب طائفية وميلشيات ومؤسسات دينية قامت بغرس جذور الطائفية عميقا في المجتمع في العراق، ان تكون عاملا وعنصرا لخلق التعايش السلمي والحال انه منذ سقوط الحكم البعثي تم تشكيل مجلس الحكم، تم وضع الاساس لتقسيم المجتمع سياسيا واجتماعيا على اساس طائفي.
الطائفية تمثل احدى المرتكزات الايديولوجية الاساسية والمهمة للاحزاب الشيعية ليكون لها تبريرا وشرعية للوجود في السلطة، على اساس تمثيلها "للشيعة" باعتبارهم "الاغلبية" في المجتمع في العراق، فكيف يتسنى لهذه الحكومة ان تتحدث عن التعايش السلمي وهي تبني صرح دولة طائفية شيعية؟ لقد جرى تقسيم الدولة ومؤسساتها على اساس طائفي. انقسمت وسائل الاعلام على اساس طائفي، قناة العراقية الرسمية للدولة في العراق هي قناة طائفية شيعية، كما تأسست مقابلها القنوات الاعلامية الطائفية السنية كل ينشر خطابه الطائفي ضد الاخر. المدارس والمستشفيات جرت اعادة تسميتها على اساس طائفي شيعي. المستشفيات التي كان يطلق عليها اسم مستشفى صدام، الان اصبحت "مستشفيات الامام الحسين". الشركات التي يجري التعاقد معها للعمل عائدة للاحزاب الشيعية ذاتها. الوحدات العسكرية جرت تسميتها على اساس طائفي. يجري تعليم الاطفال في المدارس الحكومية على اللطم والظهور في المراسيم والطقوس الشيعية وكأنه واجب مدرسي رسمي. توزيع الوظائف يتم على اساس طائفي ارتباطا بالاحزاب الشيعية. منظمات المجتمع المدني أنقسمت بدورها الى منظمات شيعية واخرى سنية. الجامعات تحولت الى اماكن للممارسات والطقوس الشيعية وللترويج للثقافة والتقاليد الشيعية. بنيت الحواجز الكونكريتية بين المناطق التي جرى تصنيفها سنية عن تلك التي صنفت على اساس انها شيعية. الشعار الذي ساد انتخابات 2014 هو ليس مهما ان تختار نائبا شيعيا معروفا بلصوصيته فهو افضل من مرشح اخر غير شيعي. عديد من النواب جري ترهيبهم في الانتخابات، ليفرض عليهم الانسحاب حتى لا يفوزوا بالاصوات. كل هذا ولم نتطرق بعد الى حرب 2006 على اثر تفجيرات سامراء في شباط من ذلك العام حيث قطع الرؤوس والقتل على الهوية انذاك. واخيرا وليس اخرا ظهور داعش كأحد نتائج لتلك السياسة الطائفية للطبقة الحاكمة للاسلام السياسي الشيعي. فعمليات تحرير الرمادي اطلق عليها في البدء حملة لبيك يا حسين، لتغير بعدها الى حملة" لبيك يا عراق".
الان تريد وثيقة رمضان ان تمحو هذه الاستراتيجية وبجرة قلم كل هذا التاريخ. السؤال هو عن اي تعايش سلمي يجري الحديث؟ ان تحقيق الامن والسلم الاجتماعي وفقا لطروحات هذه اللجنة تعني تنظيم اوضاعا امنة وسلم اجتماعي لهم. ماذا تقول تلك اللجنة عن التعايش والتسامح امام مقتل النساء في البصرة وزيونة وغيرها؟ ماذا ستقول عن الارهاب وقتل متظاهرين على ايدي القوى الشيعية الحاكمة في البصرة لان طفح بيهم الكيل من شدة الحر وانعدام الكهرباء وتظاهروا مطالبين بالكهرباء؟ ماذا تقول عن تهديدات المجلس الاعلى بتوجية فصيل عاشوراء لقمع اي حركة مطالبية للجماهير المنكوبة بالحرمان من العيش الانساني؟ ان حديثهم عن التعايش السلمي ومكافحة الارهاب المضاد الموجه ضدها هو لتضمين التعايش مع قوى الاسلام السياسي الشيعي، لتستمر في اعمال النهب وانتهاك حقوق الانسان كما انتهكتها على امتداد اكثر من عقد ومن تاريخ حكمها. انها جاءت ردا على اوضاع العجز عن مقاومة داعش ودحرها رغم مرور اكثر من عام، ورغم كل القوة العسكرية التي من المفترض ان تمتلكها الدولة وكل اجهزتها العسكرية والمخابراتية وقوات الشرطة ومكافحة الارهاب واخيرا ميلشيات الحشد الشعبي. ان مبادرات من قبيل المواطنة المتساوية او وثيقة رمضان في ظل حكم طائفي لا يمكن ان يحقق اوضاع "السلم الاجتماعي". ان تلك القوى قائمة وقادرة على الاستمرار بالحكم بفضل استخدامها للعنف.
ان السبيل لانهاء الاحتراب الطائفي يتم عبر انهاء وجود دولة طائفية دينية في العراق، واقامة دولة مدنية غير دينية، تفصل اولا وقبل كل شيء الدين عن الدولة. السبيل هو تأسيس دولة تكون ادراتها بيد الجماهير وتنظيماتها وممثليها من العمال والنساء والشباب والكادحين، والتي لاتضع البرامج الاقتصادية والاجتماعية التي تصب في مصلحتها فحسب، بل مصلحة الاغلبية العامة في المجتمع.
لن يكون هنالك سلم اجتماعي بين قوى تنهب وتكتنز الملايين من اقتصاد المجتمع، ومجتمع يعيش ربع سكانه تحت خط الفقر، والبطالة وانعدام الخدمات، ويراد له ان يكتم انفاسه أو تطلق عليه النيران اذا ما اعترض بشكل سلمي. ليس هنالك امكانية لهكذا سلم اجتماعي في صراع ديني طائفي داخل الطبقة الرأسمالية الدينية الاسلامية الواحدة المنقسمة على ذاتها سنية وشيعية كلا لمصلحته من جهة، وبين الملايين من الجماهير العاملة. السلم الاجتماعي يتحقق حين تاخذ الجماهير مصيرها بيدها وتحقق حاجاتها بنفسها وتعمل بنفسها ولاجل نفسها. لتنال شروط حياة انسانية لائقة من عمل وتعليم وصحة وخدمات واحترام لحرمة وكرامة البشر. هذا لن يتحقق بوجود قوى الاسلام السياسي الشيعي منها والسني، وبالتاكيد لن يتم عبر تنفيذ وثيقة رمضان.

مقالات