سامان كريم

الوضع السوري يتجه نحو التسوية المؤقتة بدون الامن والاستقرار اللازميين!

سؤال: الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت عن تفويض قواتها العسكرية الجوية بضرب اي قوى تستهدف مليشياتها المفضلة والتي دربتها في الأراضي التركية وأطلقت عليها مسمى (سوريا الجديد).. وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت الاثنين 4 أغسطس/آب إنها نفذت الجمعة أول غارة جوية لها في الأراضي السورية "دفاعا" عن تلك المليشيات. وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية بيل أوربان "سنتحرك للدفاع عن مجموعة سوريا الجديدة التي دربناها وجهزناها". القرار الأمريكي تحت ذريعة محاربة "داعش" صدر وتم تنفيذه مباشرتا بعد قيام القوات التركية بضرب مواقع حزب العمال الكردستاني والتي كانت ايضا بذريعة محاربة "داعش". الواضح أن حكومة أوباما بالأتفاق مع حكومة أردوغان يريدان لقوى واحدة فقط مختارة من جانبهم تنتصر على داعش.. أم الأن الأمر كما قلنا سابقا هو لتعزيز مواقع داعش؟؟.

 

سامان كريم: كما قلنا سابقا مرارا وتكرارا, الهدف الامريكي واضح تماما, هدفه كما هو منذ حرب الخليج الاولى على العراق... اما استراتيجيتها فتتغير وفق توازن القوى بين الدول الكبرى, والظروف السياسية المتاحة. القضية ان داعش بالنسبة لامريكا هي وسيلة لكسر عظم العدو في المرحلة الانتقالية الراهنة.. ربما تدفع بها اي بداعش الى الصين والمثلث الهندي الصيني, القضية ليس محاربة الارهاب ولا محاربة داعش مقارنة بمحاولة امريكا لتثبثت وتمرير سياساتها, هذه هي ازدواجية السياسات والتكتيكات في المرحلة الانتقالية الحالية.. تسوية في مكان ما وتصعيد في مكان اخر وربما حل لمشكلة ما في هذه او تلك الدولة... وفق توازن القوى الموجودة في المنطقة.

 

بخصوص الاجابة على السؤال بالتحديد ان سياسة امريكا غير متطابقة مع سياسة تركيا في كل ملامحها, سياستان تتقاطعان في جملة من القضايا ويتحالفان في الاخرى. السياسة التركية اتجاه داعش براي لحد الان لم تتغير بشكل جذري بل تغيرت بشكل عرضي لاسباب تكتيكية, بمعنى ان الاتفاق المبرم بين امريكا وتركيا هو اتفاق مرحلي لضرب داعش باستخدام قاعدة انجرليك من قبل امريكا مقابل غض النظر الامريكي عن ضرب القوى القومية الكردية او اطلاق ايادي الحكومة التركية لضرب اهداف "بكك" وحتى "الاتحاد الديمقراطي الكردي" السوري.. هذه هي اللعبة السياسية, ولكن في الرصيف المقابل هناك روسيا وخط سير الغاز الجنوبي الذي يمر عبر تركيا واليونان.. الى اوروبا والتبادلات تجارية معها ناهيك عن أن روسيا كقوة دولية كبيرة يحسب لها الحساب, ولها مصالح تجارية كبيرة مع ايران مايقارب 30 مليار في سنة.. .كل هذه الامور تخلط مع بعضها البعض يضاف اليها العلاقات التركية مع الخليج خصوصا السعودية وقطر. في هذا الاطار الواسع من المصالح المتضاربة والمتصارعة تتحرك تركيا وفق مصالحها القومية في هذه المرحلة التي تمكن اي قوى ان تلعب على حبال عدة.

تركيا بعد مخاض طويل تتحرك الان في اطار ما يسمى بالتحالف الدولي ضد داعش.. الاطار الذي يتحرك فيها اكثر من الدول والقوى, قطر تتحرك وفق مصالحها, تركيا والسعودية ايضا.. امريكا تتقاطع معهما في جملة من المسائل وتتحالف معهما في مسائل اخرى وهناك اختلافات كبيرة في الروية بين هذه الدول ايضا وفرنسا تتحرك ايضا وفق لمصالحها وايجاد موطًا قدم مناسب لها في الشرق الاوسط وهكذا.. على رغم وجودها او دخولها في هذا التحالف فان تركيا توطد علاقتها مع جبهة النصرة القاعدية, بمعنى انها ليس ضد الارهاب حتى اذا نغض نظرنا عن تحركها ضد القوى القومية الكردية, تركيا ليس بامكانها ان تعدل توازن القوى في المنطقة بدون استنادها على عكازة الارهاب الداعشي او النصروي والامر سيان.

 

ان السياسات الامريكية والتركية لحد الان هي بصورة عامة لصالح داعش والارهاب وحركات الاسلام السياسي. القضية ليس ضرب داعش بل كيفية اجتثاثه.. هذه هي القضية الاكثر اهمية والمطروحة امام القوى التي ليست لها مصالح مع الارهاب.. التي تشمل من اليسار البرجوازي الى الطبقة العاملة واحزابها.. القضية ليست ضرب داعش في هذه المنطقة وتقويته في الاخرى, الارهاب يتحرك يتمدد وفق الخط والاطار العام الذي رسم له منذ عقود.. سواء كان القصد التربية والتعليم أو تقوية الاتجاه الاسلامي في الفضائيات والأذاعات او طبع كتب ونشرات وصولا الى دعم وتقوية افغان العرب والقاعدة وطالبان وداعش والاخوان المسلمين...

امريكا بعد مخاض طويل وبعد مؤازرتها لداعش منذ نشوئه او حتى قبل نشوئه, اليوم تهدف الى ضربه وتحجيمه في العراق وسورية ايضا.. ولكن كيف؟ امريكا تهدف الى تحجيمه وفق مصالحها وبقوة المختارة من جانبها.. وهذا يعني القتل والدمار والخراب واستمرار الحروب في المنطقة. لان القوى المختارة ليس موجودة واذا كانت موجودة فهي ضعيفة جداً, والحال كهذا ان تاهيل القوى التي تختارها "اذا لم نقل تختار الارهابيين" يتطلب الوقت, والوقت الاضافي بعد خمس سنوات في سورية تعني نزيف الدم المضاف يعني الخراب يعني تمدد الارهاب.. في التحليل الاخير هذه العملية هي عملية مصالحة مع الوجه الثاني للأرهاب ولو بمسميات غير داعشية.

اما بقاء داعش وتمدده لصالح تركيا الحالي, القوة الوحيدة التي لا يترتب عليها القوانين الدولية ولا المحاكم الدولية ولا يحسب لها حساب هي داعش والجماعات الارهابية الاخرى، عليه ان تمدد داعش لصالح تركيا نظرا لوقوفها بجانب تركيا في محاربتها ضد القوى القومية الكردية وضد التمدد "الكردي" وضد نظام الاسد.. حتى اذا قسناها بمقياس "عدو عدوي صديقي" .. وإن كان هذا الوقوف مباشر او غير مباشر.

ان الوضع السوري يتجه نحو التسوية المؤقتة في المرحلة القادمة وفق الترتيبات الجديدة خصوصا بعد الاتفاق النووي الايراني مع امريكا والغرب. التسوية ليس بمعنى الهدوء والامن والاستقرار بل توافق القوى المتصارعة على ترتيبات معينة في سوريا مثل الاتفاق على بقاء الاسد "بصورة صريحة او غير مباشرة" وعلى مرحلة ما تسمى بالانتقالية, ولكن بدون الامن والاستقرار اللازميين. بمعنى اخر الوضع في سوريا يتجه لصالح النظام في سوريا وفي اليمن لصالح السعودية. تسوية بمعنى تعديل نوعاً من توازن القوى في المنطقة لصالح ايران والسعودية بدون تركيا وقطر لحد الان.. نرى بوادر هذا الدور في اللقاء الاخير بين وزير الخارجية السورية وليد المعلم والعماني بن علوي في مسقط، اللقاء الذي سبقه اجتماع ثلاثي في قطر بين وزير الخارجية الامريكية والسعودية والروسية، وسبقه اطروحات وخطط عدة منها طرح الرئيس الروسي لتكوين تحالف دولي جديد في المنطقة تشارك فيها السعودية وتركيا وسورية التي تكتمل مع اطروحة امريكية جديدة ايضا بالتحالف الايراني السوري التركي..

كل هذه الامور المؤقتة تفرضها الحالة الراهنة, توازن القوى الراهن.. ربما تستمر هذه التسويات في هذه البؤرة او تلك، او تنقطع.. الطبقة العاملة هي القوة الوحيدة التي بامكانها ان تقود الطرف الثالث او القوة الثالثة بين سندان ومطرقة البرجوازية العالمية منها او المحلية.

مقالات