نادية محمود

من الربيع العربي الى الصيف العراقي، وايصال الجماهير الى تحقيق اهدافها

لم تكن هنالك تظاهرات اكثر من "الربيع العربي" ماعطانا نسائم منعشة للامل بان الجماهير بامكانها التغيير، بقيامها بالثورات واسقاطها دفعة واحدة عدة رؤساء دول عربية. وليس هنالك من سؤال طرح نفسه وباستمرار اكثر من: كيف انتهت تلك الثورات المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية الى وصول اكثر القوى الرجعية ومعاداة للجماهير بعد كل تلك الثورات العظيمة.

اليوم الصيف العراقي يميط اللثام مرة اخرى، وبشكل تام عن ان الجماهير غاضبة. وانها قادرة على ان تخرج للشارع وبالملايين لتعبر عن غضبها وسخطها. التظاهرات شهدت شعارات لم تشهدها من قبل من قبيل "باسم الدين باكونا الحرامية" اي باسم الدين سرقنا اللصوص. قام المتظاهرون فعلا بطرد بعض من رجال الدين المسيسين من ساحات الاعتراض، والنداء بان يرفع اخرون من رجال الدين من قادة الاحزاب الشيعية يدهم عن المجتمع. انها شعارات جديدة وجريئة رفعتها الجماهير بعد ان اكتشفت ولمست لمس اليد وبنفسها بعد ان ذاقت الامرين على ايدي قوى الاسلام السياسي الحاكمة.

الجماهير تريد ماء وكهرباء وفرص عمل ودفع اجورهم. انها مطاليب لم نعدم ان نجد من الحكومة من يؤكد على احقية الجماهير بمطلبها. المرجعية الشيعية في العراق على لسان خطيبها تقول للحكومة ان الناس معها حق بمطاليبها وان للصبر الحدود. بعض رجال الدين السياسيين ايضا انضموا الى التظاهرات، وان كان البعض اخرج منها والصيحات خلفه بانهم لصوص.

الا ان السؤال المهم والبالغ الاهمية هو من سينفذ مطاليب هذه الجماهير؟ على من يجري تعليق الامال بتنفيذها؟ نعم ان الحكومات دائما وابدا تضطر الى تقديم التنازلات امام الجماهير لتتلافى الاسوأ لها، ولتديم سلطتها باعطاء بعض التنازلات مقابل بقائها على قيد الوجود. في تظاهرات 25 شباط 2011. قامت الحكومة انذاك بتقديم تنازلات من قبيل اطلاقها لجملة من القرارات حول توظيف العاطلين عن العمل، صرف مبالغ مالية لكل فرد، زيادة مفردات البطاقة التموينية، ووضع الحكومة لنفسها تحت مراقبة المجتمع خلال مدة الـ 100 يوم حتى يحقق للمتظاهرين ما يريدون. في كردستان العراق ايضا اقرت في شهر واحد ما لم تقره حكومة كردستان بسنين، تعيين الاف الخريجين في وظائف الدولة و الاقرار باعطاء ضمانات بطالة للعاطلين عن العمل، اصدار قانون منظمات المجتمع المدني والخ.

لذا لا احد يجادل في شرعية المطاليب وحقانيتها، لكن السؤال هو كيف سيتم فرض الاستجابة على هذه المطاليب. السؤال هو كيف تتحول قوة هذه التظاهرات ليكون لها تاثير حقيقي بحيث تؤرق ليل اولئك المتسلطين على كرسي الحكم؟ ان ما لايريده المتظاهرون هو ما ان يخبو وهج التظاهرات، ما ان يعود المتظاهرون الى منازلهم ليستانفوا حياتهم اليومية، تستأنف الحكومة ذاتها ايضا اعمالها و مهامها.

لذا ان الاسئلة التالية تستحق الطرح: هل لدى المتظاهرين الشعور بانه يتوجب اخذ زمام الامور بايديهم؟ خاصة وانهم يهتفون وهم على حق بان ساسة الحكم في العراق حرامية.

ان وضع العراق لا يشبه وضع اية دولة اخرى. انها حكومة مقسمة على ذاتها الى عشرات الاقسام والاقسام مقسمة الى اقسام فرعية اخرى كل يبحث لنفسه لحصة من السياسة. السياسة بالنسبة لهم بزنس وعمل. انها مصدر معيشة وتامين حياة. لذلك شعارهم خذ اكثر مايمكن باسرع مايمكن. وهذه الحكومة لن تستطيع الا ان تكون حكومة محاصصة كل يغض الطرف عن الاخر لتمشية الامور. اما العبادي هو وحزبه جزء من عملية التدمير والمنظم الشامل الذي قامت به الاحزاب الاسلامية الشيعية وبقيادة حزب الدعوة ذاته الذي كان ولازال يقود الحكومتين السابقتين والحالية. لذا فان تعليق الامل على العبادي وكانه منقذ العراق، امل ليس في محله. لان، حتى لو افترضنا حسن نيته، فان العبادي محاط ومن اربعة جهات باللصوص والحرامية. الرجل مقيد الايدي، لا يمكنه عمل شيء خارج دائرته السياسية الطائفية الشيعية التي اثبتت فسادها بشكل واضح وضوح الشمس.

الامل معقود على الجماهير المتظاهرة وقدرتها على دفع مطاليبها للامام بايجد اليات للضغط وارغام الحكومة على ان تستجيب. والسؤال الاكبر من ذلك هو هل فعلا هذه الحكومة قادرة على احداث تغيير. انهم في الحكم رسميا منذ عام 2005 ولحد الان. الحكومة القديمة هي الحكومة الجديدة. الفرق هو جلوس الاشخاص في كراسي مختلفة. فالسؤال اذن هل يمكن لهذه الحكومة الاستجابة لحاجات الناس بتوفير الماء والكهرباء والخدمات؟

نعم ان التظاهرات عفوية ولكن هذا لا يمنع ان تنتهي الى ان يكون لها قيادة لتتعقب سير الامور. يجب ان تسفر هذه التظاهرات عن التعريف بممثليها، ان كانت الاحزاب غائبة، عن الناطقين باسمها، عن المفاوضين مع الحكومة باسمها. ان يكون لهؤلاء رؤية عن "ما العمل".

لن تستطيع الجماهير في مدن بغداد والبصرة وذي قار وميسان والمثني والنجف وكربلاء وبابل، ان تتظاهر في الشارع الى اليوم الذي يتم فيه ايصال شبكات الكهرباء التي تحتاج الى هدم برمتها وبناء شبكة جديدة، لان الشبكة القديمة لا تستطيع تحمل اعباء الطلب على الكهرباء حيث استهلاك البيوت من الكهرباء هو اضعاف مضاعفة عن قدرة تلك الشبكات، التي بنيت قبل نصف قرن حين كانت المروحة الكهربائية هي جهاز التبريد في البيت.

يجب الادامة والبناء على هذه التظاهرات، يجب ان يتوصل المتظاهرون الى قيادة لها، تتابع سير الحكومة وعملها، بعد ان يمضي كل الى بيته. ان لم تفعلها الاحزاب، وان لم تريدو الاحزاب ان تتدخل بها، قوموا بها انتم. لذا، يجب تطويرها من العفوية الى التنظيم. بدون تنظيم تذهب كل الجهود ادراج الرياح. ان لم يتم ايصال هذه المطاليب الى تحقيق جزء منها. سيصاب الناس بعد حين بفقدان الامل. كما كانوا يعلقوا امالهم على الانتخابات وكأنها تعلن ولادة مسار ديمقراطي، ثم انتهت امالهم بامكانية الانتخابات جلب من يريدون. سيفقدون في الغد املهم بان التظاهرات ستحرك الامور من الف الى باء. حتى تكون لديها لرؤية سياسية واضحة، وتركيز على الشعارات، و حتى لا تغير شعاراتها ومطالبها كل يوم جمعة. ان الهتافات وحدها لا تكفي، يجب ان تلقى قائمة المطاليب، ان يوقع عليها، ان يتم اختيار ممثليها، حتى يمكن متابعتها لمعرفة تاثيرها لاحقا.

يجب ان تسفر هذه التظاهرات عن حدوث تغيير. ستعطي الحكومة وعودا، وسيحيلون المتظاهرين الى الجلوس في قاعات الانتظار، تحت حر الصيف وبرد الشتاء.

انتم نظمتم وقدتم التظاهرات، قودوها الى النهاية. وان لم يكن بالامكان ذلك، فان خطوات مثل دعوة القاضي رحيم العكيلي بمحاكمة المالكي، هي خطوة مهمة. بشرط الشروع والعمل وتعبئة القوى لتنفيذها لهي عمل ضاغط على الحكومة بهذا المسار. المسالة هي ادامة زخم هذه التظاهرات لتصل الى اهدافها، ان لم يكن كلها، فجزء منها.

مقالات