شاكر الناصري

افتحوا الأبواب،لاتكبلوا التظاهرات بأسوار الخوف!

المطالبة بالحقوق وكشف فساد النظام السياسيّ، حتّى في أعرق البلدان الديمقراطية في العالم، لايمكن أن يكون دون قيادة أو تخطيط وخارطة طريق، تفضي إلى أشياء ملموسة على ارض الواقع. لايمكن أن يترك للتكهنات والنوايا الحسنة وللخوف من التسييس وابعاد الآخر المختلف، فما بالك حين يكون هذا الآخر هو من يمسك بزمام السلطة ويستعد لفعل المستحيل من اجل الحفاظ عليها!

ما حدث في ساحة التحرير ببغداد عصر يوم الجمعة، هو محاولة أولى من التيارات والقوى الإسلامية لجس نبض من يتواجدون في هذه الساحة وإختبار قدرتهم وإمكانياتهم على المواجهة، التي يمكن أن تتطور باتجاهات اخرى. ما حدث كان محاولة قوى السلطة لتحويل مسار التظاهرات واهدافها وتشتيت قواها بالعنف والقوة والتهديد!! "يوم أمس،كتبت عن هذا الأمر وعن استعدادات هذه القوى للزج بعناصرها للّعب دور مؤثر في التظاهرات، كما ادعت، وكما حدث في ساحة التحرير في بغداد وميدان الحبوبيّ في الناصريّة".

من عاش تجارب تونس ومصر أو شاهد وقائعها عبر شاشات التلفزيون، عليه أن يتعلم الدرس جيداً، عليه أن يفهم أن قوى السلطة لن تسمح لك بتجاوز الحدود والخطوط الحمراء التي رَسمتها، مالم تكن قادراً على ذلك، ومواجهتها بشكل مباشر، بمعنى إن عليك الإرتقاء بقدراتك السياسية والتنظيميّة لفرض مطالبك ومواجهة السلطة وعدم التباطؤ والشعور بالعجز، ما أن تصل إلى أسوار تلك السلطة، التي يتوجب عليك مواجهتتها، ببديلك السياسيّ القادر على تحقيق الأهداف التي ناضلت وتظاهرت وتحملت الكثير من الأعباء من أجل تحقيقها!
ما يحدث في العراق ومنذ عدة أسابيع، اننا إزاء حالة حرب حقيقية وجدية ومصيرية على الصعيد السياسيّ والاجتماعيّ، حرب بين السلطة وقواها التي تواجه معضلة اثبات البراءة من كل التهم الكارثية التي تواجهها ووضعتها امام مأزق حقيقي كشف عن هزال مشروعها وإنهياره، سياسياً واجتماعياً. قوى كهذه لاتمتلك القدرة ولا الرؤية الصحيحة لاستشراف المستقبل والتعاطي معه بروحية متحضرة ومرنة، بل إنّها تسير بإتجاه التحول إلى قوة قامعة ومستبدة تدافع عن سلطتها وإمتيازاتها وثروات عناصرها.

علينا جميعا أن نفهم، أن العراقيّين لايعيشون في ظل دولة اعتيادية، ولكنّهم إزاء سلطة أحزاب ومليشيات وقوى خارجة على القانون وتمكنت من إبتلاع الدولة بشكل كامل، هذه القوى، تقاسمت السلطة والثروات والوضائف العامة، ولم يعد لديها ما تقدمه للمجتمع الذي تحكمه سوى الإرهاب والتخويف المتواصل والتهديد بالقمع.

حتّى وعود الاصلاح التي أطلقها العباديّ، فانها لم تكن سوى محاولات لكسب الوقت وتسكين التظاهرات والتشويش عليها. العباديّ في خاتمة المطاف هو ابن القوى التي تحكم وأحد رموز الحكم الطائفيّ، رغم كل كل المساعي البائسة لتحويله للبطل المنقذ!

ما حدث يوم أمس، أسقط فرضية الكثير من المتظاهرين أو الذين يَدعون للتظاهر، وكانو يتعاملون مع الموضوع وكأنه ممارسة ديمقراطية وفي بلد عريق بالديمقراطية وأسسها وتجسيدها الاجتماعيّ والسياسيّ!، ولكنها في حقيقة الأمر لم تكن نزهة للمطالبة بحقوق أو اصلاحات سياسية، كما يتصور البعض، انه صراع سياسيّ يمس جوهر السلطة القائمة ونفوذ قواها وامتيازاتها وتوافقاتها!. صراع لمواجهة الفساد وقواه، صراع كهذا، يحتاج إلى تصورات وأفكار وتوقعات تعبر اللّحظة القائمة!

افتحوا الأبواب والقنوات للتعاطي مع ما يطرح من تصورات ومقترحات لاتهدف في النهاية، إلاّ لتطوير التظاهرات والبدائل والأهداف التي انطلقت من أجلها.

مقالات