نادية محمود

دخول الميلشيات الشيعية الى ساحات الاحتجاجات ينقل التظاهرات الى مرحلة جديدة

دخول المعممين والميلشيات هذا الاسبوع الى ساحات التحرير والتصدي للتظاهرات في العراق واستخدامهم للعنف بالاعتداء بالهراوات والمقصات والسكاكين على المدنيين المتظاهرين، دفع الصراع الى ان يكون اكثر شفافية واكثر قساوة بين الجماهير المحتجة والميلشيات الشيعية، الفصيل العسكري المدافع عن مصالح الحكومة والاحزاب والمرجعية الشيعية..
لقد اخرج المتظاهرون في اوائل ايام التظاهرات المعممين من الميلشيات الشيعية، مثل واثق البطاط، بالهتافات وبرميهم بالقناني والزجاجات الفارغة من ساحات الاحتجاج، اليوم، بعد ان تمكنت هذه الاطراف من التقاط انفاسها خلال الاسابيع القليلة الماضية لتظهر اليوم الى ساحة التحرير والساحات الاخرى في العراق رافعة شعاراتها ومستخدمة العنف ضد المتظاهرين، الذي دأبوا ينادون "سلمية سلمية". عادوا من جديد وبشكل مسلح ليتعرضوا للمتظاهرين ويتحرشوا بهم ويعتدوا عليهم. ان هذا يعطي دلالة قاطعة بان صراع الجماهير المحتجة هو ليس بين الحكومة واعضاء البرلمان فحسب بل انه صراع مع طبقة اوسع، طبقة تشمل ميلشيات ورجال دين ومرجعيات واعوان سلطة ومريدين ومستفيدين من هذه السلطة.
لم يتجرأ احد من البرلمان والحكومة على استنكار مطاليب الجماهير. كلها ابدت موافقتها على مطالب الجماهير، وكلهم تحدثوا عن محاربة الفساد، وعن مشروعية المطاليب بالخدمات والكهرباء. وكأن الفساد واللصوصية كان يقوم به اناس من المريخ.
لم يتجرأ احد من اعضاء البرلمان للتصويت ضد "اصلاحات" العبادي. لانهم يعرفون حجم السرقات والفساد التي تورطوا فيها على امتداد عقد من الزمن. ولانهم يعرفون انهم ليسوا رجال مسؤوليين عن دولة وادارة شؤون مجتمع. انهم يعرفون ان كل كان يسعى لان يستثمر موقعه السياسي لتحقيق منافع ومكاسب شخصية. لم يقصر المتظاهرون وغير المتظاهرون من اعلان ارقام ومعلومات عن الاملاك التي جناها تلك الشخوص جراء مواقعهم بالسلطة.
الا ان الميلشيات الشيعية ومن يقف خلفها استكثرت "اصلاحات" العبادي البائسة على الجماهير المحتجة، والتي هي اساسا لا صلة لها بمطاليب الجماهير المطالبة بشروط حياة افضل. لتهب كخط دفاعي عسكري هذه المرة لتدافع عن الحكومة والبرلمان والمرجعية، باستخدام العنف.
لذا تدخل الجماهير اليوم معركة حقيقية مع السلطة الحاكمة، معركة تحرك فيها فصيل اخر مدافع عن الحكومة، هذه المرة ليس البرلمان، وليس الحكومة وليس رئيس وزراءها، هذه المرة هي الميلشيات، الظهير القوي للاحزاب الشيعية وحكومتها وبرلمانها ومرجعيتها.
فهذا الجمع البرلماني والحكومي والمؤسسة الدينية هي ليست بدون ظهير عسكري. الان حين حانت الساعة، جلبوا وادخلوا ميلشياتهم الى الساحة. ان استخدموا اليوم سلاح السكاكين والهراوات والمقصات، سيقومون غدا باستخدام اسلحة اكثر قساوة، ان ذلك يعتمد الى حد كبير على توازن القوى بين المتظاهرين وحزم مطالباتهم وبين الميلشيات، القوة التي اريد لها ان تكون قوة قمع وقوة ردع للجماهير المتظاهرة.
كما رأينا ان الجيش العراقي كان بلا حول ولا قوة لمواجهة داعش، واستحدث الحشد الشعبي لمقاومة الاخير. يبدو ان الحكومة وجدت حاجة ماسة الى جلب "حشد شعبي" لمقاومة تظاهرات ساحات التحرير المحتجة، لاسكات المتظاهرين واعادتهم الى خنوعهم السابق.
اليوم خرجت الميلشيات، كقوة عسكرية ضاربة ومدافعة عن الحكومة. هذه هي القوة التي يلجأ اليها البرلمان والحكومة والعبادي. هذه هي القوة الحقيقية التي حمتهم طيلة الاثني عشر سنة الماضية والتي تحميهم الان.
ليس في العراق فحسب بل في ايران ذاتها، تتابع الحكومة والمرجعية والميلشيات تطور التظاهرات، تتابع الحكومة تلك التظاهرات وبقلق بالغ. تقول الحكومة الايرانية ان المتظاهرين هم انفار من غير المسلمين وهم يتظاهرون ضد الاسلام. انهم يحاولون قدر امكانهم تعمية الحقيقة. لان مايجري من تظاهرات ومارفع من شعارات اثار ويثير مخاوف حقيقية في ايران كما للاحزاب والمرجعية الشيعية في العراق.
اثنا عشر عاما من حكم الاحزاب الشيعية وسعيها بكل الوسائل وباستخدامها وسائل الاعلام وقنواتها الطائفية، ومرجعياتها، وبميلشياتها، ورغم كل سعيها لخداع وتحميق الجماهير، ترى الاخيرة في كربلاء والنجف، وهي عواصمهم الاقتصادية - الدينية، ينادون "ايران برا برا كربلا تبقى حرة"، او "بـاسم الدين باكونا الحرامية" او "لا شيعية ولاسنية.. دولة مدنية" او "دولة علمانية". اثنا عشر عاما من الضخ الطائفي الاعلامي الشيعي والارهاب الشيعي، ولازالت الجماهير تخرج الى الساحات، رجالا ونساء محجبات وغير محجبات وينادون بهذه المطاليب. ان هذا يجعل الاحزاب الشيعية تصفق يدا بيد ولسان حالهم يقول "كانك يازيد ما غزيت".
ان السلطات الشيعية في العراق، كما في ايران، يرون تماما ان هذه ليست شعارات فارغة او انية. هذه شعارات تعكس غضب ورفض متراكم قابل للانفجار باي لحظة لتقلب الطاولة عليهم كلهم، احزابا وميلشيات ومرجعية. لم ننسى كيف هتفت الجماهير التي صوتت للاحزاب الشيعية بناء على طلب المرجعية، بـ "قشمرتنا المرجعية وانتخبنا السرسرية". حين رأت ولمست مدى النهب والفساد الذي قامت به هذه الاحزاب التي دعت المرجعية الى التصويت لها.
ان المعركة في غاية الجد. لكن ليس من شيء يمكن قوله الان، حيث سنرى كيف سيكون مسار التظاهرات في الايام القادمة. الا انه يمكن القول ان حسن حظ هذه الميلشيات والاحزاب الشيعية والمرجعية يكمن فيما يلي:
ان الجماهير لازالت تتحرك بشكل عفوي، وانها لازلت واهمة بان حركتها هذه ليست حركة مسيسة، (اغلب ظني انهم يقصدون انها ليس متحزبة) فهذه التظاهرات تقطر سياسية. الخروج في تظاهرة هو امر سياسي. رفع شعارات هو امر سياسي. فالسياسة ببساطة تعني ان تقوم بعمل ما لتغيير امر ما. من حسن حظ الميلشيات ان الجماهير المتظاهرة لازالت واهمة بان العبادي يمكن له ان يفعل شيئا وتعلق عليه الامال.
من حسن حظ الميلشيات ان بعض المتظاهرين لازالوا يعتقدون بان دعم المرجعية لهم هو نابع من رغبة اصيلة للاستجابة الى مطاليب الناس. قد يكون هذا الامر صحيح، ولكنه ليس منزه من اهداف المرجعية ذاتها. ان العودة الى زمن "التقية" لهو كابوس بالنسبة للاخيرة. لا تريد العودة الى تلك الايام. انها تعتقد ان اي حكم غير شيعي سياتي للسلطة سيضعها تحت الاقامة الجبرية او يقوم بالقتل كما فعل النظام السابق. من حسن حظ الميلشيات ان قسم من المتظاهرين لازال يعلق امالا على العملية الديمقراطية والمؤسساتية والدستورية.
حين تصل الجماهير الى نتيجة مفادها ان العفوية واللاتسييس، ورفض الاحزاب والتحزب، انما يصب في المطاف الاخير لصالح الاحزاب الاسلامية الشيعية النهابة. سيكون ذلك وقتا صعبا للميلشيات.
حين تصل الجماهير المتظاهرة الى قناعة مفادها بان تظاهراتها هي امر سياسي، وضد وضع سياسي معين. ولاجل اهداف سياسية.ستعلن سياسية مظاهراتها. نعم اصبحت الكهرباء مطلب سياسي والماء مطلب سياسي وفرص العمل مطلب سياسي والصحة امر سياسي والتعليم امر سياسي والنظافة امر سياسي. ان كل هذه الحقوق لم تعطى لاسباب سياسية. لان هنالك حكومة انشغلت بالسلب والنهب ولم تقم باي عمل تجاه هذه المطالب.
حين تصل الجماهير الى حقيقة انها بحاجة الى حزب يمثل مصالحها وارادتها وينظم ويبرمج ويقود نضالها، كما تقوم الاحزاب الشيعية بهذا الامر بالضبط، عندها ستقوم الجماهير بما لم تقم به بعد، وسترى الميلشيات ما لم تره بعد.
حين تصل الجماهير الى تلمس الحقيقة التالي هي ان المشكلة ليست في حكومة العبادي او المالكي بل في النظام الرأسمالي نفسه، الذي يقوم اساسا على السلب والنهب وحرمان الملايين من مستلزمات حياة مرفهة، سيكون لها موقفا وتصرفا اخر مع النظام والطبقة كلها، الطبقة الرأسمالية وايديولوجيتها الاسلامية. حينها ستتصرف الجماهير بشكل اخر، تبدو معه التظاهرات في ساحة التحرير مجرد تشمس في الهايد بارك كما يقال..
حين تصل الجماهير الى ادراك حقيقة ان وظيفة المرجعية هي اعطاء الغطاء الايديولوجي لهذه الاحزاب الشيعية وميلشياتها واعلامها وقضاتها. وحين تدرك الجماهير أن المرجعية مسيسة تماما، وانها في خندق واحد مع الاحزاب الشيعية بشكل مباشر او غير مباشر، عندها سيكون للجماهير كلام اخر مع المرجعية.
حين تصل الجماهير الى الحقيقة التالية وهي ان الميشليات الشيعية هي اجهزة عنف حالها حال الجيش العراقي الذي استخدم لقمع انتفاضة اذار 1991، وانها هي خط الدفاع العسكري عن الحكومة والطبقة السياسية الشيعية. عندها ستتصرف ألجماهير بشكل اخر.
ان من حسن حظ العبادي وحكومته وبرلمانه والمرجعية والميلشيات وقضاتهم واعلامهم وكل طبقتهم الحاكمة في ايران وفي العراق ، ان الجماهير لازال امامها الكثير لتشتغل عليه، قبل ان تعاملهم معاملة جادة وحقيقية، لا تنتزع فيها حقوقهم منهم، بل تنتزعهم من اماكنهم التي احتلوها بفضل الاحتلال الامريكي الذي جلبهم للسلطة باسم "الشيعة في الجنوب والكرد في الشمال"..
ان امام الجماهير، والطبقة العاملة تحديدا، والقوى الشيوعية على وجه التعيين، الكثير لتشتغل عليه.
ان اخراج المجتمع من هذه الاوضاع الصعبة واللاأنسانية، لهو معقود على الطبقة العاملة، على ملايين الشباب العاملين والعاطلين عن العمل، على النساء، على القوى المتمدنية والتحررية، وفي مقدمتهم القوى الشيوعية.
عاش نضال الجماهير في العراق من اجل عالم افضل..

 

مقالات