فارس محمود

لنمضي لما بعد العبادي!

زار حيدر العبادي مدينة البصرة. وقد كانت هدف زيارته واحداً وواضحاً. وهو الامر الذي اثار احتجاج ونقمة وسخط الكثيرين من اهل البصرة. انها زيارة هدفها بث التطمينات للشركات النفطية في البصرة بان "لاخطر عليكم"، وان "الحكومة وبكامل امكانياتها ستتصدى لكل من يتعرض ويهدد عمل شركات النفط". ان هذا امراً مفهوماً ومتوقعاً.
بيد ان اعتراض الكثيرين يمكن ايجازه بالتالي: "لماذا لم يزور أهالي البصرة ويرى ماهي مشكلاتهم"، "لماذا لم يزور خيمة الاعتصام وفقراء البصرة"، "كنا ننتظر ان يأتي ليحل مشكلة الملوحة والبطالة والتقاطعات السياسية" ولهذا تحدث البعض عن "سحب التفويض الذي اعطوه له"!
انه اعتراض في غير محله فالأولوية التي مابعدها أولوية بالنسبة لحكومة الراسمال والنهب المنفلت هي السهر على عمل شركات النفط وتعاظم الأرباح والنهب والفساد، وليس حال احد من "الفقراء" و"المعتصمين"،. ان هذا تطلع في غير محله.
يجب ان لايغيب عن بال احد ان العبادي نفسه هو ابن الطبقة الحاكمة نفسها التي أوصلت المجتمع لما هو عليه اليوم، جراء نهبها لثروات المجتمع وفسادها واستهتارها بابسط مباديء الحكم والسلطة وغيرها. ولهذا يتحمل المسؤولية كاملة كسائر اقرانه في العملية السياسية تجاه الوضعية الراهنة. ان تحول اليوم الى "المنقذ"، وهو الدور الذي اكبر منه بكثير وكثير وكثير وسط حيتان النهب والجريمة المنظمة، فهو جراء هجوم جماهير العراق الكادحة والمحرومة على الهيئة السياسية الحاكمة ومنازلتها الصريحة والواضحة والمباشرة في الشارع.
لقد لبس العبادي رداء هذا الدور الفضفاض والاكبر منه لان "الحديد اصبح حامياً" ولايمكن دون القيام بشيء ما من شأنه تخفيف غلواء الجماهير ونقمتها، امتصاص غضبها وسخطها. وعليه ان يتصرف، لان بوسع هجوم مثل هذا ان يطيح بكل السلطة القائمة، ببرلمانها وحكومتها، بكل العملية السياسية الراهنة الملطخة بدماء وجوع وفاقة الأغلبية الساحقة للمجتمع.
ولهذا فان التطلع كثيراً من العبادي هو تطلع في غير مكانه. ان "تفويضه" لكي يرد على كل هذه الوضعية وملفاتها والبطالة و"ملوحة أراضي البصرة" هو "تفويض" الشخص بما هو ليس قادر عليه. انه وهم للأسف ينبغي ان ازاحته فوراً من اذهاننا واذهان المجتمع.
والادهى من هذا انه يأتي العبادي للحديث عن "البعض يقف ضد تطور العراق"! لاضع جانبا الان ان قصده من "تطور العراق" ليس هو رفاه المجتمع، انهاء البطالة وان ينعم العامل والموظف والمتقاعد والشاب بالضمانات الاجتماعية، بل ان يرسل ملايين براميل النفط يومياً، تزول فيه الازمة في السلطة الحاكمة، ولديه جيش قوي وأجهزة قمع تسير المجتمع وتفرض "الطاعة" على اي معترض على جوع وفقر وانعدام حقوق وحريات والخ. ولكن السؤال المطروح: هذا امر متوقع، ان يقف البعض ضد "تطور العراق"! ولكن ماذا فعلت انت (بوصفك احد الشخصيات القيادية الأساسية في الحزب والسلطة) وماذا فعل حزبك، حزب الدعوة، تحالفك "الشيعي" من اجل تطور العراق طيلة مايقارب من عقد؟! ان من وقف امام تطور العراق هو انتم، باحزابكم "الشيعية" وتحالفكم الوطني وسلطتكم! انتم من كنتم المصيبة والبلاء على راس هذا المجتمع، ولستم المنقذ له! طبعا لا اتحدث عن الأطراف الأخرى في خلق هذه المصيبة، لان هذا ليس موضوعي هنا.
على جماهير العراق والمتظاهرين ان يعبروا ورقة العبادي بسرعة، العبادي الذي لم يخجل، في الوقت الذي تمضي الجموع تلو الجموع نحو الساحات العامة في مدن العراق ضد هذه السلطة، كان يتحدث عن ان رده هو "تلبية لنداء المرجعية"! التي تذكرت اليوم بعد التظاهرات، هذه التظاهرات التي قد تطيح ليس بالسلطة فقط بل تطيح بالمرجعية نفسها واعتبارها ومكانتها على صعيد اجتماعي واسع، هذه المرجعية التي تذكرت اليوم ضرورة ان يضرب العبادي "بيد من حديد"! "تلبية لنداء المرجعية" هو تنكر وعدم احترام تام لحركة الجماهير التي نزلت للشارع بصدورها المفتوحه للشوارع. لقد تحدثوا عن إحالة ملف الموصل وفيه اتهام للمالكي وغيره بسقوط الموصل، هاهم يصلون الى اتفاق بشطب اسم المالكي من هذه القضية!! ان دليل على بؤس حركة العبادي هذه.
قد يستطيع العبادي ان يضرب على هذا اليد او تلك من السراق من الدرجة العاشرة، بيد انه اعجز ما ان يوجه ضربة ملحوظة للفساد والنهب. انه فساد ونهب بنيوي مقنن في طبيعة الهيئة الحاكمة باحزابها وتياراتها الطائفية والقومية. ليس العبادي "رجل الإصلاح الموعود"! انه رجل لامتصاص غضب الناس واحتجاجها وصيانة السلطة بعد اجراء تعديلات خفيفة لاترى بالمجهر! ينبغي ان يكون هذا واضحاً للجميع.
هذه العملية لايمكن إصلاحها قط. وعلى جماهير العراق ان تفكر جيدا وتمضي سريعاً صوب تعميق نضالاتها واحتجاجاتها، لتشمل لا المدن والاقضية، بل لتشمل كل مفاصل حياة المجتمع، في المعامل، المصانع، الجامعات، الدوائر، الاحياء والمحلات وتحويلها الى حركة احتجاجية عارمة تطيح بكل المستنقع الفاسد في المنطقة الخضراء. السعي في خضم هذه العملية اغلاق دور المحافظات، مجالس البلدية وغيرها التي هي مراكز أساسية للنهب وسلطة هذه القوى، مثلما جرى في بعض المدن. لنسترد المرافق الحياتية من ايدي هذه السلطة المتعفنة ونحول إدارة المجتمع للمجتمع نفسه. في هذا المجتمع من الطاقات والامكانيات مابوسعها ان تديره افضل بمليون مرة من هذه السلطة. وفي الحقيقة ان هذه السلطة لم تاتي للإدارة بقدر ما أتت للحكم والثروة والنهب.
ان العبادي عديم الحيلة ومرحلة العبادي البائسة لتمييع احتجاج الجماهير المحتجة والساخطة هي مرحلة عابرة جدا، لتعبرها الجموع الساخطة والمحتجة بسرعة وفورا.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015