سمير عادل

مقتدى الصدر.. القوة الأحتياطية المعادية للأحتجاجات الجماهيرية

للمرة الثانية تسقط ورقة التوت، ويفضح معها مواقف مقتدى الصدر احد عرابي خيمة تحالف الاسلام السياسي الشيعي الحاكم في العراق. الاولى كانت عشية انتفاضة شباط 2011 وما جرى بعدها حيث قتل 19 متظاهر وجرح العشرات اضافة الى اعتقال وتعذيب المئات، والثانية اليوم اي بعد اربع سنوات من تلك الانتفاضة العظيمة، عندما يدعو مريديه بتنظيم مظاهرة مليونية يوم الجمعة القادم ضد فساد القضاء حسب تعبيره. وقبل ان نستعرض مواقف الصدر لشحذ ذاكرة العالم وان يحكم بنفسه عليها، نطرح سؤال بسيط اين كان الصدر منذ خمسة اسابيع من الاحتجاجات التي تجتاح محافظات ومدن واقضية ونواحي وقرى "مظلومية الشيعة" ضد الفقر والفساد والطائفية؟ لماذا لم يدعو الى تظاهرة مليونية، والتي لا يمكن ان يجمع بضعة الاف، وهذا عن طريق توفير وسائل النقل وتوزيع الهبات والعطايا على المحرومين والعاطلين والمعوزين مثلما حدث في تظاهرة "الشكر" للمالكي في 13 ايلول من عام 2011. والجواب واضح ولا يحتاج الى الكثير من العناء للتفكير، بأنه كان ينتظر مثل ميليشيات عصائب اهل الحق "ساعة الصفر" كي يتدخل عندما تتحول رياح اتجاه الاحتجاجات ونصالها الى دك قلاع الفساد وقلع جذوره، بعد ان امتزجت المطالبة بالقضاء على الفساد مع ارتفاع بعض الاصوات بالقضاء على الطائفية وانهاء سلطة الاسلام السياسي الشيعي والى الابد في العراق، والتي هي سبب بلاء وماساة جماهير العراق. وتزامن اعلان تظاهرة مقتدى الصدر مع التهديدات التي تطلقها مليشيات عصائب اهل الحق في شوارع بغداد لمن يطالب او يرفع شعار دولة مدنية علمانية. وهذا ما ارعب جميع فصائل الاسلام السياسي الشيعي من تحول رياح الاحتجاجات، فراح الكربلائي والصافي منذ الايام الاولى للاحتجاجات يتهجمان على الاحتجاجات وعلى العلمانيين، وبعده التحق بهما قيس الخزعي صاحب مليشيات عصائب اهل الحق ليهدد بشكل مباشر عبر مقابلة تلفزيونة قبل ايام ليقول بأن الحزب الشيوعي العراقي يقف وراء التظاهرات، مما دفع الاخير بالبراءة منها والاعلان بانه اي الحزب الشيوعي العراقي على تنسيق مع قيس الخزعلي حسب تصريحات جاسم الحلفي العضو القيادي في الحزب المذكور.
ان مقتدى الصدر الذي احترقت اوراقه السياسية منذ زمن بعيد يحاول اعادة انتاج هيبته ونفوذه داخل خيمة تحالف الاسلام السياسي الشيعي وفي الشارع العراقي، عن طريق لعب دورا وهو الحيلولة دون انهيار خيمة تحالف الاسلام السياسي الشيعي مثلما لعب دورا في عدم اسقاط انتفاضة 25 شباط لحكومة نوري المالكي الغارقة في مستنقع الفساد. لنتابع معا مواقف التيار الصدري وزعيمه مقتدى عشية انتفاضة 25 شباط 2011 وتطابقها مع مواقفه اليوم من الاحتجاجات الجماهيرية..

ففي 23 شباط اي قبل يومين من الانتفاضة وتجمع مئات الاف في ساحات التحرير في بغداد وصلاح الدين وكركوك والبصرة والديوانية وبابل والموصل، صرح بهاء الاعرجي العضو القيادي في التيار الصدري وعضو البرلمان والنائب السابق لرئيس الوزراء واحد اعمدة الفساد في العملية السياسية، وحيث علقت عليه نشرة "يوميات الانتفاضة" العدد 2 بسبب تصريحاته "اتهم بهاء الاعرجي عضو البرلمان العراقي بأن من يقف وراء تظاهرات 25 شباط هو الاحتلال! وهنا يطرح سؤال لماذا اختار الاحتلال؟ ولم يختار مثل زين العابدي بن علي او مبارك او القذافي بوجود جهات اجنبية وراء الاحتجاجات الجماهيرية؟ هل مطلب اعادة ما سرق وما نهب من البطاقة التموينية ام مطلب دعم اسعار الوقود هو مطلب الاحتلال ام مطلب الملايين من العراقيين. اليس احد مشاريع الاحتلال الاقتصادية هو تدخل صندوق النقد الدولي في العراق والذي يحاول ان يفرض الغاء البطاقة التموينية ورفع دعم اسعار الوقود. وان من فرض قانون الارهاب والذي سمي 4 ارهاب هو الاحتلال وتطالب الجماهير بالغائه، لان تحت عنوانه اعتقل وعذب الاف في السجون السرية. وان اول المفسدين كان بول بريمر الذي اختفى في عهده 12 مليار دولار وعندما سئل عنها قال لا اعلم. ولذلك تطالب الجماهير بالقضاء على الفساد والمفسدين وهو احد المطالب التي ترفعها الجماهير. فكيف للاحتلال يد في هذه المطالب العادلة للملايين من جماهير العراق يا سيد بهاء، فقبل الامس ساندت المطالب اما بالامس وقفت ضدها. لماذا يا ترى!"

وفي عدد 188 من نفس النشرة بتاريخ 28 اب 2011 "بعد الدعوة الى تجديد الاحتجاجات في 9 ايلول من قبل المنظمات والاطراف والفعالين والنشطاء في الحركة الاحتجاجية، دخل على الخط وكالعادة مقتدى الصدر ودعى هو الاخر قبل يومين الى (تظاهرة مليونية). وان نفس هذه الدعوة وجهت عشية 25 شباط الا انها اجلت او تراجع الصدر عنها. ان دعوة الصدر الى تظاهرة تزامنا مع تظاهرة اعلنت من قبل ضد الفساد ونقص الخدمات واطلاق سراح المعتقلين وضد البطالة..الخ تطرح تساؤلات عديدة واهمها كيف للصدر ان يدعو الى تظاهرة تحمل نفس المطالب العادلة التي تحملها الجماهير السورية، في حين اعلن عن دعمه لقمع نظام الاسد لتلك المطالب بالحديد والنار؟ وكذلك ان الصدر نفسه جزء من العملية السياسية والحكومة والبرلمان، فهل تنطلي على احد اللعبة التي يحاول ان يلعبها على الجماهير؟ واذا اخذنا واحدة من المحافظات التي كان للصدريين ومازالوا لهم اليد الطولى فيها مثل محافظة ميسان على سبيل المثال لا الحصر، فأن وضعها لا يختلف عن المحافظات التي يسيطر عليها حزب الدعوة او المجلس الاعلى او مجموعة النجيفي في الموصل او الجبور في صلاح الدين او التحالف القومي الكردي العربي - التركماني في كركوك. اي ان منظومة الفساد وتلال الزبالة وجيش العاطلين ..الخ هي واحدة في كل تلك المحافظات دون استثناء. وكلنا نتذكر معركة (ابو درع) المنشق في مدينة الثورة مع عناصر جيش المهدي قبل اكثر من شهر ونصف، فكانت تلك المعركة من اجل عدد من المقاولات وليس اكثر. فعلى من يريد ان يتظاهر الصدر وضد من؟! ان الصدر يحاول الالتفاف على هذه الاحتجاجات مثلما حاول من قبل وفشل. ان الدعوة الى تظاهرة مليونية هي مجرد ذر الرماد في العيون. ان الدعوة الاولى للصدر في تظاهرة يوم 25 شباط ثم الاستعراض العسكري لجيش المهدي في ذكرى الاحتلال واعطاء مهلة 6 اشهر لحكومة المالكي والعمل على جمع التواقيع بحجة تقييم الخدمات والخروج الشخصي بالزي العسكري هذه الايام مرتين والان دعوته الى تظاهرة مليونية في 9 ايلول.. كلها محاولات لحرف التظاهرات عن مسارها الاصلي والعمل على الالتفاف عليها. ان من يدعم قمع النظام السوري بحق المتظاهرين السلميين ويشارك في حكومة وعملية سياسية ينخر كل زواياها بالفساد لن يكون ابدا في صف الجماهير وصف مطالبها".

وفي العدد 189 في 29 اب 2011 "في العدد السابق وضحنا ان دعوة مقتدى الصدر الى تظاهرات في 9 ايلول ليس الا محاولة للالتفاف على الاحتجاجات الجماهيرية التي دشنت منذ 25 شباط. وهناك اطراف عديدة اتصلت بلجنة الاحتجاجات الجماهيرية تريد تحديد موقفا من تظاهرات مقتدى الصدر. ان موقف مقتدى الصدر واضح منذ اليوم الاول للاحتجاجات، فأحد قادة تياره مثل بهاء الاعرجي اتهم المتظاهرين بانه يقف ورائهم الاحتلال. اضافة الى ما وضحنا سابقا في العدد (187) فأن التيار الصدري جزء من العملية السياسية ويشاركون بشكل فعال في حكومة المالكي ومسؤولين بشكل مباشر عن عمليات الفساد اسوة ممن في الكتل السياسية الاخرى. من جانب اخر ان يوم 25 شباط اسقط الهويات الطائفية والقومية والاثنية الزائفة التي فرضها الاحتلال واطراف العملية السياسية على المجتمع. وان التيار الصدري ما زال يتخندق في الخانة الطائفية وتحديدا في كتلة التحالف الوطني ممثل الاسلام السياسي الشيعي في العملية السياسية. من جانب اخر ان اي كتلة او تيار او عضو في برلمان يريد الانضمام الى الاحتجاجات الجماهيرية عليه ان يعلن انسحابه من الحكومة ومن البرلمان. ان محاولة وضع قدم في العملية السياسية والاخرى في الاحتجاجات الجماهيرية هي محاولة انتهازية لمسك العصا من الوسط وهي لعبة مكشوفة ومفضوحة. وان الراية الوحيدة المرفوعة في الاحتجاجات هي راية المطالب الجماهير الفورية ولا غيرها. لذا على الناشطين والفعالين والمنظمات والاطراف والمجاميع المشاركة في الاحتجاجات الجماهيرية عليها ان تعي هذه المسألة وتفصل افاقها عن افاق ادعاءات مقتدى الصدر واي كتلة سياسية اخرى مشاركة في الحكومة وفي البرلمان، ووضع التماييز والفصل مع المجاميع والقوى الطائفية والمشاركة في العملية السياسية بأشكال احتجاجية متنوعة."

وفي العدد 194 -13 ايلول 2011 "يبدو ان مقتدى الصدر تورط حين اعلن عن تظاهرة مليونية قبل 6 اشهر اذا لم ينفذ المالكي مطالب الجماهير. وبعد انتهاء المهلة التي اعطاها ورط نفسه من جديد في اعلان تظاهرة يوم 9 ايلول والتي سرعان ما تراجع عنها ليدخل ممثليه في دوامة من التصريحات المتناقضة، حيث من قال ان مقتدى لم يدع الى التظاهر واخر قال ان تنظيم التظاهرة مشروط بتنفيذ ثلاثة مطالب وهي توزيع عائدات النفط وتوزيع الوقود على المولدات وتعيين 50 الف عاطل عن العمل. وكل هذا فهمناه فمقتدى الصدر تعرض الى ضغوطات من ملالي طهران وقم للتراجع عن تظاهرته. لكن ما لم نفهمه ان مقتدى الصدر دعى الى تظاهرة اخرى يوم الجمعة القادم سماها تظاهرة (شكر) الى المالكي. ولكن ما هي انجازات المالكي كي يشكره مقتدى، لم نعرفها حتى الان. فكل السهام مصوبة تجاه المالكي، سهم الفساد وسهم قمع الحريات وسهم عدم توفير الكهرباء وسهم المعتقلات والسجون السرية وسهم انعدام الامن والامان.. واخرها سهم اغتيال الصحفي هادي المهدي عشية تظاهرة 9 ايلول. ومع هذا ينظم مقتدى الصدر تظاهرة ليشكر المالكي فيها. ان التفسير الوحيد لهذه التظاهرة هو ان القائمة العراقية تريد الاطاحة بالمالكي وهناك صراع يشتد بين المالكي والتحالف الكردستاني حول قانون النفط الغاز، وهناك ميناء مبارك والقصف التركي والايراني لمناطق كردستان العراق، كلها تمرغ اعتبار وسمعة حكومة المالكي بالتراب، ويحاول مقتدى الصدر من خلال تظاهرته التي لا طعم لها ولا رائحة، التشويش على اللوحة واظهار المالكي بمنظر اخر. واي كانت محاولات مقتدى الصدر، وهل ان المالكي قدم شيئا او لم يقدم كي يستحق الشكر عليه، فأنه اثبت بأنه كما قلنا في السابق ان مواقفه ليست الى جانب الجماهير التي اضنتها ممارسات حكومة المالكي ووضع نفسه في موقف لن يحسد عليه."

وخلاصة القول ما نريد ان نقوله ان اصلاحات العبادي ليس اصلاح الا لسلطة الاسلام السياسي الشيعي الحاكم في العراق واعادة ترتيب وتنظيم لصفوفه. فتحالف الاسلام السياسي الشيعي الحاكم في العراق لم ولن يتمكن من قهر داعش واعادة الحفاظ على امتيازاته ونفوذه السياسي والمادي والمعنوي بالادوات القديمة التي تصدئت عندما كان المالكي يقود ذلك التحالف. فلا فتوى السيستاني في تشكيل الحشد الشعبي قهر داعش ولا النفخ في الابواق "العراق" و"الوطنية" اعاد داعش الى عقر داره ولا التطهير الطائفي الذي قادته مليشيات العامري والخزعلي والمهندس...الخ انتزع ما اخذته داعش، فعليه ان يعيد اصلاح البيت الشيعي وبيت سلطة الاسلام السياسي.
ان اعلان مقتدى الصدر للتظاهرة التي لن تكون ابدا مليونية ليس الا احباط الهمة والعزيمة في صفوف المتظاهرين، وهذا يعني لا يمكن تخليص العراق من القهر والجوع والتشرد والفساد الا في تقصير ايادي الاسلام السياسي. فمهما بلغ سرطان الفساد من القوة، فعندما يهدد خيمة سلطة التحالف الاسلام السياسي الشيعي فالكل يتحد ضد الجماهير تحت عناوين جاهزة ومختلقة ويلتحفون براية الفساد ويتقدمون الصفوف مثلما فعلها معمر القذافي ومثلما يفعله اليوم مقتدى الصدر والعبادي.

مقالات