سمير عادل

تقديس العفوية ومعاداة التحزب، سياسة تبغي من ورائها خدمة السلطة الحاكمة

للمرة الثانية يتكرر تقديس العفوية في الاحتجاجات الجماهيرية، الاولى كانت في 25 شباط من عام 2011، والثانية تطرح اليوم بقوة في الاحتجاجات التي تجتاح مدن العراق ضد الفساد وانعدام الخدمات وفقدان الامان.
ان المفارقة تأتي من ان مسألة تقديس العفوية لا تأتي فقط من مروجي الاقلام المأجورة واصحاب المخبر السري، الذين يعملون موظفين وطابور خامس في الاحتجاجات الجماهيرية لاحتوائها ومن ثم ثلم نصالها وطويها ووضعها في ارشيف التاريخ، بل يأتي ايضا من الذين يدعون الثورية سواء بحسن نية او بسوء نية من شخصيات او احزاب تعتبر نفسها يسارية وتقدمية وتدافع عن حقوق ومطالب الجماهير.
ان الطبقة الحاكمة التي تستحوذ على مليارات الدولارات، المتمثلة بأحزاب الاسلام السياسي بالدرجة الاولى ومن ثم القوميين العرب والاكراد تعطي الحق لنفسها للمشاركة في الانتخابات بأحزابها ومنظماتها السياسية، وتعطي الحق لنفسها في ترشيح الوزير الفلاني او المسؤول الفلاني لمنصب معين على قائمة ذاك الحزب او هذا، وتسرق بقدر ما تستطيع لاغناء احزابها وتوزيعها بالتساوي او بنسب متفق عليها على كوادر واعضاء احزابها، في حين عندما تخرج الجماهير للمطالبة بحقوقها، للمطالبة بالحد الادنى من الساعات بالنوم بعيدا عن الحر والبعوض، للمطالبة بضمان بطالة حتى تحصل على فرصة عمل، للمطالبة بأقالة الفاسدين الذين حولوا العراق الى سوق للسماسرة والقوادين..، فيجب ان لا تنتظم في احزاب او يجب ان تبتعد عن الأحزاب او عن شعاراتها، وان لا تقف خلف مطالبها احزاب خارج احزاب الطبقة الحاكمة وان لا تتطابق مطالبها مع مطالب اي حزب وايضا خارج احزاب الطبقة الحاكمة، الا في حالة واحدة فقط وهي التطابق اي تطابق تلك المطالب مع احزاب الطبقة الحاكمة مثلما هو الحال مع اصلاحات العبادي لا اكثر.
ان مروجي مرض تقديس العفوية يدركون جيدا في حالة رص صفوف الجماهير المحتجة تحت راية واحدة وشعار واحد ولائحة مطالب واحدة يعني تحول اتجاه رياح الاحتجاجات بأتجاه الحرية والرفاه والمساواة. وتعني هذا ان تكف الاحزاب الحاكمة ان تكون حاكمة وان يكف دوران دولايب السرقة والنهب والسلب، وتعني نهاية الفصل الطائفي والقومي الدموي في تاريخ العراق.
ان اي حزب او منظمة عمالية او جماهيرية تعتبر نفسها تحررية وتدافع عن المطالب العادلة للجماهير تتنصل من قيادة الاحتجاجات او تتدعي انها لا تساهم بها او ليس لها دور فاعل فيها، فهي محاولة فاشلة كي تسلك طريق الانتهازية الذي يخدم الطبقة الحاكمة مصاصي دماء الجماهير في اي زمان واي مكان. فمن جهة تحاول الاحزاب او المنظمات المذكورة زج جماهيرها بالاحتجاجات او جر حتى الجماهير الى المعركة لوحدها دون ان تنير طريقها وتتحول اليها كبوصلة نضالية لتحقيق اهدافها، ومن جهة اخرى تتنصل من مسؤوليتها بـ"التورط" في تلك الاحتجاجات من اجل الحصول على مكاسب حزبية تمنحها لها احزب الاسلام السياسي التي تدير دفة السلطة في العراق على شكل صدقات .
صحيح ان العفوية تخلق الوعي بشكله الجنيني لدى الجماهير، ولكن تقديس العفوية والاستسلام لها يعني تسليم الحركة الاحتجاجية على طبق من فضة الى احزاب الطبقة الحاكمة. وبمعنى اخر تقديم الجماهير المنتفضة بشكل طوعي وانتهازي على مذبح مصالح احزاب الطبقة الحاكمة. ولذا يؤكد العبادي كما يؤكد الحزب الشيوعي العراقي بأن الاحتجاجات عفوية. وهنا نقول ليس عبثا ان يهدد العبادي في كلمته بمناسبة يوم الشباب العالمي من تدخل جهات غريبة في الاحتجاجات، كي تبعد الجماهير المشاركة فيها عن بوصلة اي حزب سياسي معادي للعملية السياسية وتحديدا الشيوعيين. وابعد من ذلك وصف السفير الايراني في بغداد ان من يقف وراء الاحتجاجات جهات اجنبية، فالجميع يريد ان تصبح الاحتجاجات عفوية ولا تخطوا خطوات اكثر لتطوير وعيها، ولا تقف احزاب سياسية متطابقة مع مطالب الجماهير لا تساوم الحكومة ولا توافق على اصلاحاتها ولا تقبل ان تقع الجماهير فريسة لما تروج له المرجعية. لان اية حركة احتجاجية ذات مطالب ثورية وعادلة دون حزب سياسي ثوري منظم وقائد لتلك الحركة لن تصل الى اي مكان. وهذا ما علمتنا أياه تجربتي الثورة المصرية والتونسية التي وصلتا الى نقطة الصفر.
ان اولئك الشباب المنخرطين بكل حماسة واخلاص في الاحتجاجات الجماهيرية في العراق ويرددون بأنهم بعيدين عن الاحزاب السياسية، وان مشاركتهم هي عفوية، انما قرروا المضي في طريق الانتحار السياسي. وعبر هذا المقال الفت انتباهم، دون تنظيم ودون حزب سياسي ثوري مرشد وقائد يحدد استراتيجية الحركة الاحتجاجية وتكتيكاتها ويضع خطط الهجوم والدفاع، لا يساوم لا مع العبادي ولا مع المرجعية، لا مع الجبوري ولا علاوي، فأنه لا مجال لتحقيق المطالب لا اليوم ولا غدا مهما بلغ حجم التضحيات.

 

مقالات