نادية محمود

حول العفوية والتنظيم

احد الاوصاف التي اطلقت على التظاهرات في العراق هذه الايام هي انها عفوية، غير مسيسة وغير حزبية. بهذا الخصوص اود التاكيد على بعض النقاط فيما يخص هذه التسميات.
نعم ان التظاهرات عفوية. فلم يكن هنالك حزب سياسي قام بتحريكها، او قام بالايعاز الى الجماهير للخروج الى الشارع، بل ان الناس التي لم تحتمل حر الصيف وانعدام فرص العمل، وسوء الخدمات وهي ترى كل يوم من على شاشات التلفزيون اخبار الفساد واللصوصية والنهب تاتي من رجال ونساء هذه الطبقة الحاكمة، وسرقة اموال الدولة لاغراضهم الشخصية، تظاهر الناس سلميا رافعين شعارات عديدة ومختلفة من المطالبة بالكهرباء وضد الفساد، الى اقالة رئيس القضاء الذي لم يقاضي فاسدا.
ألا انه ورغم عفوية هذه التظاهرات، لم تسلم من اتهامها بانها كانت محركة من قبل قوى خارجية. اي استكثر عليها حتى " عفويتها"، وعدم تنظيمها. المالكي وغيره، في العراق وايران اتهموها بان تجري لحساب اجندة خارجية، وصفوها بانها مأجورة.
الا ان ما هو ملفت للانتباه في هذا الموضوع، هي ان نسمع من المتظاهرين، ومن المؤيدين لهذه التظاهرات كلمات توحي بالتباهي بان هذه التظاهرات عفوية، وانها غير مسيسة وغير حزبية. وكأنها هذه صفات ستخدم التظاهرات ومطالب المتظاهرين، وهي تكشف وكأن التنظيم سبة، شتيمة، او اتهام يجب على المرء اعلان البراءة منه.
قد توفر "العفوية" وعدم الانضمام الى احزاب معارضة لاحزاب الحكومة الحالية، الشعور بالامان، او الحيادية، او الشعور بانها توفر عليه، مغبة العنف والقمع التي يمكن ان يتعرض له المواطن من جراء عضويته لحزب مناهض لاحزاب السلطة. الا ان ما يجري في العراق هو ان العنف الان يطال من هو عضو ومن ليس هو عضو بحزب. الشاب منتظر الذي قتلوه، ليس معلوما لاي حزب او اساسا اذا كان منتميا لاي حزب. الا ان النقطة الرئيسية في القول بالعفوية، هي استنكار التنظيم. وكأن التنظيم او الانضمام لحزب هو مثلبة، سبة، او شتيمة، او ليست حق، من حقوق المواطن، في دولة تدعي، على الاقل دستوريا، حق تاسيس الاحزاب.
انظروا الى المواجهة الحالية في هذه التظاهرات، انها مواجهة بين احزاب حاكمة منظمة وعلى اعلى درجات التنظيم، وبين الجماهير العفوية. ان درجة تنظيم احزاب الطبقة الحاكمة تتمثل في انها: ممثلة في البرلمان، والحكومة، والسلطة القضائية، ولديها ميلشيات مسلحة، وهي مدعومة من قبل المرجعية، بشكل مباشر او غير مباشر، لديها صلات دولية مع ايران بالتحديد، لديها منظمات مجتمع مدني، لديها قنواتها الفضائية، لديها ميزانيات هائلة سواء من ميزانية الدولة في العراق او الدعم المالي من ايران، ولديها الجوامع والمنابر الدينية التي تغذي المواطن بالدفاع عن المذهب. اي بكلمة اخرى ان هذه الطبقة السياسية الحاكمة لهي منظمة وعلى درجة عالية من التنظيم، وعلى كافة المستويات، من الناحية العسكرية، والسياسية، والمالية.
فالسؤال هو اذن امام طبقة على هذه الدرجة من التنظيم، كيف ستتمكن الجماهير المتظاهرة التي ترفع شعارات، وتطرح مطاليبها من قبيل: لاشيعية ولاسنية، دولة علمانية، دولة مدنية، ضد الفساد، الاصلاحات الاقتصادية فرص عمل، توفير خدمات، ان تصل هذه الجماهير الى تحقيق ولو جزء يسير، وليس كبير من هذه المطاليب، وهي تتحرك عفويا وبدون تنظيم؟.
ان المطالب التي ترفعها الجماهير تنسف الاسس التي تقوم عليه الدولة الحالية، لانها تطالب باعادة بناء الدولة في العراق على اساسين مغايرين كليا لما هو قائم الان، وهما اقامة: دولة علمانية، ودولة مسؤولة عن حاجات المجتمع. وهذين ليس فقط غير مطروحين على اجندة الحكومة الحالية، بل ان الاخيرة تعمل بالضد منهما تماما. أنهم يبنون دولة دينية ونيوليبرالية، اي دولة قائمة على الاقتصاد الحر وعلى عدم مسؤولية الدولة عن حاجات المجتمع.
أن المطالبة بالتغيير على هذه الدرجة من الجذرية والعمق، وبمواجهة سلطة طبقة على هذه الدرجة من التنظيم، لا بد ان يطرح امام الجماهير قضية اساسية وهي التئامها وعملها على الدفع بمطاليبها بمختلف الاشكال، اذا اريد لهذا المطاليب ان تجد طريقها للتنفيذ، لا ان تبقى فقط هتافات في الساحات العامة. من هنا تاتي اهمية وضرورة وجود التنظيمات السياسية والاحزاب السياسية للعمل على تنظيم ودفع هذه الحركة للامام. الجماهير وبحركات عفوية لن تتمكن من الوصول الى اهدافها. بل سيتقدم الى الميدان من هو اكثر تنظيما منها لاخذ المبادرة. ان تجربة الجماهير الثائرة في مصر، قد خسرت الصراع والمعركة ليس امام حسني مبارك، بل مع جماعة الاخوان المسلمين في مصر، وسيطرة الاخيرة على الثورة في مصر بعد ثورة يناير 2011. ان هذا لاقسى مثال على هزيمة الطرف المنظم، على ذلك غير المنظم، مهما بلغت درجة حقانية وشرعية مطاليب الاخير.
اذا ارادت الجماهير لمطاليبها ان ترى نور الشمس يجب ان تنظم نفسها. ان الجماهير ترى الاحزاب امامها، وبوسعها ان تنضم الى الاحزاب التي ترى انها تعبر عن ارادتها. الحزب الشيوعي العمالي العراقي هو احد الاحزاب التي تقف في الساحة، مدافعة، ورافعة لمطاليب الجماهير الاصلاحية، بوجود دولة وحكومة مسؤولة عن الاجابة على حاجات الجماهير، من الكهرباء والماء، والخدمات، وفرص العمل، وضد الفساد، ومن اجل فصل الدين عن الدولة. ان دخول المعارك السياسية من اجل شروط حياة افضل للجماهير يتم بوجود حركة الجماهيرية العريضة، وبوجود احزاب سياسية.
تماما كما تفعل الطبقة السياسية الحاكمة، فتلك الجماعات التي تؤلف احزاب السلطة الحاكمة لا تعمل بشكل عفوي، ولن ترضى باقل من الانتظام في احزاب سياسية، لتدفع باهدافها للامام. لم تقل انها تريد العفوية واللاسياسية، واللاتحزب. انها لا تتلاعب بمصيرها، واهدافها، وهي احزاب لعلى درجة عالية من الجدية مع نفسها ومع اهدافها. لذلك لم تقبل باقل من تشكيل احزاب سياسية. ان حزب الدعوة، المجلس الاعلى، التيار الصدري، حزب الفضيلة، هي امثلة على ذلك. لذلك يجب الارتفاع بالنضال من العفوية الى التنظيم، اذا ما اردنا تحقيق هدفي: دولة مدنية علمانية، ودولة تجيب على حاجات المجتمع بحياة افضل.

 

مقالات