سمير عادل

قانون حظر الاحزاب والطريق الى الاستبداد السياسي

قانون الاحزاب الذي غطاه الغبار وخيوط العنكبوت بسبب تركه في الارشيف لمدة ثمان سنوات يمرر في ظروف سياسية وامنية خطيرة وتخيم عليها الاحتجاجات الجماهيرية ضد الفساد وانعدام الخدمات، نقول لا يمكن وصفه باقل من قانون حظر الاحزاب. والاكثر سخرية من ذلك فأن اصلاحات العبادي التي صفقت لها المرجعية وكل الكتل السياسية، لم تشرع قانون على سبيل المثال لا الحصر يؤمن ضمان بطالة لاكثر من 35% من الشعب العراقي يعيشون تحت خط الفقر، او قانون يلغي التمويل الذاتي لمصانع ومعامل وزارة الصناعة كي لا تقطع ارزاق اكثر من 250 الف شخص يعيلون اسرهم. بينما تعجلت في تمرير قانون الاحزاب الى البرلمان ليمرره الاخير بسرعة فائقة لتشريعه وفرضه على المجتمع. هذا التزامن في تشريع قانون الاحزاب مع الاحتجاجات الجماهيرية هو سياسة المراد من ورائها تثبيت وترسيخ سلطة الاسلام السياسي الشيعي وحسم الصراع على السلطة في العراق. وتحاول الهيئة الحاكمة في العراق بتصوير تشريع القانون جزء من اصلاحات العبادي الهزيلة. الا انه في الحقيقة هو جزء من برنامج سياسي لقمع الاحزاب المعارضة للعملية السياسية، وبالتالي قمع الجماهير ومنعها من الانخراط في العمل السياسي في صفوف تلك الاحزاب.
ان المضحك في قانون الاحزاب بأنه يحتوي على مواد لا تقل هزالة عن مواد الدستور، فمثلا تقول احدى مواده وهي المادة رقم (8)، بأن الحزب الذي يطلب الرخصة للعمل السياسي يجب ان لا يتعارض مبادئه مع الدستور، في الوقت الذي تنتهك كل يوم من الناحية العملية نفس القوى القومية والطائفية الدستور وتقدم تفسيرات متنوعة في صراعها مع بعضها لتحقيق اهدافها السياسية. وفي فقرة اخرى من نفس المادة تقول ان لا تعارض ايضا مع الوحدة الوطنية. ولا ندري هل تستطيع السلطة القضائية في العراق مثلا من حظر الاحزب القومية الكردية، التي تؤكد بين فترة واخرى على استقلال كردستان، او ان تحضر الحزب الاسلامي العراقي بسبب دعوته الى تشريع الفيدراليات الطائفية، ام ان مسألة جديدة تطفو على السطح ولكن بطلة جديدة اكثر سخرية من بنود الدستور، فحسب توازن القوى يتم تفسير مواد قانون الاحزاب. وفي فقرة جديدة من نفس المادة، ان لا تتعارض مع مبادئ حقوق الانسان، فيا ترى عندما تمنع حزبا يؤمن بحق تقرير المصير ومعترف به في مبادئ حقوق الانسان والامم المتحدة الا يعتبر انتهاكا ام انها فقرة اقحمت للتغطية على بقية الفقرات؟ والمادة المضحكة الاخرى هي المادة (5) لا تؤسس احزاب على اساس "التعصب الطائفي" لتحتوي مواد صنع "التعصب الطائفي" على 100% من المطاط "اللاستيك". وبهذا لا تحظر المادة المذكورة حزب الدعوة ولا المجلس الاسلامي الاعلى وحزب الفضيلة ولا الحزب الاسلامي العراقي وهلم جرا.
فمثلا يقول لنا العبادي بأن حزبه الدعوة ليس متعصبا طائفيا ولكنه طائفي بأمتياز ولا غبار عليه، بينما الطائفية تنخر كل زاوية من زواياها، او مثلما يقول لنا سليم الجبوري ان حزبه الاسلامي العراقي ليس متعصب طائفيا ولكنه طائفي فلا بأس عليه بينما رائحة طائفيته لا تقل نتانة عن رائحة الجيفة بالمعنى المطلق للكلمة. اي بمعنى اخر ان هذه المادة مقاس مضبوط لاحزاب الاسلام السياسي بشقيه الشيعي او السني في السلطة السياسية. وهكذا تمتمد السخرية الى اجزاء اخرى من القانون في نفس المادة والبند الثالث، لا يتخذ الحزب شكل تنظيمات عسكرية، ولا ندري هنا ايضا سيمنع القانون كل احزاب الاسلام السياسي الشيعي من مزواولة نشاطه السياسي التي كل واحد منها له مليشيات خاصة بها لتصل الى اكثر من 40 مليشيا فعالة، واول تلك التنظيمات او الاحزاب هي منظمة بدر. وفي البند الرابع يقول ان لا يكون من احد قيادة الحزب مثبت عليه بأنه قام بالدعوة لترويج افكار تتعارض مع مبادئ الدستور. هذا يعني ان الدستور العراقي الطائفي المقيت الهزيل تحول الى كتاب مقدس ومن ينتهكه فليس لديه الحق ان يكون من قيادة اي حزب وهذا ما لا يتطابق مع مبادئ حقوق الانسان حسب الفقرة التي ذكرتها. يعني بشكل اخر ان التناقض يفضح المزايدة على مبادئ حقوق الانسان. اما المادة (9) البند الخامس، يخاطب اعضاء السلطة القضائية وهيئة النزاهة والقوات الامنية والجيش فيشترط عليه اما الاستقالة من الوظيفة او المؤسسة التي يعمل بها. هذا البند متناقض تماما مع البنية السياسية للسلطة في العراق. وتلك البنية هي المحاصصة الطائفية والقومية، فكيف ستتكيف هذه الاحزاب مع البند الخامس، فهذا لا يعبر الا عن الكذب والنفاق الواضح لتلك الاحزاب، فهي تريد ان تسوق صورة منافقة وكاذبة عن نفسها في المجتمع بأنها جادة في عملية اصلاحات العبادي.
وهنا اتوقف في التعرج على بقية البنود لضيق المساحة امامي الا اني سلطت الضوء على اهم التناقضات في القانون والتي على تبعث السخرية اكثر مما تبعث الاستهجان. ان قانون الاحزاب بروحه يشبه قانون احزاب زمن نظام صدام حسين الذي كان يحظر الاحزاب التي لا تؤمن بمبادئ "ثورة" 17-30 تموز وصاحبها حزب البعث.
وعليه اود ان اخاطب عبر هذا المقال القوى والشخصيات التي تعتبر نفسها مدافعة عن حرية التعبير والتنظيم والرأي وحقوق الانسان ان تشكل جبهة واسعة للاطاحة بهذا القانون. ان قانون الاحزاب سن من اجل حظر احزاب المعارضة ومرر في غفلة من الزمن، كضربة استباقية من جهة لعدم اعطاء الفرصة امام القوى السياسية المعارضة للوقوف بوجهها وعدم سنها، ومن جهة اخرى لخلق اداة قانونية في فرض الاستبداد السياسي على المجتمع.

 

مقالات