عادل احمد

اللاجئون.. والهروب من جحيم الرأسمالية!

اصبحت تدفق اللاجئين والمهاجرين في هذه الايام من دول الشرق الاوسط الى الغرب ظاهرة اجتماعية كبيرة. وان تدفق مئات الاف من العوائل من دول مثل العراق وسورية وليبيا واليمن والسودان وافغانستان يتجهون للعبور الى الدول الاوربية يوميا، بحثا عن حياة امنة وبعيدا عن الحروب والدمار الذي لحق ببلدانهم. ونسمع يوميا ايضا اخبار مأساة ومعاناة عشرات الالاف عن طريق الغرق في مياه البحار والموت خنقا في داخل الشاحنات والموت جوعا وتعبا عبر عبور الاراضي المليئة بالمخاطر. اذا ما هو السبب في كل هذه الهجرة الجماعية؟ ولماذا كل هذه الهروب وسلك طرق مليئة بالمخاطر والموت؟ ولماذا كل هذه المجازفة بحياتهم وبحياة عوائلهم واطفالهم من اجل الوصول الى الدول الاوروبية؟ وهل حقا حكومات دول الغرب تتسم بالانسانية اكثر من حكومات دول الشرق الاوسط او ما يسمى بالعالم الثالث؟ لنرى كل هذه الصور من منظار عامل في دول الشرق الاوسط وعامل في الدول الغربية.
لا شك ان الهروب سياسيا بسبب جحيم الحروب والقتال وعدم الامان والاستقرار وكذلك الهروب اقتصاديا بسبب عدم وجود الضمان وفرص العمل المتكافئة وعدم استقرار الاسواق والسندات المالية، هما السببان المباشران للهجرة المليونية في دول من الشرق الاوسط الى الدول الغربية المستقرة سياسيا واقتصاديا بشكل نسبي. ان الدول الغربية تتدخل سياسيا في معادلات القوى وتتصارع فيما بينها من اجل موطيء قدم سياسي ومناطق نفوذ وسلطة. لا توجد حكومات او احزاب او قوة معارضة بدون دعم مباشر او غير مباشر من الغرب في جميع دول الشرق الاوسط. اذا دعمت بعض الدول الغربية حكومة ما فأن معارضيها يدعمون من قبل دول غربية اخرى. وصراع الدول الغنية من اجل توسيع نفوذها في الدول الفقيرة يصاحبه صراع دموي بين القوة الحاكمة ومعارضيها. وان الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في هذه الدول تكون هي اول الضحايا التي تدفع ثمن هذا الصراع. سياسيا يكونون وقودا مباشرا لصراعهم حروبهم واقتصاديا يتوقف شريان المعيشة وتتوسع رقعة البطالة وعدم وجود ضمان للعمل ويتوسع نطاق الفقر والجوع. اذا كل الظروف السياسية المتفاقمة تأتي من تدخل دول الغرب في هذه الدول. لم يكن هناك عراق اليوم بدون احتلال امريكا ولم تكن هناك سوريا اليوم محطمة بدون تدخل الغرب واصداقائهم في الخليج.. ولم تكن هناك ليبيا ممزقة بدون تدخل الناتو.. وهكذا في اليمن وافغانستان وو... وان جيل كامل تبدد بسبب تدخل الغرب في الشرق الاوسط. فأن حسب الاحصائيات الجديدة لمنظمة الامم المتحدة والطفولة (اليونسيف) اكثر من 13.7 مليون تلميذ محرومين من التعليم، وهناك عشرات الالاف من المعلميين تركوا اعمالهم في المدارس بسبب الحروب.. وهناك الملايين من الناس مقيمين في مخيمات للاجئين، كل هذا بسبب الاقتتال والصراعات الطائفية والقومية المدعومة من الغرب.
بأمكاننا ان نقول بان المعادلة تكون على الشكل الاتي "استقرار الغرب يأتي على حساب عدم استقرار الشرق الاوسط" سواء سياسيا او اقتصاديا. ولكن ابعاد ساحة المواجهة والصراع بين الدول الغربية الى الدول الفقيرة لا يأتي بدون مشاكل في الدول الغربية نفسها ايضا. فأذا تقبل البرجوازية بهذه المعادلة فان الطبقة العاملة والقوة الانسانية في الغرب لا تقبل استقرارها النسبي على حساب الاخرين في الدول الفقيرة. وتنظر الطبقة العاملة الاوروبية الى كل ماساة دول الشرق الاوسط بعين طبقية وانسانية ولا تقبل استقرار ورفاه حياتها على حساب ماساة ابناء طبقتها في مناطق اخرى. وعلى هذا الاساس يتظاهر يوميا ابناء الطبقة العاملة الاوروبية أحتجاجا على تدخل بلدانهم في صراعات الشرق الاوسط وتعميق معاناة هذه الشعوب. ولنفس السبب تفتح الطبقة العاملة صدرها لقبول اللاجئين والمهاجرين من الشرق الاوسط، وتضغط على بلدانها لفتح حدودهم لهؤلاء المهاجرين من ابناء طبقتها.
من الناحية الاقتصادية تكون دول الشرق الاوسط والعالم الثالث مكانا مناسبا لاستثمار الرأسمال الغربي بسبب رخص الايدي العاملة ورخصة تكاليف انتاج البضائع والسلع، بسبب عدم وجود ضمانات ومصاريف مخاطر العمل والضمانات الاجتماعية الأخرى. ان تهيئة الظروف المناسبة للايدي العاملة الرخيصة يصاحبه تشديد العمل واستخدام القمع لخلق استثمار اكثر لعملية تراكم الراسمال .ان استثمار قوة الطبقة العاملة الرخيصة في هذه الدول الى ما لا نهاية لا توفر العيش ولا حياة عادية بالنسبة للطبقة العاملة والجماهير الكادحة بغير مأساة والفقر المدقع وحتى الجوع. وعندما تصل هذه الحالة الى الحد الذي لايطاق يبحث ابناء الطبقة العاملة والجماهير الكادحة الهجرة الى مكان اكثر امنا من الناحية الاقتصادية لادامة حياتهم، وتكون الدول الغربية من هذه الناحية اكثر ملائمة من بقية دول العالم.
ان الحكومات الرأسمالية في الدول الغربية هي المتهم الاول في خلق ظروف الحياة المأساوية في منطقة الشرق الاوسط والعالم الثالث بشكل عام. وان بتدخلاتهم في هذه الدول وصراعاتهم قد خلقت جحيما لشعوب هذه الدول ودمرت الانسانية وكل القيم الحضارية فيها، من اجل المنفعة الانانية البرجوازية لشركاتها ومصانعها. وان مساندتهم للحكومات المستبدة والقمعية والمعارضة الوحشية في الشرق الاوسط كافية لاتهامهم مع الاطراف المحلية في خلق الظروف الغير انسانية بحق الجماهير المحرومة. وبالمقابل ان الطبقة العاملة والجبهة الانسانية في اوروبا وامريكا رحبت بقدوم ضحايا الحروب والمأساة والفقر الى بلدانهم، وقدمت المساعدات اليهم ووقفوا بالضد من العنصرية.. وقد رفعوا معاني الانسانية حقا درجة الى الاعلى. ان كل هذا محسوب الى الجبهة الانسانية والطبقة العاملة والاشتراكيين وليس الى الحكومات الغربية عديمة الرحمة وعديمة القيم الانسانية.

 

مقالات