سامان كريم

دخول القوات الروسية الى سورية يشكل ضربة قاضية لنفوذ واعتبار امريكي في المنطقة

سؤال: منذ بداية الحرب بالوكالة في سوريا وروسيا لم تتوقف يوما من تقديم الدعم لنظام بشار الأسد سياسيا أو لوجستيا، لكن خلال الأيام المنصرمة تم صناعة أزمة من هذا الدعم وتعددت التقارير التي تحدث قسم منها عن وجود قوات روسية وقواعد عسكرية للدفاع عن بشار الأسد، أوباما وحكومته عبروا عن قلقهم من هذا الدعم والتواجد الروسي اضافة الى الحكومتين الفرنسية والبريطانية.. مبعوث اوباما للتحالف الدولي ضد دولة الخلافة الأسلامية صرح للـ (سي أن أن) بأن تواجد روسيا في الأراضي السورية يخلق مشكلة جديدة واضاف بأن هذا التواجد قد يدفع بالقوات الروسية الى مواجهة مع قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا.. مبعوث اوباما جون آلن قال أن بشار الأسد هو شخص يتحمل مقتل عشرات الألاف من السوريين، لكن الواقع الأن يقول بعد تدخل أمريكا وحلفائها في التحالف الدولي في سوريا أدى الى مقتل مئات الآلاف اضافة الى تشريد الملايين من السوريين.. النفاق والكذب والتدليس هو الستراتيجية المتبعة من أنظمة الراسمال.. هل نحن على ابواب تطور جديد في الحرب بالوكالة في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط.. وماهو برايك المخفي من وراء هذا التصعيد الجديد؟؟

سامان كريم: القضية ببساطة, هبوط موقع ودور امريكا كقوة عالمية ذات قطب واحد لقيادة العالم. هذه هي القضية الرئيسة. امريكا في موقع ضعيف مقارنة ببداية الالفية الثالثة او حتى سنة 2006 حين تقدم بيكر-هاملتون تقريهما الى الادارة الامريكية انذاك بقيادة بوش الابن. نحن امام ابواب وتغيرات وتحولات كبيرة وعميقة للغاية. تحولات وتغيرات على صعيد بنية معادلات القوى بين القوى البرجوازية العالمية. تغيرت المعادلات وتوازن القوى. امريكا تعيش في احلام امبراطوريتها الاحادية "عالم ذو قطب واحد بقيادتها", حين تستتيقظ من نومها ترى الواقع المغاير واقع عالم جديد ذو اقطاب عديدة, لكن غير متجانسة وغير متجذرة لحد الان, هذه الحالة او الظاهرة سميتها الحالة الانتقالية منذ اكثر كن خمسة او ستة سنوات.. اليوم نحن نعيش في نهايات هذه المرحلة, النهايات ولكن نهايات غير معلومة وغير واضحة بصورة محددة, الواضح المحدد هو عالم متعدد الاقطاب فقط.. اما تفاصيله غير واضحة..

امريكا فقدت جزء من قوتها وسطوتها العالمية لصالح القوى الاخرى روسيا والصين وفي المستوى الثاني لصالح المانيا والهند والبرازيل وفرنسا.. هذه هي الحالة الراهنة. ان دخول روسيا بجيش ومستشارين عسكرين مع عدد وعتاد وبدون تنسيق مسبق مع امريكا يؤكد صحة كلامنا اعلاه.

خرج الجيش الروسي "الاتحاد السوفيتي السابق" في مصر بامر سريع وفوري وحتى مفاجئ من انور السادات في سنة 1972... بمعنى خرج الروس في معادلات القوة في منطقة الشرق الاوسط وافريقيا حينذاك وقبل 43 سنة, ماعدا ميناء طرطوس السوري حيث قاعدة صغيرة لقواتها. اليوم ترجع روسيا بقيافة جديدة وفي زمن وتحولات اوضاع جديدة بعددها وعتادها المتطور الى حد كبير, وبجيش قوامه لا يقل على خمسة الاف وفق تقارير عديدة الى سورية وقاعدتها دفاعاً عن هيباتها ومكانتها في العالم الجديد، عالم ذو نظام العالمي الجديد الذي لم يتبلور بعد بشكل راسخ ومتجذر ومقبول عالميا وعلى صعيد المؤسسات العالمية. حيث يعيش العالم بين سندان ومطرقة هذه القوى العالمية في حروبها بالوكالة وفي حروبها الاقتصادية وصولاتها العسكرية... انه صراع بين اسود الغابات للفوز بقيادة الغابات او تقاسم السلطة فيما بينهم. امريكا لحد الان لا ترضى باقل مما كانت عليها اي قيادة العالم الرأسمالي بدون منافس "عالم ذو قطب واحد" والبلدان الاخرى روسيا والصين لا يقبلون بغير حصتهما.... هذه هي القضية.

دخول القوات الروسية الى سورية وبهذا الشكل, عصيان على التحالف الستيني بقيادة امريكا وكتحدي لهذا التحالف, يشكل ضربة قاضية لنفوذ واعتبار امريكي في المنطقة, في الوقت نفسه خطوة مهمة باتجاه صعود النفوذ والسطوة العالمية لروسيا, وتعديل توازن القوى العالمي لصالحها. بعد اعلان دخول القوات نرى تصريحات جديدة وخطوات جديدة من قبل القوى العالمية المتحالفة مع امريكا ومنها بريطانيا وفرنسا... تصريحات لصالح اطروحات وسياسات روسية. تصريحات من قبيل الحل السياسي في سوريا وضرورة وجود الاسد في المرحلة الانتقالية..

على صعيد اخرى ان دخول القوات الروسية وتشغيل النظام الصاروخي الدفاعي الموجه (اس اية 22) ضد الطائرات "العدو".. تصعب ويعقد اي عملية عسكرية ضد نظام الاسد من قبل امريكا، ناهيك عن عدم تجروء اي من البلدان اخرى على هذه الخطوة مثل تركيا او الهجوم عبر الاردن... وتفند محاولات تركية لفرض منطقة حظر الجوي. وتصعب عملية تغير النظام وفق النمط والسلوك الامريكي وفي الوقت نفسه تصعب تحقيق استراتيجية امريكية في المنطقة. خصوصا اذا نضيف صفقة البيع لنظام الدفاعي الجوي المكون من صواريخ "اس -300" الى ايران.. حيث يعقد اي عملية جوية محتملة ضدها سواء كان من قبل اسرائيل او اية دولة اخرى.. اخيرا ان القضية الاساسية في هذا التصعيد هي نزول الموقع والمكانة الامريكية على الصعيد العالمي وأبراز وحضور مؤثر لروسيا كتحد كبير لاستراتيجية امريكا في منطقة الشرق الاوسط... ربما ستظهر انعكاسات كبرى حتى نهاية العام في اليمن وسورية والعراق واوكرانيا على الاقل. ان لم نقل على صعيد منطقة الشرق الاوسط بأكاملها..

مقالات