سمير عادل

الاحتجاجات بين فكي قم والنجف

الاحتجاجات الجماهيرية التي دشنت الجمعة السادسة تلقي بضلالها على قلاع المرجعيتين الدينيتين في مدينتي القم والنجف. وكل مرجعية تنظر الى الاحتجاجات بمنظار يختلف عن الاخر بحيث يكاد ان يظهر للناظر الخارجي بأنه منظارين متناقضين ولكن في الحقيقة هي متطابقة، الا ان الاختلاف حول اسلوب التعامل مع الاحتجاجات التي تجتاح مدن "مظلومية الشيعة"، لتفريغها من محتواها واعادة الهيبة والاعتبار لسلطة الاسلام السياسي الشيعي في العراق.
اسلوب تعامل المرجعية الدينية في قم مع الاحتجاجات الجماهيرية ضد الفساد وانعدام الخدمات ومن اجل رغيف الخبز هو قمعها بكل الاشكال. وللمرجعية الدينية في قم خبرة كبيرة في قمع الاحتجاجات الجماهيرية في ايران، وقد استمد نوري المالكي من خزينها اساليبها واستخدمها في قمع احتجاجات 25 شباط من عام 2011. وقد كان تطابق اصوات كل من السفير الايراني في بغداد مع قائد الحرس الثوري الايراني عندما اتهمت الاحتجاجات بأن جهات خارجية تقف ورائها، هو واحد من تلك الاساليب في ايجاد المبرات لقمع الاحتجاجات في العراق.
اما اسلوب تعامل المرجعية الدينية في النجف اختلف مع الاحتجاجات، حيث ايدتها واظهرت نفسها بأنها تقف خلفها، وطالبت حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي بأجراء اصلاحات مهما كانت شكلية لاحتواء الاحتجاجات. ان التناقضات بين مواقف المرجعيتين من الاحتجاجات هي تناقضات شكلية ولا تنفي تطابق مصالحها في انقاذ هيبة واعتبار سلطة الاسلام السياسي الشيعي في العراق، بعد ان مرغته جرائم الفساد والسرقة والنهب وهزيمته امام داعش بالتراب.
ان كلا المرجعيتين في قم والنجف تستمد قوتهما من بعضهما البعض، فالاولى تعتبر مرجعية النجف فنائها الايدلوجي الخلفي ولا يمكن السماح لاحد بالمساس بها، بينما تعتبر الثانية مرجعية قم ذراعها السياسي والعسكري ورمز هيبتها من خلال سلطتها السياسية. ولذلك من السذاجة الاعتقاد بأن هناك صراع خفي او علني بين المرجعيتين. وكلاهما ينظران الى الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في البصرة لتجتاح بقية مدن "مظلومية الشيعة" لتحقيق مطالب عادلة، بأنها خطر على هيبة الاسلام السياسي الشيعي التي خطفت السلطة بدعم المارينز الامريكي وبغفلة من الزمن.
وفي الجمعة السادسة من الاحتجاجات، بينت ان حكومة العبادي المدعومة من قم والنجف لا تختلف في تعاملها مع الاحتجاجات الجماهيرية عن نوري المالكي، ولكن الفارق كما تحدثنا في السابق بوجود داعش على الابواب التي وضعت علامة استفهام كبيرة على سلطة الاسلام السياسي الشيعي. ولقد بينت احداث الجمعتين الاخيرتين عن تعامل القوات الامنية في قمع الاحتجاجات في بغداد وقبلها في كربلاء والبصرة والنجف والحلة، بأن الحاكم اذا كان العبادي او المالكي فلن يتورع في اعادة الجماهير المحتجة الى بيوتها واذا قتضت الحاجة الى قبورها. فقد اطلقت يد المليشيات في اختطاف النشطاء وفعالي الاحتجاجات واشعل الضوء الاخضر لرجال الدين مثل اليعقوبي وقبله الكربلائي والصافي بالدعوة الى منع الاحتجاجات بذريعة انها تخدم الدواعش على حد تعبيره. وحاول مقتدى الصدر في استعراض قوته ونشر الرعب في صفوف المتظاهرين في ساحة التحرير عندما دعى مؤيديه للتظاهر ضد القضاء، وفي نفس الوقت لم تتجاوز اصلاحات العبادي حدود اقالة نواب الرئاسات الثلاثة، وبعض اعضاء مجالس المحافظات وتقليص الوزارات والتي اغلبها ظلت حبر على الورق.
لقد تحدثنا حينها في 25 شباط من عام 2011 وعلى صفحات نشرة "يوميات الانتفاضة" ان نجاح الاحتجاجات الجماهيرية مرتبط بنقلها الى غير ساحات التحرير ومراكز المدن، الى مناطق سكن ومعيشة الناس، الى المصانع والمعامل، وبفصلها عن افاق اصلاحات العبادي الواهية. لقد قلنا منذ يوم الاول من 31 تموز بأن انتصار الاحتجاجات مرهون بفصل صفها عن تيار المرجعية ورمزها العبادي وان تكون شعاراتها مستقلة، وان توحد نفسها حول مطالبها العادلة وان تنظم نفسها وان تبتكر اساليب نضالية جديدة، اولها ان لا تنجر وراء العبادي والقبول ان يكون طعما للاوهام التي ينشرها. ان اصلاحات العبادي لم يكن الا طعما نصبته المرجعية للحركة الاحتجاجية كي تفرغها من محتواها ووأدها

 

مقالات