فارس محمود

مأساة -على الأقل ثمة فرصة في ركوب البحر-!

ان صورة الطفل السوري الذي تقاذفته الأمواج نحو شاطيء البحر ميتاً هزت البشرية جمعاء من اعماقها، وبث مشاعر الغضب في كل زاوية من زوايا عالمنا المعاصر على هذا العالم الذي نعيش، عالم عديم الإنسانية والرحمة.
رافقت هذه الصورة، وكل ما تنطوي عليه من ماساة بشعة، مشاعر عارمة من سخط وغضب الجماهير المتمدنة في عالمنا المعاصر، ووضعت اصبعها علىالحقيقة والماهيةاللانسانية للطبقات الحاكمة في اوربا والغرب، وبينت باجلى الاشكال انعدام المسؤولية والانحطاط الأخلاقي التي تغط به هذه الطبقة، ومسكت اخيراً بخناق هذه السلطات الحاكمة لتجبرها على القيام بما من شانه تخفيف هذه الماساة، ماساة ان لايتوقف الكثيرون من ركوب البحر ومخاطره في الوقت الذي يعلمون انهم قد يلاقوا مصير الطفل ذي الثلاثة أعوام هذا!!.
لقد فتحت هذه الصورة الأبواب المغلقة على حقيقة تجري منذ عقود، أناس كثر التهمتهم أمواج البحر دون رحمة، الاف مؤلفة أصبح مأواها الأخير قاع البحر وحيواناته المفترسة. كشفت هذه الماساة عن حقيقة لطالما تسترت عليها الطبقات الحاكمة في اوربا والغرب وصحافتها الخانعة والذليلة والمتملقة لعقود. ان صورة جثة الطفل البريء هذا كشفت القناع عن حقيقة تستروا عليها لعقود، ودقت طبول "كفى يعني كفى!" في كل زاويا من زوايا بلدان اوربا وفي كل بيت.
ليس بصعب ان يعرف المرء ان هذا الطفل والالاف غيره قد فروا من أجواء الحرب والقتل عديمة الرحمة وانعدام الامان، من أجواء انهيار البيوت على رؤوس أصحابها جراء القصف اليومي الحكومي او للمعارضة الإسلامية والقومية من أمثال النصرة وداعش وغيرها، من أجواء حروب اضرمت النار فيها في المنطقة نفسها دول الغرب المتباكية كذبا ورياءاً على "حقوق الانسان" و"عالم الحرية" وعصاباتها التي شكلتها باموالها وسلاحها وابواقها الإعلامية. هربوا من حروب هي نفسها نتاج مباشرة لسياسات الأمم المتحدة والناتو ومهندسي الحروب والجرائم الدموية في سوريا وأفغانستان وليبيا والعراق وغيرها. فرّوا جراء المصائب والويلات التي خلقتها العصابات والمليشياتية الإسلامية والطائفية والقومية اللصوصية التي نصبها الغرب نفسه ودافع عنها الغرب نفسه لتجثم على صدور عشرات الملايين في المنطقة.
انها لقاعدة بسيطة ومسلمة لالبس فيها، ان كل طرف مسؤول عن افعاله ونتائج اعماله، على الغرب ان يتحلى بالشجاعة الأخلاقية لتحمل اوزار أعمالهم وتبعاتها. على أمثال أوباما وكاميرون وغيرهم من حكومات كان لها دور في خلق هذه الماساة ان يتحلوا بهذه الشجاعة وان يردوا على هذه القضية فورا ودون ابطاء.
ينبغي وضع حد لهذه الماساة وهذا الاستهتار بحياة الانسان في الشرق الأوسط الذي دفع الكثيرون واوصلهم الى قناعة "لم يبق لدي شيء اخسره!"، "على الأقل ان ركوب أمواج البحر ومخاطره فيها فرصة ما وامل ما مهما كان ضئيلا، ولكن أية فرصة لي في البقاء تحت نيران الحرب والدمار والقتل اليومي "على قول بعض الفارين من هذه الأوضاع في مخيمات اللجوء البائسة".
انهم غير "قانونيين"؟! ليس ثمة انسان "غير قانوني"! ان الهاربين من الحروب والدمار هم أناس كحال أي انسان اخر في البلدان المتقدمة! ان ردود فعل الجماهير في هذه البلدان يؤكد على حقيقة مهمة الا وهي ان الجماهير اكثر تقدما بكثير من حكوماتها المتشدقة بحقوق الانسان، فقط انظروا الى استقبال الجماهير في المانيا في محطات القطار للاجئين! تلقفوهم بالاحضان والورود. ليعلنوا بكلمة واحدة "افتحوا الأبواب امامهم"! "نحن مواطني مجتمع انساني وعالم واحد، متساوين!" "الجميع مسؤول امام حياة مفعمة بالأمان والامل لمواطني العالم"! "الموت للعنصرية ودعاتها والمدافعين عنها"! ان هذا هو رد الجماهير المحبة للإنسان في مركز اوربا نفسها.
ينبغي توفير كل المستلزمات والامكانيات لكل الفارين من جهنم هذه المنطقة وايصالهم الى بر الأمان من هذه الاوضاع، ينبغي اجبار السلطات الحاكمة في اوربا والغرب على القيام بمسؤوليتها تجاه اللاجئين ويفتحوا الأبواب امامهم وتوفير حياة امنة وسليمة ومفعمة بالامل. ان هذا اقل مايمكن عمله تجاههم وتجاه المصيبة التي وضعوا فيها!

مقالات

فارس محمود

23/11/2015