نادية محمود

الكوليرا والماء النقي وحلول الحكومة الشيعية

حين عمت التظاهرات من اواخر شهر تموز ولحد الان مطالبة بتحسين الخدمات من كهرباء وماء، رد عدد من الاحزاب الاسلامية والشخصيات الشيعية والجمهورية الاسلامية في ايران، بان هنالك ايدي مشبوهة، وان هنالك اجندة خارجية حركت الناس الى التظاهر. الان، ولم تفض المظاهرات بعد -قرر البعض التوقف عنها هذه الجمعة بسبب عيد الاضحى- حتى بدأ انتشار الكوليرا ومنذ السابع من شهر ايلول الجاري ليعطي الدليل القاطع على حقانية وشرعية ماخرجت المظاهرات من اجله: الخدمات. الماء. الكهرباء. بعد مضي خمسة اسابيع فقط على بدء التظاهرات، انتشر داء الكوليرا، رغم ان الدولة لم تعلن عنه الا في يوم 15 ايلول.
لم ينتشر هذا المرض في القرى البعيدة عن العاصمة او في المناطق النائية، بل انتشر في العاصمة بغداد في مدينة ابي غريب والنجف، وسقطت ضحاياه في العاصمة اضافة الى بابل والديوانية، والسماوة، ولكن كيف هي الاحوال في الاماكن النائية والبعيدة، والتي لا تصلها وسائل الاعلام. لا نعلم لحد الان.

وليست هنالك احصائيات دقيقة عن عدد الضحايا او عدد المصابين في تلك المدن. ان المسؤولين يقولون بان العدد وصل لحد الان الى 40 والنسبة الأعلى للوفيات هي من محافظة النجف (حسب رئيس اللجنة الصحة في البرلمان العراقي فارس بريفكاني) وهم من النساء والاطفال، وان هنالك الف حالة مشخصة. اضافة الى هذا، تبشرنا وزيرة الصحة عديلة حمود قائلة بان احتمال زيادة عدد المصابين امر متوقع. ولكن ماهو سبب موت الناس بالكوليرا؟ انه سبب بسيط جدا وهو لا يتعدى عدم تعقيم المياه وتأمينها في مخازن نظيفة ونقلها للمواطن عبر انابيب الى اماكن سكناهم وليس اكثر.

الحكومة هي المشكلة وليست الحل:
في دولة ميزانياتها السنوية بلغت ( (100.5 مليار دولار في عام 2012، و 118 مليار في عام 2013 و109 مليار في عام 2015 عجزت عن تخصيص 38 مليار لبناء البنية التحتية، والتي من ضمنها بناء انابيب مياه وانظمة صرف صحي. رفاق الاعرجي، الناطق باسم وزارة الصحة يوجه اصبع الاتهام الى الناس لاستخدامهم مياه نهر الفرات والى حرارة الشمس، ولكن ليس للحكومة في العراق. لم يقل الاعرجي لماذا تستخدم الناس المياه من الانهار ان كانت المياه تاتي الى بيوتهم عبر الانابيب؟ في العراق شحة ماء، حسب احصائيات البنك الدولي 15% من السكان في العراق يفتقرون الى الحصول على مصدر محسن للمياه.
السؤال الذي يجب ان يطرح هو هل الحكومة مسؤولة عن توفير الماء الصالح للشرب بغض النظر عن ازدياد منسوب المياه في نهر الفرات او قلته، وبغض النظر عن درجة حرارة الشمس؟ لم يقل لنا الاعرجي شيئا عن ذلك.
الكوليرا بعد ان انقضى عهدها في العراق، عادت مرة اخرى تحت حكم الاحزاب الاسلامية الشيعية والتي استلمت السلطة في عام 2005 لتنتشر في اعوام 2007، 2008، 2009، 2010 و2012 حسب تقرير منظمة الصحة العالمية في 2014. والان في 2015 تعود من جديد. هل كان صعبا تأسيس شبكات ماء وتنظيم انظمة للصرف الصحي؟ هل كان بناء تلك الشبكات باهظ التكاليف؟ لننظر الى حلول المالكي، لقد تفتق ذهن المالكي في عام 2012 اثناء تقديمه مشروع قانون البني التحتية بان يغطي تكاليف تنفيذ هذا القانون والتي من ضمنها بناء شبكات ماء نظيف والتصريف الصحي باقتراض مبلغ قدره 38 مليار دولار بالدفع الاجل. رفض الاعضاء الاخرون في البرلمان، واتهموه بان القصة كلها هي لفتح بوابة جديدة للفساد والنهب. قد يكونوا على حق، اخذا بنظر الاعتبار الفساد الذي يشهده العراق.

ولكن ابتداءا، وقبل التفكير بالقروض، هل كان تامين مبلغ 38 مليار لبناء البنى التحتية التي تشتمل على الماء والكهرباء، والمواصلات، والمطارات، والجسور والطرق والمواني، والمدارس والصحة والخ، هل كان هذا مبلغا طائلا اساسا؟ انه اقل من المبلغ الذي استحصله المالكي شخصيا خلال 8 اعوام من رئاسته لمجلس وزراء والذي بلغ (50) مليار ونصف المليار، واقل من المبلغ الذي استحصله شخصيا اسامة النجيفي (40 مليار) ويضاهي ماجناه اياد علاوي (35) مليار. هذا ناهيك عن المبالغ التي حصل عليها نتيجة سنوات وجودهم في السلطة كل من: الاعرجي، وحسن السنيد، والشهرستاني، والبارزاني، والطالباني، والبياتي، والكربولي، وسعدون الدليمي، وهيرو، وباقر الزبيدي، وكل منهم تتراوح ملكيته عشرات المليارات.
اما الحل الذي تفتقت عنه ذهنية العبادي الان، وبعد سقوط الموتى، وتهديد انتشار المرض الى اماكن اخرى، هو استعانته بمنظمة الصليب الاحمر وباليونسيف لحل مشكلة الماء الصالح للشرب في المناطق المنكوبة. من المؤكد ان المطلوب الان انقاذ حياة كل انسان يتعرض لهذا المرض. وباية طريقة كانت وباسرع وقت ممكن ومن قبل اية جهة كانت. ولكن هل هذا هو حل لرئيس وزراء لواحدة من اغنى دول العالم بالنفط؟ ان دولة لديها المليارات سنويا، تستعين بمنظمة مجتمع مدني مثل الصليب الاحمر لتجد حلا لمشكلة ماءها الصالح للشرب قد يصلح للتدخل العاجل والطاريء ولكنها لم ولن تمس الا سطح المشكلة. لم يقل العبادي بضرورة بناء بنى تحتية لبناء اسالات ماء وتوزيع الماء وصرف صحي، بل يتحدث عن توزيع قناني مياه صالحة للشرب وتعقيم التناكر. وحين تتطلع الى وزارة البلديات والاشغال العامة ووزارة الموارد المالية المسؤولتين عن توفير ماء الشرب والصرف الصحي، ليس هنالك اية معلومات عن ما الذي ستقوم به هاتين الوزارتين لتامين الماء الصالح للشرب للناس؟ بل لا تسمع منهم نأمة عن موضوع الكوليرا. علما ان هذا يقع في صلب عمل ومسؤولية الدولة. ماهو شغل الدولة اذن وماهو عملها ان لم يكن بناء البنية التحتية، وبناء انابيب ماء وشبكات صرف صحي؟ عشر سنوات من الحكم، عادت فيه الكوليرا خلال هذه السنوات خمسة مرات، اي بمعدل كل سنتين يسقط ضحايا لهذا المرض القابل للعلاج. هل يجب ان يموت البشر لتتدخل الحكومة بالقيام باجراءات ترقيعية لعبور الازمة، ثم تنسى الامر، حتى تاتي الكوليرا مرة اخرى بعد عام او عامين؟ ام يجب ان توضع لها حلا جديا وجذريا ونهائيا.
ان لم يكن هنالك شيء على الاطلاق يكشف عجز وفشل هذه الحكومة، فان فشلها في توفير الماء، هذا المستلزم الذي يزينون فيه جدرانهم بكلمات "الماء هبة الله تعالى وسر الحياة" لهو حاسم على لا ضرورة ولا فائدة، بل ضرر هذه الحكومة على حياة الناس. هل قليلة السنين التي اشتكي فيها اهل البصرة من ملوحة الماء؟ هل قليل ماقالوا وماعادوا ان حيواناتهم اصيبت بالعمي من الماء المالح. انه عذاب دام لسنين على الرغم من الاتفاق مع اليابان لتحلية ماء البصرة.
الماء النظيف ليس سلعة: انه حاجة يجب تأمينها من قبل الدولة:
ان الماء ليس كالكهرباء او اي مطلب اخر. ان حاجة الانسان الى الماء لا تقل عن حاجته الى الهواء، بدونه الانسان يموت. شرب الماء الملوث ببكتريا الكوليرا ادى الى موت الناس، على امتداد العشر سنوات الاخيرة من حكم الاحزاب الشيعية، وهو يهدد حياة الناس الان.
تضطر الناس لشراء الماء من التناكر. ولكننا نعلم ان انتشار الكوليرا جاء بسبب تلوث مياه التناكر ببكتريا الكوليرا؟ وهل حاجة الانسان الى الماء خاضعة لقدرته الشرائية، اذا كان قادرا على الشراء ليشتري، ان لم يكن ليتناول الشاي بالحليب! وان تعذر على الناس الشراء، هل يمكن ان يستغنوا عنه؟ هل الماء يجب ان يكون سلعة للبيع والشراء؟ ماذا عن الاسر الفقيرة التي لا تستطيع الشراء؟ هل قليل الفقر في العراق؟ ان نسبة الناس الذين تعيش تحت خطر الفقر بلغت 25% حسب تصريحات الحكومة. فهل على هؤلاء الناس تدبر امر شراء الماء الصالح للشرب لان الحكومة ذات المليارات غير ابهة بموضوع شربهم للماء او اصابتهم بالكوليرا؟ ان توفير الماء هو مسؤولية الدولة. انهم كطبقة سياسية حاكمة عليها بناء البنية التحتية، عليها توفير الماء والكهرباء والمواصلات. ان الامر لايتعلق بمشكلة مالية ايجاد قرض بدفع أجل او انتظار دعم منظمات المجتمع المدني، انه قرار سياسي في المقام الاول. هل يشكل بناء البنية التحتية للمجتمع امرا يهم الدولة ام لا؟ ان الجواب على هذا السؤال يعكس ايديولوجية وفلسفة الطبقة السياسية الحاكمة. ان احزاب الاسلام الشيعي الحاكم في العراق والمكون من: حزب الدعوة، المجلس الاعلى، التيار الصدري والفضيلة، واولئك المنشقون عنهم. ليس لديهم برنامج خدمات من قبل الدولة للمجتمع. ليس لديهم برنامج اقتصادي ليجيب على حاجات الناس، وليس لديهم برنامج اجتماعي يضع مصلحة الملايين بالحسبان.
لذلك، ان حدث ان ادار الشباب ظهورهم، وغادرت الاسر مع اطفالها طلبا لحياة طبيعية امنة يتوفر فيها اولا وقبل كل شيء، الماء، يجب ان لا يلوموهم لائم.
ما ألعمل:
كما هو واضح ان التظاهر وحده لايكفي، كانت التظاهرات في الشارع، بينما الاطفال تقتلهم الكوليرا. يجب العمل من اجل فرض التغيير. ان كتابة هذه المقالة القصيرة تهدف الى فتح الموضوع وطرحه على طاولة السؤال والبحث والعمل. يجب العمل وايجاد رقابة شعبية على البنية التحتية من الاسفل، يجب مسائلة الحكومة عن وضع الماء واسالات الماء. ليس المطلوب كثيرا، تامين الكلورين لتعقيم المياه، وتامين وجود شبكات الصرف الصحي ووجود محطات تنقية الماء ووجود نظام إدارة نفايات متكامل وانابيب نقل المياه. ان الامر يتعلق بحياة البشر بشكل مباشر. ان الماء هو الحياة. بدون ماء ليست هنالك حياة. ان المواطنين الذي خرجوا وطالبوا بالخدمات، كانت تحركهم هذه الحاجات الاساسية التي اوصلت الناس ليس الى حافة الموت بل الى الموت نفسه.
ان هذه مهمة تنتظر من يقوم بها. من المؤكد ان هنالك حملات لحماية الانهار، ولكننا بحاجة الى حملة لحماية حياة البشر، بتأمين ماء كافي وماء نظيف.

 

مقالات