فارس محمود

الهجرة وابواق الطائفيين!

مع تعاظم موجة الهجرة من العراق في الأشهر الأخيرة، شهدنا حملة منظمة وشرسة من قبل جماعات واوساط إسلامية وطائفية تندد بابشع الاشكال واقذرها بهذه الهجرة، لم تبقي أسلوب مبتذل لم تسلكه، وكلمات بشعة لم تستخدمه، ليس هذا وحسب، بل راينا سعي محموم من اجل الحط من كل من جمع اشيائه ورحل بحثاً عن مكان يحفظ ادنى حدود كرامته وانسانيته التي عفرتهما بالتراب عقود من الفاشية البعثية ومن الطائفية والاقتتال والصراعات والسلطات الطائفية البغيضة بكل فسادها وجشعها واستغلالها واستهتارها بابسط المباديء والقيم الإنسانية المتعارف عليها.
لقد تحولوا فوراً الى مادة يعلكها الملا، المعمم، "القاري" او الرادود الطائفي الفلاني كما لو ان ليس في البلد مشكلة وجريمة سوى جريمة اؤلئك الذين تركوا مكرهين بلد خلسة، يكضمون الامهم، احزانهم، تاريخ حياتهم، عمرهم، اناسهم واحبابهم.
يزعقون: انهم "عديمي الغيرة"!، "عديمي الشرف"! فمن لديه "شرف" او "غيرة" لايترك "عرض" العراقيين في الوقت الذي "تتربص داعش بالعراق الجديد"! "يتركون المقدسات والدفاع عنها، تباً لهم و"لرجولتهم؟!"، "عار عليهم وخزي مابعده خزي"، "انها حملة صهيونية"! (كليشة البعثيين والقوميين والإسلاميين المعروفة!)، "لامشكلة لديهم سوى انهم يريدون ان يتسكعوا في اوربا مابين الديسكوات والبارات والحانات"!، "كل همهم ملذاتهم!" (هذه الملذات والحوريات التي تمثل نصف احاديثهم وخطبهم الطويلة و90% من تفكيرهم!)، "الايفكروا من يحمي المقدسات"!، (تتركوا اهلكم لتذهبوا عند "أولاد الحرام)!" (لاحظ هذا الانحطاط المتخلف!)، "بدلاً من ان يشاركوا إخوانهم في الحشد الشعبي، يفرون من الواجب!"، ناهيك عن وصل الانحطاط ببعض بحيث "يدعو الله على اغراقهم قبل ان يصلوا!" والخ.
انها حملة مسعورة، طائفية - شيعية، منظمة وعلى اعلى المستويات، تقوم بها الأحزاب والتيارات الطائفية الحاكمة وابواقها من ملالي وشيوخ و"رواديد" متخلفين ومعادين لاي قيم إنسانية وعصرية ومتمدنة. انها تذكر المرء كثيرا بالمفاهيم ذاتها للانحطاط القومي البعثي الفاشي ابان الحرب العراقية الإيرانية، اذ حين كان يفر الشباب من جبهات القتال، فان اول ما يتدحثوا عنه ويتحفونا به هو: "وعرضك؟!" الا تفكر بعرضك اذ يدنسه الفرس المجوس؟!" "أ انت عديم الغيرة والشرف لهذا الحد، وتترك اخوانك يدافعون عن عرضك وانت تهرب؟!" "اين هي رجولتك؟!" (هذه "الرجولة" التي يدوسون عليها يومياً الف مرة دون وازع او ضمير!). انها المفاهيم والثقافة الرجعية والمتخلفة والقروسطية ذاتها! كلاهما تنهلان من النبع ذاته، نبع المدنية واحترام الانسان وقيمته!
انهم ابواق! والا ان أي انسان عادي وبسيط يعرف حق المعرفة ان هؤلاء الشباب لم يتركوا البلد طواعية، تركوا العراق سعياً من اجل حياة افضل لهم ولاطفالهم، سعياً من اجل الأمان الاقتصادي، سعياً من اجل حياة مدنية، حياة يُحترم فيها الانسان وكرامته، حياة تليق بانسان القرن 21. يتركون العراق لانهم سأموا الجوع، الفقر، الذل، الهوان، الحروب، التعدي على كرامتهم، والتطاول على انسانيتهم، التمايز الطبقي الفاحش والعشائري والطائفي والجنسي. انهم ليسوا على استعداد للعيش تحت خط الفقر، ليسوا على استعداد لان تستهتر المليشيا الفلانية بحياتهم وغيرها.
بدلاً من ان يوجه هؤلاء الملالي و"الرواديد" عديمي القيمة حراب نقدهم لمن خلق هذه الوضعية، لمن اجبر الشباب على اتخاذ هذه الخطوة، ونقد الأرضية الواقعية للظاهرة هذه، وهي أمريكا وحربها وسلطة المليشيات الفاسدة والمتقيحة في العراق ونظامها السياسي - المليشياتي الطائفي والقوميين تعود برميه على كاهل من يركب المصاعب والمخاطر والاهوال من اجل الخلاص من هذه الوضعية. يجب ان توضع أصابع الاتهام على المسببين الحقيقيين والواقعيين لهذه الظاهرة.
انهم يفكرون بـ"المقدسات وحمايتها"، بـ"المراقد"، بـ"العرض"، "الشرف" وكل شيء الا بحق الانسان في حياة امنة وكريمة. لماذا لايفكرون بحياة الانسان وسعادته ورفاهه، لانه أفكارهم وعقائدهم ومنظومتهم الفكرية والايديولوجية والاجتماعية مناهضة للإنسان، لاترى الانسان وحاجاته وامانيه وتطلعاته. لاترى هذا! ماتراه هو فقط أهدافها بصيانة النظام القائم، نظام الطبقات القائم، باديانه ومقدساته وطوائفه التي تبرر لهذا النظام وطفيلياته المعتاشة على كدح وجوع ونهب الاخرين. انهم لايرون هذا لانهم ابواق منظومة طائفية تعتاش على "صيانة المقدسات"، اذا بهت بريق هذه المقدسات، لن تبقى خبزة لهم في هذا المجتمع. انهم يعتاشون على فتات هذا النظام، مقابل خدمة الدفاع عنه والترويج له.
ان الهجرة هو سبيل حل فردي، يقرر الانسان كفرد ان يترك مكان ما للعيش في مكان اخر افضل. المسالة ببساطة هكذا. ان حق السكن هو حق فردي ينبغي احترامه بدون قيد او شرط. ان هذا يصح على الأوضاع العادية، فما بالك الامر باوضاع مثل التي يمر بها العراق اليوم، أوضاع لاتعرف فيها ماذا سيكون عليه غدك، فكيف الحال بمستقبلك ومستقبل اطفالك؟!!!
اني لا اقصد ان اشجع احد ما على الهجرة وارتكاب سبيل المخاطر المعروف للجميع. ان ما انشده هو إرساء مجتمع اخر على انقاض هذه الوضعية، وسبيل ذلك هو توحيد الجماهير العمالية والكادحة في العراق، دعاة الحرية والمساواة لقواها ورص صفوفها وتغيير هذه الوضعية من الأساس وإرساء عالم حر وانساني ومرفه. ان هذا ما انشده. بيد ان هذا لايعطي أي احد الحق بالتجاوز على الاخرين واطلاق الاتهامات المبتذلة بحقهم، وتاليب الاخرين عليهم بالركون الى احط واكثر المفاهيم والقيم رجعية وامتهانا لكرامة الانسان وقيمته، من إسلامية وطائفية وعشائرية وغيرها.

 

مقالات

فارس محمود

23/11/2015