نادية محمود

كلمة في بدء العام الدراسي الجديد

يعتبر التعليم مرتكز اساسي من مرتكزات البنية التحتية لاجل خلق جيل قادرعلى القيام بادامة الانتاج سلع وخدمات وايضا لنقل قيم واخلاق الطبقة الحاكمة السائدة. يتمركز هدف ومهمة التعليم في الدول الغربية الرأسمالية الصناعية على تحضير جيل جديد من الايدي العاملة للسوق من علماء الى محاسبين والخ من قوة عاملة في مختلف ميادين العمل الاجتماعي، من اجل تامين الربح وادامة عمل السوق.
لذلك يشكل التعليم جزء مهم من البنية التحتية في المجتمع والنظام الراسمالي من اجل تسيير وضمان حركة وعمل السوق الان وفي المستقبل. من هنا فان بناء المدارس والجامعات، وتجهيزها باحدث المختبرات واخر المنجزات العلمية هي من الاحتياجات الاساسية في سبيل خلق جيل قادرعلى ادارة عجلة الانتاج وتقديم الخدمات، يعمل في الصناعة والزراعة والخدمات والصحة..والخ. جيل يتمتع بالمعرفة اللازمة، متطور وعلى معرفة بالتكنولوجيا للقيام بتلك الادوار.
الا ان تجربة الاحزاب الاسلامية الشيعية الحاكمة في العراق تظهر بان بناء البنية التحتية بما فيها بناء المدارس والجامعات وتزويدها بالمختبرات، وبالقاعات، وبالدروس والبحوث العلمية والدورات المهنية لا يحتل مكانة مهمة. حيث ان هذه الاحزاب تؤمن دخلها وموقعها الاقتصادي المالي من وجودها على سدة الحكم في دولة ريعية تعتمد في 90 من دخلها الوطني على بيع النفط، والذي يكفل لهم مالية كافية لادارة الدولة ولاغراق انفسهم بالاموال. فانها لا تولي اية اهمية لتنشئة جيل وعبر التعليم وكنتيجة للتعليم، يدير دفة الانتاج والصناعة والزراعة. فأية صناعة سيدير الخريجون، واية زراعة، واي ري؟ واية سياحة؟ واية خدمات؟ واية بيئة؟.
لذلك فان اهمال التعليم اهمالا تاما من قبل حكومة تلك الاحزاب، امرا ليس بمستغرب، لانها ببساطة لا تحتاج الى جيل متعلم يدير لها الانتاج. ان وجودهم في الحكم اعطاهم قدرات مالية واقتصادية هائلة، بحيث يمكن ترديد ماعبر عنه بهاء الاعرجي، بانهم حصلول على اموال "اكثر مما يستحقوا".
نتيجة لهذا الاهمال المتعمد، والذي يعكس فلسفة وسياسة وايديولوجية هذه الحكومة، لا تجد الاسر من الطبقة الوسطى بدا من ان ترسل اولادها وبناتها الى التعليم الاهلي ومدارس القطاع الخاص، من اجل تامين فرص عمل لاولادهم وبناتهم في المستقبل.
الا ان الاغلبية الساحقة من الطبقة العاملة والاسر ذات الدخل المحدود لا تملك اي خيار غير ابقاء اولادها في المدارس الحكومية، وتقوم تلك الاسر، وخاصة الامهات بتعليم اولادهم وبناتهم في البيوت، بعد الدوام المدرسي، وكل يوم. مما يعني انتقال امر تعليم الاطفال من المدرسة الحكومية الى البيت. ان مقدار التعب والاجهاد الذي تبذله الامهات -والاباء بدرجة اقل بكثير- مع الاولاد اكثر او على الاقل تضاهي ما يصرف على الطالب من وقت في المدرسة للتعلم.
اما الطبقات الاكثر فقرا، فان نصيب تسرب الاطفال من المدارس وانخراطهم في السوق قد بلغ الملايين. الامر الذي له اخطارا لاحقة على المجتمع. فالبطالة لجيل غير متعلم، غير مدرب مهنيا، ويفتقد للوعي يمكن تحميقه بسهولة وجعله ينخرط في الميلشيات والعصابات السياسية وغير السياسية. ففي العراق كل عام هنالك 850 الف شاب وشابة يبلغون سن الرشد بوصولهم الى سن الثامنة عشر، 80 % منهم عاطلين عن العمل. هؤلاء هم الذين يشكلون الكادر البشري والاحتياطي للميلشيات، والعشائرية، والتناحرات الطائفية.

فاذا كان التعليم في السابق اجباريا، والحكومة تؤمن وظائف حكومية، الا ان الامر اختلف بعد عام 2003. فمع انتشار الامية، وقلة التوظيف الحكومي، لا يجد هؤلاء الشباب سبيلا غير الانخراط في الميلشيات على اختلافها من اجل تامين الدخل للمعيشة، والميلشيات التي تدفع اكثرهي الاكثر جاذبية للشباب للانضمام اليها.
الى جانب الاهمال الحكومي لبناء المدارس وتطوير التعليم، يجب التاكيد على ان حكومة هذه الاحزاب، والاحزاب ذاتها، لم تترفع عن تسييس التعليم، سائرة بذلك بالضبط على نفس خطى النظام السابق، وتولي الجانب التربوي، اي الاخلاقي والسياسي اهمية تفوق على الجانب التعليمي. ان التربية بالنسبة لهم اهم من التعليم. لقد استخدم التعليم الحكومي والتعليم الاهلي التابع لتلك الاحزاب ومنظماتها لتكريس القيم والممارسات الدينية والطائفية.
ففي المدارس تنظم فصول للطم، ويجري توزيع الحجابات على الاطفال من الاناث اللواتي بلغن "سن التكليف الشرعي"، ويجري على قدم وساق بناء جيل شيعي يقوم بالممارسات الدينية الشيعية ويسلك سلوكا شخصيا واخلاقيا يتوائم مع التعاليم الشيعية.
من جهة اخرى لم تقبل تلك الاحزاب باقل من اعادة كتابة المناهج، وخاصة التاريخ الذي كتبته الدولة السابقة وفق الرواية الاسلامية السنية، فهي تعيد صياغته من قبل الدولة الاسلامية الشيعية وفق رايتها السياسية- الدينية، لتثبيت هوية وايديولوجية الدولة كهوية شيعية، عبر قناة التعليم. حيث انه، وفي نهاية المطاف يشكل الهم الرئيسي والربح الرئيسي لسلطة الاحزاب الشيعية هي ادامة نفوذها وسلطتها في الحكم.
فهل نتسائل اذن، لماذا ينبني جيل جديد لا يعرف القراءة والكتابة؟ ان ذلك نتيجة لفلسفة وسياسة الاحزاب الشيعية، فقلة المدارس، وحشر وجبتين اوثلاث وجبات من المدارس، وعدم قيام المعلمين والمعلمات بدورهم التعليمي، ومن ثم نقل المسؤولية على عاتق الامهات والاباء، او التسرب من التعليم الى السوق، والى الميلشيات. كلها تصب في صالح تلك الاحزاب. ان المعرفة والثقافة والعلم تشكل اعدى اعداء هذه السلطة الحاكمة.
لذا ان الوعي باهداف هذه الاحزاب من التعليم، لهو امر مهم من اجل فضحها والتصدي لها، وفي نفس الوقت لتبني سياسة بديلة للتعليم تنصب على نشر العلم والتعليم بهدف خدمة حاجات الانسان ورفاهه. ان التعليم يجب ان يكون حقا مضمونا للجميع. وان تكفله الدولة، بشكل عام والزامي ومجاني لحد سن 16 وبغض النظر عن الوضع الاقتصادي للاسر. يجب القضاء على الأمية بشكل جذري والارتقاء الدائم بمستوى التعليم والمعلومات العلمية والفنية لكافة الاطفال ذكورا واناث وفي كل مدينة وقرية.
ثانيا: يجب منع الطقوس والشعائر الدينية داخل المدارس، منع تربية البنات وتشكيل معتقداتهن وافكارهن بما يخدم عقيدة وايديولوجية السلطة الحاكمة، والتصدي لممارسات من قبيل تنظيم مراسيم سن التكليف الشرعي. بل يجب منع زج وإدخال الثقافة والمفردات الطائفية والدينية والقومية في النظام التعليمي في كافة المراحل الدراسية. لتحقيق هذا الامر، يجب ان نؤكد على ضرورة فصل الدين عن التربية والتعليم بشكل كامل، منع تدريس الدروس الدينية، الأحكام الدينية أو التفسيرات الدينية للمواضيع في المدارس والمؤسسات التربوية من اجل احلال العلم والارتقاء بمستوى التعليم والمعلومات العلمية العام. لكل طفل وطفلة و لكل فتى وفتاة ولكل رجل وامرأة..

 

مقالات