نادية محمود

مقترحان عمليان لممثل اليعقوبي حول التظاهرات الجارية في العراق

طالب ممثل ألمرجع الديني محمد اليعقوبي وإمام جامع الرحمن في بغداد عادل الساعدي، الجمعة 9 / 10 / 2015 الحكومة العراقية بمنع ما اسماهم بـ "جماعات منحطة" من "التجاوز" على المرجعية الدينية خلال التظاهرات التي تشهدها البلاد، مطالبا حكومة العبادي بقمع المتظاهرين الذين اساءوا الى الاسلام.
قبل ان اضع المقترحين، اود التذكير بجملة من المسائل: نبدأها باولا بان الذين خرجوا للتظاهرات ومنذ 31 تموز ولحد اليوم هي اعدادا بلغت مئات الالاف ان لم نقل قد بلغت المليون متظاهر، وليسوا بجماعات منحطة. مطاليب التظاهرات كانت تمتلك من الشرعية والحقانية الحد الذي جعل الحكومة ذاتها ورئيس وزرائها اعلانها اتخاذ "حزمة اصلاحات" بل وطالب العبادي نفسه المتظاهرين باعطائه "التفويض" لاجراء الاصلاحات. من جهة اخرى اعلنت ممثليات المؤسسة الدينية الشيعية ايضا عن قبولها مطاليب الجماهير مطالبة الحكومة بالاستماع اليها.
بدر هذان الموقفان من الحكومة والمؤسسة الدينية رغم اعلان المتظاهرون ومنذ الايام الاولى لرفضهم دخول رجال الدين الدخول الى ساحات التظاهرات. وكلنا نتذكر كيف قاموا بطردهم من تلك الساحات. فان يأتي الينا الساعدي الان ليصف المتظاهرين بعد شهرين ونصف من بدء التظاهرات، بأنهم جماعات منحطة، لن يعكس الا مدى عدائية هذا الممثل لمطالب المعترضين المشروعة سواء المطالبة بفرص العمل، وامان، وخدمات او غيرها.
الانحطاط الذي لم يتطرق اليه الساعدي هو ما نراه وما تكشفه الاحاديث التي يصرح بها رجال ونساء الحكومة العراقية ذاتها وقبل اي كان من احزاب الاسلام السياسي الشيعي. اخر التصريحات من العبادي نفسه وما اتحفتنا بها النائبة حنان الفتلاوي والتي تتحدث فيها عن الفضائيين، انه لانحطاط وفساد لا سابقة له، فساد اداري ومالي وسرقات ونهب، وتزوير وزبائنية ومحسوبية وارهاب. لم يقل لنا السيد الساعدي كلمة عن هذه الانحطاط الذي يتحدث به افراد الحكومة ذاتها بعضهم ضد بعض.
المغالطة الثانية التي يريد تسويقها الساعدي هي ان المتظاهرين هتفوا ضد الاسلام. هذا ليس صحيحا. لم يقل المتظاهرون ولاكلمة واحدة ضد الاسلام. لقد انتقدوا تدخل ومساندة المرجعية لاحزاب الاسلام السياسي الشيعي وحكومتهم الفاسدة. وشتان مابين الاثنين. لقد هتف المتظاهرون ومنذ الايام الاولى "باسم الدين باكونا الحرامية" اي انهم نددوا برجال السلطة كلصوص، كحرامية استخدموا الدين كغطاء لوصولهم للمال والسلطة ولسرقة الثروات.
استخدام احزاب الاسلام السياسي الشيعي للدين في الحكم لهو نار على علم، ان دستورهم لا يقبل ان يسن قانونا او ممارسة تتنافى مع التعاليم الاسلامية. هذا ما اعلن في مادته الاولى بان الدين الرسمي للدولة هو الدين الاسلامي. والمؤسسة الدينية باركتهم منذ عام 2005.
ان الاحزاب الحاكمة اليوم في العراق تأسست وعملت على اساس ديني: لنعدد: حزب الدعوة الاسلامية، المجلس الاسلامي الاعلى، التيار الصدري، حزب الفضيلة. اي كلها احزاب دينية. سواء كانت تمثل الدين او لا تمثله، هذا ليس موضوع بحثنا الان. في نهاية المطاف الحكومة والبرلمان والاحزاب الحاكمة استخدمت الدين، لتبرير وجودها والذي انتهى الى انهم يكتنزوا المليارات من الدولارات، والناس بدون ماء صحي ولا كهرباء ولافرص عمل. فماذا يظن الساعدي اية هتافات ستهتف الجماهير؟ اما الهتاف الثاني، والذي يطالب الساعدي حكومة العبادي بقمع المتظاهرين جراء ترديدهم له هو " قشمرتنه المرجعية وانتخبنا السرسرية". ان هذا الهتاف تردد من قبل الناس منذ عام 2008، اي بعد مرور سنوات قلائل على انتخاب حكومة الاسلام السياسي الشيعي. انه يعبر عن عملية خداعهم بانهم انتخبوا من تبين لاحقا انهم جمع من السرسرية. لم يتطرق المتظاهرون ولا باي من هتافاتهم الى الهجوم على الاسلام. انهم تحدثوا عن البشر ولم يتحدثوا عن الدين.

ان المؤسسة الدينية الشيعية كان ولا زال لها دور سياسي في العراق، لذا ونتيجة لهذا الدور، ستكون حالها حال اي جهة سياسية او دينية او اجتماعية اخرى عرضة للنقد. اية جهة تزج نفسها في السياسة، تكون عرضة للنقد وللهجوم. الدخول في السياسة، يعني الدخول في حلبة حرب والقبول بقوانين هذه العملية. ان لم يرق هذا الامر للسيد الساعدي، فامامه طريقين للحل:
الاول: طريق واضح ولا يحتاج الى عناء التفكير كثيرا، هو عدم حشر الدين بالسياسة وعدم زج المرجعية بالسياسة. اي فصل الدين عن السياسة وفصل الاسلام عن السياسة. ان من حق الساعدي تماما المطالبة بحرمة دينه والحفاظ على هيبته، ان بامكانه ومن اجل تضمين هذه الحرمة، ان يبعد الاسلام عن السياسة اولا وقبل كل شيء.
وبهذا تفوز المرجعية والناطقين باسم الدين بعدم التعرض لهما، بعدم ذكرهما، ولن يزعج سمعه اية هتافات من قبيل باسم الدين باكونا الحرامية، ولا من قبيل قشمرتنا المرجعية وانتخبنا السرسرية. الدخول في السياسة يعني التعرض لنيرانها، فلا احد بمنأى عن شرارها. هذا لا جدال فيه.
من جهة اخرى، بفصل الدين عن الدولة وعن الطبقة الحاكمة، تعرف الجماهير انها بمواجهة طبقة رأسمالية استفادت من وجودها على سدة الحكم لتسيطر على موارد البلاد من اجل النهب والسلب. اي ان الجماهير لن تضطر الى التطرق الى الدين، ولا الى المرجعية، بل سيكون صراعها سافرا، واضحا، مباشرا، وشفافا وجها لوجه مع زمرة لصوصية ليس هدفها الا مراكمة الارباح نتيجة وجودها في السلطة. بهذا المطلب، تكون الجماهير قد وفرت جهودها بالتركيز والنضال ضد تلك الطبقة اللصوصية دون ان تنال الدين ولا المؤسسة الدينية بكلمة او بهتاف. لقد عبرت الجماهير المتظاهرة عن ارادتها برفع شعارات مكتوبة لا للاسلام السياسي، مطالبة بدولة غير دينية.
بهذا الترتيب نكون كلانا قد كسبنا اي كما يتم التعبير عنه بالانكليزية: win win situation اي يربح كلا طرفي النزاع. فهل يقبل الساعدي بهذه الترتيب؟ فهل يقبل الساعدي بمطلب فصل الدين عن السياسة حرمة للدين وحرمة للاسلام؟ الطريق الثاني هو ان يؤسس حكومة تستجيب لمطاليب الجماهير بالصحة وفرص العيش، والتعليم والماء الصحي وكهرباء 24 ساعة في اليوم، وامان، وحرمة للافراد. الا ان تصريحات الساعدي لا يبدو انها مكترثة كثيرا بمطاليب الجماهير، بل جل اهتمامه منصبا على المرجعية والدين وليس حاجات البشر. ان هذا اللا اكتراث هو امتداد لتجربة العشر سنوات من حكم الاحزاب الاسلام السياسي الشيعي، بمساندة المرجعية ورجال الدين اثبتت انهم لم ولن يكونوا قادرين على الاستجابة لمطاليب الجماهير، بل ان تلك المطاليب والحاجات لا تشكل هما لهم لا من قريب ولا من بعيد. انهم طبقة طبقة منتفعة ناهبة للثروات، على حساب طبقة مليونية تنوء تحت اعباء الضغوط الاقتصادية وانعدام الخدمات.
ان لم يقبل الساعدي بالحل الاول، وعجز عن تقديم الحل الثاني، فليس لديه الحق على الاطلاق ان يمنع الجماهير بالمناداة وفضح اولئك الذين استخدموا الدين من اجل النهب والسلب والحرمان وانعدام الامن، والمطالبة بالاصلاح او بتغييرهم، سيرا على المثل العراقي: "اما ترحمني او تخلي رحمة الله تنزل علي". واللجوء الى القمع كما يطالب الساعدي، ليس حلا لمطالب الجماهير، ولن يمكنه ان يكتم اصوات الجماهير. مطاليب الجماهير تبحث عن حل حقيقي، فان لم يختر اي من الحلين، فان المعركة، لا مناص، مستمرة.
ان ما صرح به الساعدي ليعطي دليلا قاطعا على ان الحكومة والمؤسسة الدينية هما جزءان من هيئة فوقية واحدة، انهما جزءان لاينفصلان ولا يمكنهما ان يؤمنا على وجودهما دون ان يمدا يدا العون لبعضهما البعض. انهما يشكلان جزءان من طبقة سياسية رأسمالية تسعى الى المحافظة على وجودها وامكانياتها المالية الخيالية جراء وجودها في السلطة السياسية، او في سلطتها الدينية. لقد وقفت المؤسسة الدينية مع الحكومة العراقية، وطالبت الناس بالتصويت لها، او اعطاءها الوقت لتقوم بالاصلاحات، وكأن الحكومة كان ينقصها الوقت. ان المؤسسة الدينية هي هيئة فكرية ايديولوجية تسوغ وجود الحكومة ذاته، كونها حكومة شيعية، وهي تشكل المنبر الايديولوجي والفكري المدافع والذي يبارك ويغذي ويسوق وجود الحكومة امام المواطنين.
اما الحكومة ذاتها ومن جهتها فقد وضعت في دستورها وفي خطابها حماية الدين والتعاليم الاسلامية، ورفضت اي نقض لقوانين الاسلام، كجزء من حمياتها للدين الذي تشكل المؤسسة الدينية الشيعية احد حصونها الدفاعية، وكما تعيد و تكرر " خطها الاحمر" لردع وقمع الجماهير عن الوصول، او تحدي هذه المؤسسة، التي انبرى الساعدي للدفاع عنها، حالما سمع بالهتافات ضدها طالبة الحكومة باستخدام " القمع". ان الحكومة والمؤسسة الدينية هما جزئين من طبقة رأسمالية واحدة حاكمة، طبقة تحكم دولة رأسمالية ريعية، متخذة من الاسلام السياسي الشيعي رايتها الايديولوجية والفكرية، ان " التجاوز" على اي جزء من هذه الطبقة، سيشكل بالضرورة "تجاوزا" على الطرف الاخر. المؤسسة الدينية والحكومة هما جزءان من كل واحد. وهذا يفسر لجوء الساعدي الى طلب العون من الحكومة، التي تظاهر المتظاهرون ضدها، للدفاع عن "المرجعية".

 

مقالات