فارس محمود

ا محقين في فرحهم بتدخل روسيا؟!


في خطوة لم يتوقعها الكثيرون، سواء من الخصوم او الحلفاء، قامت روسيا بتدخل عسكري سافر وواضح في سوريا. اذ بين ليلة وضحاها شنت الطائرات الحربية الروسية مئات الطلعات الجوية لتقصف مواقع المعارضة السورية لنظام الأسد. يعد هذا التدخل الروسي خطوة ذا أهمية بالغة في اعادة صياغة اللوحة الحربية والسياسية في سوريا والمنطقة عموماً، خطوة قلبت فعلاً الطاولة على المسارات الراهنة في مايسمى "الملف السوري"! واطاحت جدياً بامور كانت لحد الامس بديهيات ومسلمات!
واطلق الكثيرون العنان لخيالهم طرباً وفرحاً مستشهدين بعبارات بوتين "الكاوبوية" من مثل "أمريكا ترى المواكب والمجرات في الكون، فكيف لها بان لاترى داعش على الأرض!!!" كدليل على تواطيء أمريكا مع داعش وانعدام مصداقيتها في حرب داعش، راسمين بوتين بوصفه رجل "قول وفعل"، مقارنة بأوباما الذي هو فقط "قول"! دون أي فعل. ان هذا التصوير ساذج ومخادع في الوقت نفسه، وهناك اهداف من وراء خلق مثل هذه التصاوير عن روسيا والتدخل الروسي. ولكن لايعرف احد ما فرق الامبريالية والنزعة التوسعية الروسية اوالصينية او الألمانية عن الامريكية؟! انها ليست سوى نزعة معاداة الامبريالية الامريكية التي تستند عن حق الى تاريخ أمريكا الاجرامي على الصعيد العالمي، بيد ان "نزعة معاداة الامبريالية الامريكية" لاتقول شيئاً عن الامبريالية الروسية او الصينية التي ان هيمنت، لن تقل مخاطر ودمار واجرام عن الامريكية، فالاخيرة حلت على انقاض انهيار الامبريالية البريطانية التي اغرقت العالم في بحار من الدماء من اجل مصالحها الراسمالية الامبريالية. فما الذي تغير؟ وما الذي سيتغير؟ وما هو سر هذا الفرح؟! لا اعلم. للامبريالية منطقها الخاص، منطق الحروب والاستغلال، الهيمنة والجرائم ودعم الديكتاتوريات والوقوف بوجه أي مسعى تقدمي على الصعيد العالمي وغيرها.
ان ادعاءات روسيا فيما يخص خطوتها هذه هي كاذبة وعديمة الأساس. ان ادعائاتها المتمثلة بانها أتت لدحر داعش وانهاء داعش هي كاذبة بقدر ادعائات أمريكا بقصف العراق وشن الحرب على العراق. ان اول الاثار المباشرة لاعمال القصف الحربي هذه هي تعاظم مصائب المدنيين العزل والابرياء الذي لاذنب لهم سوى وجودهم في بلد اسمه سوريا. أبرياء انقطعت بهم سبل الحياة، ولم يبق لهم سوى الفرار من سوريا وركوب أمواج البحار التي ابتلعت ما ابتلعت منهم في رحلة البحث عن الأمان في اوربا!
اذ، وبحجة داعش ايضاً، قامت أمريكا بتعزيز حضورها العسكري في المنطقة، عبر عقد التحالفات مع دول لها دور أساس في ظهور داعش، عبر الحضور تحت راية محاربة داعش وانهاء داعش، وهيأت القاصي والداني لامر ان هذا الامر ليس ببسيط وسيستغرق أعوام!!، وها هي روسيا وبالحجة ذاتها تدخل للمنطقة تحت هذا الغطاء والمبرر الكاذب.
كلاهما أمريكا والغرب، من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى في صراع ضاري حول ما يسمى بإعادة اقتسام العالم. ان هذا التصعيد هو نتيجة مباشرة لاوضاع انتهاء عالم احادي القطب بقيادة أمريكا ونظامها العالمي الامبريالي الجديد - القديم المخضب بدماء الملايين. انه صراع من اجل تقاسم الحصص، حصص الهيمنة والتسلط. نجد اليوم، ولأول مرة، دخول الصين على الخط كحليف "حربي"لروسيا بوجه أمريكا. نعم، اذ لاتقبل الصين، وهي بهذه القدرات الاقتصادية العملاقة والهائلة، ان تكون خارج تقاسم الحصص هذه. انها تنشد مكانة في عالم اليوم والخارطة العالمية اليوم، بموازاة تناميها الاقتصادي وتناسبه، وان هذا يستلزم اول مايستلزم تقوية حضورها تدخلها العسكري، ان اقتضى الامر ذلك، هذا الحضور المدعوم بارقام خيالية من الانفاق على التسليح ووزارة الدفاع، الدفاع عن مصالح الامبريالية العالمية للصين.
ولهذا بوسع المرء ان يرى بسهولة الربط السريع والفوري للقوى ذاتها بين الملف الاوكراني بالملف السوري. فكل يمسك الاخر من المكان الذي يوجعه. فالامر لا يتعلق بداعش اساساً. ولهذا ان تعالي الأصوات بالتدخل الروسي في العراق ومحاربة داعش وانهاء داعش ماهي الا دلالة على أوهام أصحابها ومحدودية رؤيتهم. ان تعالي الأصوات في العراق من اجل تدخل روسيا العسكري بحجة داعش هو في الحقيقة دعوة قوى محلية من اجل نيل حصتها من تقاسم كعكة السلطة الذي يدور على صعيد عالمي. فحديث السلطة المليشياتية الحاكمة في العراق عن تدخل روسيا يهدف اليوم الى الانضمام الرسمي والعلني لمحور روسيا – الصين – ايران – سوريا - حزب الله! في الصراع بوجه أمريكا والغرب وحلفائها الإقليميين من تركيا وقطر والسعودية و...!
في هذا الصراع الامبريالي العالمي، ان مايثير الانتباه هو هذا الحد من التشوش والتيه الذي تمر به القوى والاقطاب الامبريالية العالمية جراء عدم وجود رد واضح للاوضاع الراهنة على الصعيد العالمي. ان نظرة بسيطة الى أوضاع منطقة الشرق الأوسط والتناقضات الصراعات الإقليمية الحادة، وبالأخص فيما يتعلق بقضية فلسطين، التلاطمات والتناقضات الاجتماعية في مجتمعات تلك المنطقة التي تجلس على براكين سياسية واجتماعية هائلة تؤكد هذه الحقيقة. ليس لها رد على تلك الأوضاع والمعضلات.
ان داعش والخلاص من داعش هو قضية الجماهير التحررية في العراق وسوريا والعالم. ليس بوسع الجماهير ان تتطلع من روسيا وامريكا ذلك، انهما ياتيان بهما، وقد يحذفوها من الساحة، وقد ياتوا بغيرها، كل حسب مقتضياتهم السياسية الانية ومشاريعهم السياسية في الهيمنة والتسلط على مقدرات العالم. لماذا نرهن رقابنا للمصالح الانية لهذه القوى المعادية للجماهير التحررية او تلك؟! يجب ان نحرر انفسنا منها ومن دورها المشؤوم..


مقالات

فارس محمود

23/11/2015