نادية محمود

قانون الاحزاب في العراق لمصلحة من؟ وضد من؟

اقر البرلمان العراقي يوم 27 اب/ اغسطس قانون الاحزاب السياسية في العراق. في هذه المقالة اود توضيح لماذا يستهدف هذا القانون حماية الطبقة الرأسمالية الحاكمة ذات الايدلوجية الاسلامية الشيعية. من المعلوم ان هذا القانون جرى الصراع حوله بين الاحزاب الاسلامية الشيعية ذاتها وعلى امتداد ثماني سنين، وذلك تحسبا من وضع مصادرهم -اي الاحزاب الاسلامية- المالية، او ارتباطاتهم الخارجية، او ارتباطاتهم بالميلشيات، وهي الفقرات التي اكد على ان القانون سيتعقبها، تحت طائلة السؤال. كيف حدث، انه وبعد تظاهرات هذا الصيف، ان قام اعضاء البرلمان بالتصويت، دون ايلاء اية اهمية لتلك النقاط التي كانت تشكل محل قلقهم واعتراضهم، غير حقيقة، ان هذا القانون، سيكون قابل للمساومات، ولن يجري تطبيقه على الاحزاب الاسلامية الشيعية، لا من بعيد ولا من قريب.

التعددية السياسية؟ اية تعددية؟ ان الادعاء بان هذا القانون جاء ليكرس مبدأ التعددية، لهو خال من المعنى وضحك على الذقون. تنص المادة 55 بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر ولا تزيد على سنة كل من انشأ او نظم او ادار او مول حزبا غير مرخص.
ان تشكيل الاحزاب هي جزء لا يتجزء من المجتمع، وطبقاته. ولو نظرنا الى قوانين الاحزاب في الديمقراطيات الاوربية، فان مسؤولية الدولة تقوم على تسجيل الاحزاب، وليس منحها الشرعية او عدم منحها. وبالتحديد تسجيل الاحزاب الراغبة في الدخول في الانتخابات. ان المسالة الرئيسية التي تشكل المحور الاساسي لهذا القانون هو ان لا يكون في برامج الاحزاب وفي اعمال واقوال اعضائها اي شيء يتناقض مع الدستور. فمن اية جاءت الجرأة لمدوني القانون ليقولوا لنا، ان هذا القانون هو لتأمين" التعددية"؟

ان شرط القبول بالدستور هو شرط جامع مانع وينسف اية ارضية للتعددية. ان احزابا تعزف على وتر "الاسلام، دين الدولة الرسمي، ولاقانون يناقض تعاليم الاسلام" له شبيه بقانون الأحزاب السياسية رقم (30) والذي اصدره نظام صدام عام 1991. لقد اشترط ذلك القانون على الحزب الجديد أن لا تتعارض مبادئه مع مبادئ ثورة 17 تموز وأن لا يعارض تحقيق الوحدة ويعتز بما حققته سلطة الثورة (الحزب الحاكم!!) ما الفرق بين هذا القانون وقانون حزب البعث؟ ان التعددية تعني ان الاحزاب تملك الحق والحرية بتبني ايديولوجيتها وفكرها وتسجيل الاحزاب للانتخابات لا يتطلب التدخل في برامجها السياسية، ولا في ايديولوجيتها، او فكرها السياسي. التسجيل للانتخابات هي وضع الضوابط للاحزاب التي ستتنافس للانتخابات. مسالة قبول او عدم قبول الاحزاب عائد الى الناخبين المصوتين وليس الى الدولة. بالانتخابات تصوت الناس لمن تقبل ايديولوجيتهم وسياساتهم، ولا تصوت لمن لا يعبر عنها. ان هذا هو معنى التعددية في الدول الديمقراطية في الغرب.
اما اذا قام القانون برصف جميع الاحزاب السياسية امام الجمهور الناخب كاحزاب مؤيدة للدستور للاسلامي، مبرمجة ومكيفة وفق مشيئة الاحزاب الاسلامية، وتقدم للناخب ليستنقي واحدا منها، انما يصادر حق الحزب وحق الناخب معا في الفكر وفي الاختيار. فالحزب -غير الاسلامي او العلماني- اما ان يكون قد كيف اموره حسب ارادة واضعي الدستور وايديولوجتيهم، او يكف عن العمل الحزبي أو العمل الحزبي العلني. ولا يترك للناخب فرصة للاختيار. ان هذا ليس "تعددية" بل تفرد الايديولوجية الاسلامية في الحكم كايديولوجية وفكر وسياسة للدولة، وتريد فرضها على المجتمع.
ان الدستور ليس بنص مقدس، الذين كتبوا الدستور ينتهكونه كل يوم، بل ويعيدون ويكررون على اصلاح الدستور، فكيف يمكن التمسك وعدم معارضة دستور هو اساسا عرضة للتغيير، والحديث عن تغييره امر يتكرر سماعه. فلماذا لا يجب ان يعارض حزب الدستور؟ قانون الاحزاب قانون اية طبقة وضد اية طبقة؟ من المعلوم ان الدستور الذي كتبته الاحزاب الشيعية بعد انتخابات كانون الثاني 2005، والذي قاد جلساته المجلس الاعلى، وبمشاركة الاحزاب الشيعية، لن يكون لديهم خلافا مع الدستور، لذلك هذا الشرط ليس موجها بالاساس ضد الاحزاب الشيعية، لانها هي التي كتبت الدستور. بل ضد ألاحزاب التي لا تمت للاسلام السياسي بصلة، ولاتمت بمصلحة لاحزاب الطبقة الرأسمالية الاسلامية الحاكمة في العراق اليوم.

ان السلطة التي اطلقت هذا القانون، هي التي تحكم العراق منذ عام 2005 والمتهمة بالنهب والسلب والقتل والمحسوبيات. هذه الطبقة، واحزابها، احزاب الاسلام السياسي الشيعي تمكنت عبر وصول ايديها الى مداخيل الدولة ان تتحول الى طبقة لصوصية متماسكة، يساوم بعضهم البعض للحفاظ على مصالحهم، ويتستر بعضهم على بعض في ترتيبة من المحاصصة السياسية. هذه الطبقة واتباعها لها مصلحة في ابقاء الاوضاع على ما هي عليه. ومن اجل ادامة سيطرتها، فان لديها مصلحة حقيقية وحاسمة بتكرار خطابها الديني، كخطاب رادع للجماهير التي تفكر بتغيير الوضع، في كل قانون وتشريع ودستور وممارسة. لذلك فان اصرارها على الخضوع للدستور، ونصه على ان الاسلام هو دين الدولة الرسمي، ولايجب القيام باي عمل يتناقض مع تعاليم الاسلام، انما هو لحماية وجودها ومصالحها المالية، كطبقة رأسمالية اسلامية حاكمة، بالدرجة الاساس، حيث انهم وضعوا انفسهم كممثلين للاسلام في السلطة. واي مساس بها هو مساس بالاسلام، واي تحدي لها هو تحدي للدين، يجب قمعه. لذلك فهي تسعى عبر خطابها وايديولوجيتها الدينية، ودفاعها عن قانون احزاب يقر ويكرس الاسلام دينا للدولة، تسعى الى اسكات صوت كل معارض لها.

من هنا، من مصلحة الطبقة العاملة، والقوى الشيوعية، التصدي لهذا القانون، لانه يحمي الاسلام السياسي، كايديولوجية وفكر تتبناه ويحمي الطبقة الرأسمالية في العراق. ان شن حملات فضح وتشهير بحقيقة هذه "التعددية" في العراق، لهي، تصب في المطاف الاخير، بتقوية الصف المعترض للجماهير المليونية، التي ما كفت عن التظاهر منذ اواخر شهر تموز ولحد الان. واي تكريس لهذا القانون، انما يعني صب الماء في طاحونة الطبقة اللصوصية في العراق، التي اتخذت من الاسلام السياسي ايديولوجية لها.
ان التعددية الحقيقية، هي اطلاق الحريات السياسية للجماهير دون اي قيد او شرط، سواء كانت منسجمة مع الدستور او ضده، ان النضال ضد الدستور الاسلامي، هو احد ميادين الصراع بين الطبقة الحاكمة، التي فصلته على قياساتها، وخدمة لاهدافها، وبين الجماهير، التي لم ترى من الدستور غير وثيقة لتثبيت حكمهم الاسلامي السياسي، الذي يسعون عبر قانون الاحزاب، مرة اخرى، الى ادامته وتكريسه.

مقالات